Share

دولاب أمّي –                          

                             طفولة

*سعدالله بركات

في  دار  من طين وخشب عتيق ، لمعيشة فلاّح  ، وحارة فيها الأزقّة تضيق  ، فلا نافذة ، ولا خرم إبرة لشعاع شمس  في غرفيتها ، يوم لا نور إلاّ سراج يزيد الجوّ بالخنيق  ، هنا ولدت وفي ضنك عشت ،  كافحت واجتهدت حتى وجدتني على الدنيا وعالم آخر أستفيق .

 لم يكن امامي غير دار المعلمين ، لراتب يفوق الثمانين ، حتى إذا  باشرت التعليم براتب شهري 240 ليرة مطالع السبعينات  ، ومع تكفّلي بإعالة الأسرة ،بادرت  لانتشالها من  تلك الدار، ،  وبحماس ( دولاب أمّي )  وتجدّد (نول أبي ) تمّ بناء دار طينية   سقفها خشب   وبعضه من الدار القديمة  ، ولكن بنوافذ وأبواب اشتريناها من سوق الأنقاض،  تلفّ حولها الشمس مدى النهار ، و وأنا  أزاوج الدراسة مع العمل  .

 

فعن أيّ طفولة أتحدث؟ الملعب  ساحة الحارة،  للعبة  – الغميّضة – التخفّي ،فلا طابة ولامن يحزنون….ولا حلوى غير زبيب العنب   البيتي ،  وغير قطعة (المسكة) من دكان \ الآغا مواس \ مقابل بيضة، إذا تكرّمت الوالدة بواحدة من بيض الدجاج ، الذي يجمع لمائدة الضيوف  ،أو يباع لسدّ حاجات البيت ، خرجية الفرنكات عرفتها من أخي  المتطوع في الجيش ، حيث بتّ أنتظر إجازاته  وكانت أغلبها يأتيها بالدرّاجة من بلدة البريج  غربي صدد\20\كم ، وكذلك  العيديّة من أخوالي .

أما الغذاء الفاخر فخبز التنور صنيع أمي في استراحة دولابها  ، وما أطيبه ، من القمح الذي كان يخزّن لسنوات الجفاف ، وللحقيقة لم نعرف خبز الشعير ، أمّا  البرغل فمن مونة المحصول السنوية ،غير أنّ خضار و فاكهة الصيف  ،كانت  كافية  وشهيّة من كرومنا  المرويّة من (عين البلدة ) جنوبا و قناتها الرومانية  شمالا – قبل أن يصبحا أثرا بعد عين –  ، فاكهة الشتاء برتقال يزورنا عندما يبيع أبي العباءات أو يستلم مايرسله في كل عيد عمي (أخيه من أمّه)  من مهجره الأمريكي  ، فيكون العيد حقيقيا بلباس أو غرض جديد للبيت..!.

في طفولتي المبكّرة ، أصبت ب ” النكاف ، أبو كعب ”   رافقه أو أعقبه  التهاب  أذني اليسرى ، ما أفقدني السمع بها نهائيا ، حيث لاطبيب ولا أجرته  ،  ومن تداعياتها نقص سمع في اليمنى ، لكنّ د. عبد  ، ومن دون تخطيط سمع ، لم يعفني من الخدمة الميدانيّة .

 بسبب شح الموارد ،اضطّرّ والدي إلى الذهاب مع غيره من رجال البلدة  للعمل ،ليس بأجر وإنما على الإنتاج ، في الحسكة – منطقة الشدّادي في مزارع القطن لأل كنعو،  ولعدم الخبرة  ذهب جهدهم سدى ، وعاد والدي مريضا  ومدانا مع رفاقه بثمن البذار وتكاليف السقاية ، وأذكرفي يفاعي أن رجلا من آل كنعو جاء إلى صدد لتحصيل الديون، لكن والدي الذي استدعي أولا باعتباره المسؤول عن رفاقه ، أقنعه ببساطة  بأن يعود عن الفكرة لسوء الحالة المعيشية ،ويعرف عن والدي تمتّعه بحكمة وظرافة ، ويحكى عنه المبادرة للمصالحة بين الناس ، والرأي المقنع ، وفيما سمعت تكرارا ومن غيره أنّ –الآغا   سويدان ،أرسل من مقره في بلدة (ح غربا)  من يجمع له مساعدات لشراء بلدة – طفيل- اللبنانية ، ولمّا جاء مع دليله لعند الوالد ، وهو يحوك  في نوله  ، قالا له:(( إن الآغا في ضيقة مادية لشرائه  قرية  طفيل))، ردّ والدي على الفور:(( ليش يشتري ويضايق حالو- حاله – ويضايقنا))، ومن دون نقاش ،وعلى عجل ودّعاه ، ليقطع رسول الآغا مهمته ويبّلغ ماسمعه  للآغا ، الذي أثنى على عودته سريعا لفهمه ماتنطوي عليه عبارة الوالد من دلالات عن أيام معيشة الناس  وأيامهم الحالكات .

  • كاتب سوري- أمريكي

                                                   ***************************