في الجامعة * سعدالله بركات

Share

                                           في الجامعة …..                                                     

*سعدالله بركات بركات 

حين رجفت أمي من خبر تعيني معلما في دمشق ، كان دولابها كما نول أبي  يشاركانها الهاجس ، لكن  لم يتحسّبوا لاستقراري فيها ، وتجاهلي  مصاريف المدينة  التي لايتطلبها العيش في أرياف الجزيرةً  حيث الصوف أرخص ،  والتقوا لتخفيف أثر الصدمة  على أمل كم سنة وأعود  إلى جانبهم في البلدة ، وربّما يعتمدون عليّ  أكثر ، لم لا وقد مارست قبلا حياكة  مغزول أمي ودولابها في نول أبي ، ولأملهم الذي خاب مسوغات، فدوام  المعلم اليومي  قصير ،عطلاته عديدة وصيفيته مديدة ، بينما أنا في غير واد  ، هدفي المباشر كان نيل  البكالوريا التي لم أستطع تقديمها مع بعض زملائي بدار المعلمين لصغر سني ، وهاجسي المقلق خدمة العلم  و الجامعة ، لعلّ الأولى  لا تحول دون طموحي  الجامعي ، وقد شاركتني به أمي بل وحفّزتني لأكون ضابط شرطة  مثل جار قريبتها خريج دار المعلمين ، قبل نيله الحقوق . 

 رحت أشتغل على هدفي  ما استطعت ، كان على المشي نحو ١٥ دقيقة لأستقلّ باصين يوصلاني إلى عملي في مدرسة عدنان المدني في برزة  ، كما في العودة ، وأنا المعنيّ وحيدا بأعباء  معيشتي بغرفتي التي التهم إيجارها ١\٥ من راتبي المنتظر ليسعف أهلا ويبني لهم دارا يدخلها شعاع شمس .

 لظروف دراستي  مع بداية عملي التعليمي ،  لم يكن مجموع درجاتي في امتحان الشهادة الثانوية حرّة – أدبي   ،يتجاوز معدل الجيد إلا بقليل 64.2 %  حيث حصلت على 154 درجة من 240  ، لكنها أتاحت لي فرصا عدّة في القبول الجامعي ، ومنها الحقوق ، الفلسفة واللغة العربية  والإنكليزية ، وتوفّر لديّ شرطا المجموع ودرجة المادة    .

كنت توّاقا لدراسة الأدب العربي ، وأنا المتفوق في الإعراب  والعروض، لكني تخوّفت من الفحص الشفهي للتجويد والفقه الإسلامي ، صرفتُ النظر حتى عدت ١٩٧٨ طالبا في قسم اللغة العربية ، لأحمل إجازة ثانية عام 1982 ، وتلك حكاية سآتي على روايتها .

ومع ماسمعنا : عن ضرورة حفظ القوانين  والتواريخ ، تجاهلت الحقوق  والتاريخ ، كما  الفلسفة ،لتعقيداتها  ، وهكذا وجدتني ألجأ إلى فرع محدث ” قسم الإجازة العامة في الأداب” وظنّي أن فرص عمل خريجيه تنتظرنا ، و ليس معاناة  تداعيات الارتجال سوء التدبير، ربما نغّصت علينا  مع مشاغل العمل ،  متعة الحياة  الجامعية حيث الصبايا  يضفين عليها حيوية من عبق وجمال.

ما أن باشرنا الدراسة حتى تبيّن لنا أنها خليط من كل قسم مادة  ، شيء من أدب وجغرافيا و..و ما يشي أنها ثانوية أدبي موسعة  ..لكن على  يد أساتذة كبار ومواد ضخمة .

وفي عامنا الجامعي الأول كيف أنسى ،أمسية ” نزار قباني ” على مدرج جامعة دمشق حين افتتحها ببائيته المعروفة :

فرشت على ثراك الطاهر الهدبا…………  فيا دمشق……..  لماذا نبدأ العتبا

دمشق ياكنز أحلامي ومروحتي …………أشكو العروبة أم أشكو لك العربا ؟

كانت إحدى فعّاليات مهرجان كلية الحقوق ، وشاعر دمشق خريجها ، كان  المدرج مكتظّا بالواقفين  أيضا ، مثلما  شاهدت من وقف أو افترش أرض  مدرج ملعب تشرين ، خلال أمسية ” محمود درويش” 1982   بدعوة من اتحاد الطلبة…

بعدما اجتزت السنة من الدورة الأولى وبمعدل  جيد ، وجدت نفسي على مفترق طرق ، كان عليّنا أن نختار أيّ سنة دراسية من أقسام كلية الأداب  وكذلك في السنتين التاليتين ، استكمالا للسنوات الأربع ؟؟؟  تصوروا أيّ سنة  من أيّ قسم  ! فعلا خلطة معتبرة .

فكّرت باللغة الإنكليزية تعويضا عمّا فاتني ، واستزادة وتمكّنا ، حضرت درسا  عن الشعر في مدرج لكلية الهندسة وخرجت منه بكلمتين عن العروض stres,  unstres سترس و أنسترس ، ولم أكرّرها .

لمّا علمت بإلغاء الفحوص الشفوية للفقه الإسلامي ، هرعت للسنة الثانية لغة عربية ، فكيف لي أدرس  سنة أولى مرتين!!! ، كانت مغامرة  اجتزتها  بحمل  مادتين للدورة الثانية  ، وقد أفادتني بعد سنوات  في  عودتي للجامعة  كما سيتضح.

كانت غنيّة ، ربّما لشعور أنّي في صفّ  جديد  ، حيث ابتعدنا عن عصور الجاهلية في الأدب والتاريخ ،  و ها نحن ندرس أدب مخضرمين مثالهم  شاعر الرسول (ص) “حسان  بن ثابت ” وشعره الرصين على وضوحه ،  وما تضمّنه من غزل  عفيف، وهل أنسى ؟ صاحب مؤلف “الغزل في الأدب العربي “أ.د.شكري فيصل  وأناقته ، وقد خلع سترته عن  حمالتي بنطال ، ليتحرّر إلى حماسه وهو يشوّقك ، إلى شعر حسان إلقاء  وتوضيحا لمقاصد شعر لمّا يفقد ألقه  ، بينما الطلاب يتزاحمون صفوفا ورفوفا على المقاعد أو وقوفا  ، في مدرج  لكلية الآداب  القديمة  تحت الحقوق  صدارة   الجامعة ” السورية ” الأمّ  في البرامكة ، قبل أن ننتقل إلى البناء الجديد على أوستراد المزة .

أم أنسى أ. نجدة خماش  !!  بقامتها الشامخة  وهيبة أناقتها ، وطلاقة لفظها الإنجليزية  وأناتها علينا  وعلى تخبيصنا في هذه الأعجمية ،. وهي زوجة المحامي المعروف ، رياض المالكي وقد التقيتها  بعد سنتين في معهد إعداد المدرسين ، أم د. ليلى صباغ وهي تصول وتجول  بنا  في معارك التاريخ ووقائعه ،لتستعيدها حيّة ، فتترسخ في الأذهان .

أم  أ.مازن مبارك ..وجديّته  المحبِّبة لصرامة  النحو، وهو يبسطه لنا بأمثلة تلو أخرى، فنتشرّب المعلومات بسلاسة ، على كثافتها  وسمتها الحفظية  .

قاربنا  من نصف سنوات الدراسة ولم يفتكر إلا قلة منّا بمصيرنا بعد التخرّج ، وربّما بالغنا في الظنّ ،-  بعضه هنا ليس إثما- أنّ استحداث قسم “الإجازة العامة في الآداب ” جاء لحاجة مؤسسات ، لنفاجأ بالعكس تماما ، الجامعة أحدثت الاختصاص ، وليعلّق الخريجون شهاداتهم على الجدران  أو “يبلونها ويشربون ماءها ” وهكذا كان لمن وقع في الفخّ.

فطنة البعض  وخاصّة فاتح أحمد ونورس جحجاح ، قادت للتحرّك وإقرار الجامعة   – إحداث شعبتين للصحافة والأثار – التواصل مع الجهات المعنية بتشغيل الخريجين  .

 

ما أن باشرنا تخصص  الصحافة سنة 3  ،حتى شعرنا بانفتاح أفق  جديد ، بعيدا عن رتابة التعليم ،لم يكن العمل الصحفي  هدفا مسبقا  ، لكن ثمّة  مؤشرات دالّة ، مجلّات  الجندي  و جيش الشعب ،  يجلبها أخي  في زياراته للقرية  ، كانت تستهويني ببعض قراءات ، وفي حمص  رحت  اتلقف  مجلة الشرطة من ابن عمي   ، وأنا في السنة الأولى دار معلمين 1966،  لفتني مقال  أذكر عنوانه ” بين المال والدم ”  لخّصته  لمجلة الحائط  التي لم نكن نعرفها في مدارسنا ، فنُشر بخط  وعنوان جميل مذيّل ياسمي ، 

عندما  فتح  المجال ، وجدتني  ألجه على عجل ، لم أفكر بالآثار ، كما لم أستسغ  المضي في تخصّص هجين ، لا أفق عمليّا له،   

هنا مواد جديدة وبعيدة عن مجلدات الكتب  العريقة ،،ملخصات ،  وبعض كتب مترجمة للمعهد الإعلامي ، منها  كتاب ، الصحافة الاشتراكية  لفرانس فايبر …   المدرّسون أصحاب خبرة  عمليّة درّسوها في المعهد  : حسين العودات مدير وكالة الأنباء  السابق  ، بقامته الفارعة ، وتدفّق أفكاره عن صياغة الخبر الصحفي، د . اسكندر لوقا  الذي يأسرك بابتسامته ورزانته ، وهو يرشدنا إلى علم الاختزال و سرعة تلخيص   بيان أو خطاب ، مدّرس الصحافة ميشيل كيلو، تراه لا يكلُّ  بصوته الجهوري ، وهو يملي علينا  مفاهيم الإعلام ونظريات الحشد وسيكولوجيته ، فيما يضيئ لنا  ” برجس عزّام ” طرق الأرشفة على مهل ، ويسرد د. طيّب تزييني بسلاسة ، أفكار كتابه ،، مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث ..

عدد طلاب  لايتجاوز 40 وحضور أقل ، كنت  واظبت على  اقتناء وقراءة مجلّة الشراع اللبنانية  والصحف المحلية  ،لأمازج   العملي مع  مواد نظرية  مشوّقة ، ،تجاوزت السنة ٣ – الأولى في التخصّص – من الدورة الأولى وبمعدل جيد ، كانت سنة شيّقة ، قادتني خلالها حلقة بحث عن الصفحة الثقافيّة في صحيفة ” النقاد” الأسبوعية الدمشقية  إلى المكتبة الظاهرية العريقة في دمشق القديمة ، هالتني رفوف الكتب والمجلدات ، وعبق التاريخ الفوّاح منها يجذب الباحثين ، وحينها تعرّفت على واحد من رواد بلدتي  ، الحقوقي حبيب العرب ” زميل أولاده في الجامعة لتكون بداية صداقة. وكان يعدّ لكتابه ” صدد في التاريخ ” . السنة الرابعة  كانت سنة خطبة و زواج  و…تخرّج في الدورة الثانية وبمعدل قارب الجيد  59:2 بالمائة …. .

في السنة الأخيرة  طلب إلينا التدريب لأيام في المؤسسات الصحفية ،  ومن باب الوفاء أذكر للسيد سهيل زيدان ….اهتمامه وفسح المجال  والتوجيه ، وكم كانت فرحتي كبيرة حينما قرأت الخبر كما صغته في صدر الصفحة الأولى من جريدة الثورة ،   

 ، أيضا  كان ترحيب ميشيل خياط واصطحابي لإجراء تحقيق صحفي عن المدينة الجامعية ، لا أذكر أنه أشار لجهدي معه حين نشر الموضوع في الجريدة ، تدريبنا  لم يشمل التلفزيون ، وأمّا في الإذاعة لم نلق الترحيب المأمول ، كما لم ألقه من  البعض حين التحقت بعملي في أخبارها ..

 لم يكن أمامنا  غير العمل في المؤسسات الحكومية ، حين حظينا بلقاء وزير الإعلام  ، وعدنا بالعمل على التعيين  .الذي تم بعد عام من تخرجنا ،  حيث صدرت الموافقة  على تشغيل  نحو 20 خريجا  ، عُينت وحدي في إذاعة دمشق  ولا أعرف لمَ وكيف ؟   ،و لالتحاقي بالعمل الجديد حكاية  معاناة تروى. .

                               ***************************

*كاتب وناقد سوري أمريكي

**من رواية دولاب أمي