Views: 19
قراءةٌ نقديّةٌ في قصةِ «رحيل» للكاتبِ “سعدالله بركات”
*بقلم الأديبة ليلى صليبي
تندرجُ قصةُ «رحيل» ضمنَ السّردِ الإنسانيِّ التأمّليّ الذي يراهنُ على الحدثِ الصّغيرِ ليكشفَ مأساةً كبرى؛ مأساةَ الوحدةِ في عالمٍ مزدحمٍ، والغيابُ في زمنٍ يضجُّ بالحضورِ الشّكليّ. لا تقومُ القصةُ على حبكةٍ متشعّبةٍ، بل على لحظةٍ كاشفةٍ تتكاثفُ فيها الدلالةُ حتى تبلغَ بُعدَها الرمزيِّ والاجتماعيِّ.
1. العنوانُ بوصفِه عتبةً دلاليّةً:
جاء العنوان مفردًا، نكرةً: رحيل، بلا توصيفٍ ولا إضافةٍ. وهذه النّكرةُ لا تُحيلُ إلى شخصٍ بعينه، بل إلى حالةٍ إنسانيّةٍ عامّةٍ. الرّحيلُ هنا ليس موتًا بيولوجيًّا فحسبُ، بل انسحابًا صامتًا من الحياةِ، يتمُّ دونَ ضجيجٍ، ودونَ شهودٍ. هكذا يهيّئُ العنوانُ القارئَ لقراءةٍ تتجاوزُ الحكايةَ نحو سؤالِ الوجودِ والعلاقةِ بالآخرِ.
2. السّردُ : من النّحيبِ الفرديِّ إلى المأساةِ الجماعيّةِ.
تُفتتحُ القصةُ بصوتِ النّحيبِ، لا بصوتِ الخبرِ. هذه البدايةُ الذكيّةُ تُقدّمُ الأثرَ النّفسيَّ قبلَ السّببِ، فتجعلُ القارئَ شريكًا في القلقِ قبلَ أن يعرفَ الفاجعةً. ثم يتدرّجُ السّردُ من علاقةٍ شخصيّةٍ محدودةٍ (صديق–جارته أمل) إلى مشهدٍ اجتماعيٍّ أوسعَ، حيثُ يُصبحُ الموتُ حدثًا إداريًّا: طاقمُ عملٍ، إجراءاتٌ، مواعيدٌ، وبطاقاتُ تعزيةٍ.
الكاتبُ لا يُدينُ مباشرةً، بل يتركُ الوقائعَ تتكلّمُ، وهو ما يمنحُ النصَّ صدقَه وقوّتَه.
3. شخصيةُ «أمل»: المفارقةُ والرمزُ:
اسم «أمل» يحملُ شحنةً رمزيّةً عاليةً. تموتُ أمل وحيدةً، ويُكتشفُ موتُها بالرائحةِ لا بالاشتياقِ. هنا تتجلّى المفارقةُ المؤلمةُ:
يموتُ الأملُ حين تموتُ العلاقاتُ الحقيقيّةُ، وحين تُستبدلُ الجيرةُ بالتّجاورِ ، والمعرفةِ الإنسانيّةِ بالتّحايا العابرةِ.
الشّخصيّةُ مرسومةٌ بالغيابِ أكثرَ ممّا هي مرسومةٌ بالحضورِ، وهذا مقصودٌ فنيًّا؛ فهي تمثّلُ آلافَ الأشخاصِ الذين يعيشون ويموتون على هامشِ الانتباهِ.
4. التّفاصيلُ بوصفِها أداةَ إدانةٍ صامتةٍ:
يعتمدُ النّصُّ على تفاصيلَ دقيقةٍ:
• باب البناء المفتوح
• الرائحة
• باقتا الورد وبطاقات العزاء
• غياب النواح والمشيّعين
هذه التفاصيلُ ليستْ محايدةً؛ إنَّها تُشكّلُ إدانةً أخلاقيّةً غيرَ مباشرةٍ لمجتمعٍ نظّمَ الموتَ، لكنّه فرّغَ الحياةَ من دفئِها.
5. الخاتمةُ: تكثيفُ الفكرةِ الوجوديّةِ:
يأتي الحوارُ التّلفزيوني في الخاتمةِ ليؤدّيَ وظيفةَ المرآةِ الفكريّةِ للنصِّ كلِّه .الخوفُ من تأجيلِ الدّفنِ ليس خوفًا من الموتِ، بل من الوحدةِ المؤجَّلةِ، من أن نموتَ ولا يكونُ ثمّةَ مَنْ يسرعُ إلينا بدافعِ الحبِّ.
&& خلاصة
«رحيل» ليستْ قصةً عن موتِ امرأةٍ، بل عن موتِ المعنى في العلاقاتِ الإنسانيّةِ. نصٌّ هادئٌ، عميقٌ، يتقاطعُ فيه السّردُ مع الفلسفةِ الاجتماعيّةِ، ويثبتُ أنَّ القصةَ القصيرةَ قادرةٌ، بأدواتٍ قليلةٍ، على طرحِ أسئلةٍ كبيرةٍ:
• متى بدأْنا نموتُ قبلَ الموتِ؟
• ومَنْ يشهدُ على رحيلِنا حين نصيرُ مجرّدَ إجراءٍ؟
إنّها قصّةٌ تُقرأُ بصمتٍ وتُغلقُ بحسرةٍ.
وفي الختامِ، لا يسعُني إلاَّ أن أتوجّهَ بالشّكرِ العميقِ للكاتبِ المبدعِ “سعدالله بركات”، ليس فقط على ما قدّمَه من مضمونٍ إنسانيٍّ مؤثّرٍ، بل على أسلوبِه الكتابيِّ الآخذِ في التّرسُّخِ والتّبلورِ. ففي تجربتِه القصصيّةِ الثّانيةِ، يُثبتُ أنّ الكتابةَ لديه ليستْ مصادفةً عابرةً، بل خيارٌ واعٍ، وحسٌّ فنيٌّ يتقدّمُ بثباتٍ، ويزدادُ قدرةً على الإمساكِ بالتّفاصيلِ، وبناءِ المشهدِ، وتكثيفِ الدّلالةِ دونَ افتعالٍ.
إنّها كتابةٌ تنمُّ عن وعيٍ بالسّردِ، واحترامٍ للقارئِ، وثقةٍ متناميةٍ بالأداةِ الفنيّةِ.
كلُّ التّقديرِ لهذه الخطوةِ الثّانيةِ الواثقةِ، مع التمنّي بأن تتواصلَ هذه التجربةُ، ناضجةً أكثرَ، وغنيّةً بما يعدُ بمسارٍ إبداعيٍّ لافتٍ.
سلمت يمناكَ ودامَ عطاؤكَ وابداعُكَ المتميزُ . تحياتي وتقديري وتمنياتى بالتّوفيقِ. والنّجاحِ .
*أديبة لبنانية ناقدة -حائزة على ماجستير في اللغة العربية وآدابها وتدرّسها





































