Views: 2
حكاية 17 رمضان 1447 هجري
رثاء نزار قبّاني
في الثلاثينَ من نيسان (أبريل 1998) كنتُ في الشارقة، وَتناقلتِ الأخبارُ نبأَ وفاةِ الشاعرِ (نزار قبّاني) في مكانِ إقامتِه بمدينةِ لندن.
أنا أحِبُّ هذا الشاعرَ، شخصيّاً وشِعريّاً، وكما كانَتْ مَنزلةُ المتنبّي في العصرِ العبّاسيّ، فإنّ لهذا الأميرِ الدّمشقيّ مكانتَه الكبيرةَ في الشعرِ العربيّ المعاصِر.
كتبَ نزارُ (1923_ 1998) للعروبةِ مُؤمناً بها مُنتقِدا أَخطاءَها، وكتبَ بالسّكينِ لفلسطين مُدافِعاً عن عدالةِ قضيّتها راسماً أقصرَ الدّروبِ لتحريرِها، وكتبَ للمرأةِ فاستطاعَ النفاذَ إلى عُمقِ مشاعرِها فكأنّه يكتبُ بلسانِها، وأَنشدَ للحُبِّ فَرأى أن الجسدَ والرُّوحَ ركنانِ أَساسيّانِ له، وإهمالُ أيٍّ مِنهما هو كَذِبٌ ومُداهنة، فكانَ جَريئاً في ألفاظِهِ، صَريحاً في التعبيرِ الشِّعري عن طقوسِ الجَسدِ ولهفةِ الروحِ لَدى الرّجُلِ والمرأةِ مَعاً.
عَرّى الزّيفَ السياسيّ، وانتقدَ أخطاءَ الحُكّام، وعارضَ تهميشَ الشعوب، وَصرخَ في وجهِ القمعِ وتقييدِ حريّة التعبير، وَلاقى في سبيلِ ذلك التهميشَ والتّطنيشَ والإبعادَ والنفيَ والسجنَ، وظلّ مُؤمناً بفكرتِه دون تراجُع، ورَثى أحبابَه الرّاحلين (أمّه، ابنَه، زوجتَه بلقيس) بطريقةٍ تجعلُ القارئَ يظنّ أنّ الشاعر ليسَ ذاتَهُ مَن يكتبُ للجَمالِ والحُبّ والأنثى، وكتبَ لدمشقَ كأجملِ ما كُتِبَ لها من سطورِ المُحبّبين في القديمِ والجَديد.
حضرتُ لدمشقَ صيف 1992 كمتقدّمٍ لمسابقةِ اختيارِ مذيعين في التّلفزيون السوريّ، وقرأتُ إعلاناً عن أمسيةٍ شعريّةٍ لنزار، فقرّرْتُ حضورَها بهدفِ لقائِه، وحضرتُ واستمعتُ لقصائد (ثلاثية الانتفاضة، رثاء طه حسين، ترصيع بالذهب على سيف دمشقيّ، المهرولون، وغيرِها..)، لكنّي لم أنجحْ في المسابقة، ولم أستطعْ لقاءَه بسببِ زحامِ الناس، وكثرةِ العَسَسِ، ومتابعتِه الأمنيّة والإعلاميّة بعدَ السّماحِ لهُ بالعودةِ إلى دمشقَ عَقِبَ سنواتٍ من المَنع.
ماتَ الشاعرُ تارِكاً قصائدَهُ في الكتبِ والدّفاترِ والدّواوين وألسنةِ الحافظين، وأرشيفِ الصّحفِ والمجلّاتِ والإذاعاتِ ومحطّاتِ التلفزة، وبينَ قلوبِ العشّاقِ وصدورِ الجَميلات.
وَالشعراءُ بشَرٌ، يُولودونَ كما يولدُ الناس، ويَموتون غالِباً كما يَموتُ النّاس، معَ بعضِ الضّجيجِ والصّخب، الذي تجسّدَ في التقرّبِ الحكوميّ من الشاعرِ بعد رحيلِه في عاصمةِ الضّباب (لندن)، فأمرَ الرئيسُ السوريّ وقتَها (حافظ الأسد)، بنقلِ جثمانِه على نفقةِ الدولة، والسماحِ بدفنِ جثمانِهِ في دمشق، وأن يسمّى شارعٌ قريبٌ من بيتِه باسمِه، أمّا أنا فكتبْتُ يومَها رِثائيّةً جعلْتُ عنوانَها (ثالثَ مفقود) وكأنَّ نزاراً – على سبيلِ المُبالغة – ثالثُ مفقودٍ وحّدَ وجدانَ العربِ برحيلهِ بعدَ الأندلسِ والقدس.
والقصيدةُ مَنشورةٌ في ديواني (عصافيرُ الدم)، حيثُ قلْتُ في رثاءِ نزار قبّاني قبل 28 عاماً:
صَهيلُ مَوتِكَ أَبكى الشِّعرَ وَالأَدَبا
وَغابةُ الضّادِ جَفَّتْ، أَصبحَتْ حَطَبا
وَدَّعتَنا وَ عويلُ الجُرحِ يَسكُنُنا
وَسَيفُنا صارَ في ساحِ الوَغى خَشَبا
وَ(لندنُ) الغَربِ كَمْ مَصّتْ عُصارَتَنا
وَاستَعمَرتْ أُمَماً أوْ دَبّجَتْ كَذِبا
وَ يا قبيلةَ عُشّاقٍ بِأَكمَلِها
جَمْرُ المَحَبَّةِ باتَ اليَومَ مُلتَهِبا
لا ياسمينُ دمشقَ اليومَ في أَلَقٍ
وَلا الدّوالي سَقَتْ مِنْ نَزفِها العِنَبا
يابنَ الثّباتِ إِذا ما انزاحَ بَعضُهُمُ
وَهَروَلَ القَصْرُ والمُهْرُ الجَريُ كَبا
يا شاعرَ العُرْبِ كَمْ صارَعْتَ ما رَسَموا
مِنَ الحُدودِ، وَمِمَّا دَجّلوا خُطَبا
مَازِلْتَ في صَمتِهِمْ صَوتاً وَجَلجَلَةً
وَفي عُيونِ الغَواني العِشقَ وَالذَّهَبا
في كلِّ عاصمةٍ مَجْدٌ وَمَلحَمَةٌ
وَخَفقَةٌ مِنْ فُؤادٍ يَنتَشي طَرَبا
وَأُمُّكَ الشَّامُ مَهْما الأُمّهاتُ قَسَتْ
فَحُبُّهُنَّ عَلى الأيّامِ ما نَضَبا
تَرَكْتَ مَملَكَةٌ، مَنْ ذا سَيَحكُمُها؟
يا مُفرَداً جَمْعُهُ مِنْ ضادِنا سُلِبا
العُربُ قَد فَقَدوا قُدساً وَأَندَلُساً
وكّلُّهُم قَد بَكى يَوماً أوِ اِكْتَأَبا
وَأنتَ ثالثُ مفقودٍ يُوَحّدُنا
حَيّاً وَما زِلتَ في صَحرائِنا رُطَبا
أَرثيكَ؟ لا! فَبُحورِ الشِّعرِ عاجِزَةٌ
وَكُلَّما اِصْطَدْتُ بَحراً نَحْوَكُمْ هَرَبا
=====


































