قراءة في قصيدة (إفطار الذكرى على مائدة الغياب ) للشاعر د. جمال مرسي بقلم الأديب أ.د. عبد الله حسين كراز
اللغة المجازية ودلالاتها في قصيدة “إفطار الذكرى على مائدة الغياب” للشاعر د. جمال مرسي
…
بقلم ا. د. عبد الله حسين كراز أستاذةالادب الانجليزي والنقد المقارن بجامعة الأزهر / غزة / فلسطين
……
أولا : القصيدة
…
إفطار الذكرى على مائدة الغياب
…
وَتَمُرُّ ذِكرَاكَ الْحَبِيبَةُ يَا أَبِي
كَالنُّورِ يَسرِي فِي دُجَايَ الْأَصعَبِ
وَكَأَنَّهُ مَلَكٌ يَحُطُّ رِحَالَهُ
فِي غَارِ خَفَّاقٍ حَزِينٍ مُتَعِبِ
حَمَلَ الرِّسَالَةَ مِن إِلَهٍ رَاحِمٍ
لِيُخَفِّفَ الْأَعبَاءَ عَن قَلبِ الصَّبِي
كَم مَرَّتِ الْأَيَّامُ دُونَكَ مُرَّةً
مُذ غِبتَ يَا نُورَ الضُّحَى عَن كَوكَبِي
وَتَرَكتَ نَايَكَ عَاِزفاً فِي غُرفَتِي
لَحْنَ الرُّجُوعِ، فَهَل تُحَقِّقُ مَطلَبِي؟
وَتَعُودُ مِن بَعدِ الرَّحِيلِ فَأَرتَوِي
مِن نَبعِ كَوثَرِكَ النَّقِيِّ الْأَعذَبِ؟
أَم أَنَّ أَوهَامِي سَتَأخُذُنِي إِلَى
مَا لَيسَ لِي مِن أَخذِهِ مِن مَهرَبِ ؟
عِشرُونَ عَاماً مُذ رَحَلتَ وَلَم يَزَل
نَيلُ اشتِيَاقِي لِلِّقَا لَم يَنضَبِ
فَأَعُودُ لِلبَيتِ الَّذِي شَيَّدتَهُ
بِحَلَالِ مَالٍ خَالِصٍ لَم يُسلَبِ
وَزَرَعتَ فِي بَاحَاتِهِ قَمحَ التُّقَى
تَنمُو السَّنَابِلُ لِلفَقِيرِ الْمُسغِبِ
قُرآنَ رَبِّي كُنتَ تَتلُو خَاشِعاً
آيَاتِهِ مِن فَجرِنَا لِلمَغرِبِ
فَكَأَنَّمَا فَوحُ الْجِنَانِ سَرَى بِنَا
عَبْرَ التِّلَاوَةِ لِلصَّحَابَةِ وَالنَّبِي
فَنَرَى النَّبِيَّ وَقَد تَوَضَّأَ بِالسَّنَا
يَحنُو عَلَى قَلبِ الفَقِيرِ الْمُجدِبِ
ونَرَى “أَبَا بَكرٍ” ، نَرَى “عُمَرَ” الَّذِي
بِالْعَدلِ يَمشِي فِي أَزِقَّةِ يَثرِبِ
وَنَرَى الْفُتُوحَاتِ الَّتِي قَد أَسَّسَت
لِحَضَارَةٍ بِالْحَقِّ لَا بِالْمَنصِبِ
آثَارُهَا بَقِيَت شَوَامِخَ لِلذُّرَا
مَا كَانَ يُنكِرُهَا سِوَى فَدْمٍ غَبِي
وَيَجِيءُ شَهرُ الصَّومِ تَجمَعُنَا عَلَى
عِلمٍ تَعَطَّرَ بِالْحَدِيثِ الْأَطيَبِ
هَا قَد أَتَى رَمَضَانُ لَم يُخلِف لَنَا
وَعداً، وَوَلَّى بَعدَ طُولِ تَرَقُّبِ
هَا قَد مَضَى بِحَقِيبَةِ الذِّكرَى وَلَم
نَنسَ الَّذِي قَدَّمتَ، لَم نَتَنَكَّبِ
أَعطَى الْأَحِبَّةَ مَوعِداً لِلِقَائِهِ
وَلِقَاؤُنَا بِكَ عَن قَرِيبٍ يَا أَبِي
…..
ثانيا : القراءة
…
تشكّل قصيدة “إفطار الذكرى على مائدة الغياب” للشاعر د. جمال مرسي نموذجًا واضحًا لقصيدة الرثاء الوجداني الصريح التي تتجاوز البكاء التقليدي على الفقد، لتبني تجربة شعرية تقوم على اللغة المجازية المكثفة والرمزية الروحية. فالشاعر مرسي لا يصف حزنه بصورة مباشرة، بل يشيّد عالمًا تخييليًا تتحول فيه الذكريات إلى نور وموسيقى وماء وزرع، وهو ما يمنح النص طابعًا تأمليًا عميقًا ويحوّل تجربة الغياب إلى حضور معنوي دائم.
أولاً: اللغة المجازية وبنية التخيل الشعري
تعتمد القصيدة على شبكة واسعة من الصور المجازية التي يمكن تصنيفها ضمن عدة حقول دلالية متكاملة، أبرزها صور الضوء، والصور الموسيقية، والصور الطبيعية، والرموز الدينية. وهذه الحقول لا تعمل بشكل منفصل، بل تتداخل لتشكّل رؤية موحّدة لمعنى الأب والذكرى.
1. مجاز الضوء: حضور الأب بوصفه مصدر الهداية
يبدأ الشاعر ببناء صورة مجازية مركزية تقوم على تشبيه الذكرى بالنور، حيث يقول:
“وتمر ذكراك الحبيبة يا أبي
كالنور يسري في دجاي الأصعب”
في هذه الصورة يتحول الحنين إلى نور يخترق الظلام الداخلي. والنور هنا ليس مجرد عنصر جمالي، بل يحمل دلالة رمزية عميقة في الثقافة العربية والإسلامية، إذ يرتبط بالهداية والطمأنينة. ومن خلال هذا المجاز يصبح الأب مصدر إشراق روحي في حياة الشاعر.
ويتكرر هذا الحقل الدلالي لاحقًا في صور أخرى في مفردات ذات دلالات متشعبة لكنها ترتبط بالمركز الانساني العلائقي وخاصة في مفردات مثل نور الضحى و السنا و الإشراق الروحي. وبدلالته العميقة، يجعل هذا التوظيف المفرداتي الأب أشبه بشمس معنوية تدور حولها حياة الابن. فالمجاز الضوئي هنا لا يصف الذكرى فحسب، بل يحدد طبيعة العلاقة بين الأب والابن بوصفها علاقة إرشاد وهداية لا تنقطع.
2. المجاز الموسيقي: الحنين بوصفه صوتًا داخليًا
من أكثر الصور تأثيرًا في القصيدة صورة الناي حين يقول الشاعر:
“وتركت نايك عازفاً في غرفتي
لحن الرجوع”
هنا، يتحول الحنين إلى موسيقى مستمرة. فالناي ليس مجرد آلة موسيقية، بل رمز للصوت الداخلي الذي يبقى بعد رحيل صاحبه. والناي في التراث الصوفي يرتبط غالبًا بالشوق والحنين، وهو ما يضفي على الصورة بعدًا روحيًا عميقًا.
إن هذا المجاز يجعل الذكرى تجربة حسية يمكن سماعها، وكأن الشاعر يعيش مع صدى الأب في حياته اليومية. وفي هذا السياق الدلالي يتحول الغياب إلى صوت خفي يرافق الشاعر في وحدته.
3. المجاز الطبيعي: القيم بوصفها زرعًا ينمو
يوظف الشاعر بأسلوبه المتميز صور الطبيعة ليعبّر عن أثر الأب في الحياة، ومن أبرز هذه الصور قوله:
“وزرعت في باحاته قمح التقى
تنمو السنابل للفقير المسغب”
في هذا البيت الذي يشكل لوحة صغرى للنص، تتحول القيم الأخلاقية إلى محصول زراعي يعبر عن استدامة بقاء الانتماء العلائقي بين الاب والابن بكل تجلاياتها. فالقمح يمثل التقوى، والسنابل تمثل نتائج تلك التربية التي تعود بالنفع على الآخرين وخاصة الذرية الصالحة. هنا، يحقق المجاز وظيفتين تتمحوران حول تحويل القيم المجردة إلى صورة حسية ملموسة و الإيحاء بأن أثر الأب يستمر في النمو حتى بعد رحيله.
فالزرع لا ينتهي بزراعة البذرة، بل يستمر في النمو والامتداد، وهو ما يرمز إلى استمرارية القيم عبر الأجيال كما يعبر عنه الشاعر دلاليا.
4. المجاز المائي: الأب بوصفه نبع العطاء
وحين تظهر صورة الماء في قول الشاعر “فأرتوي من نبع كوثرِك النقي الأعذب،” هنا يتحوّل الأب إلى نبع صافٍ يروي عطش الروح. والماء في الشعر العربي، كنا في أشعار كبار الشعراء، غالبًا ما يرمز إلى الحياة والتجدد. أما الكوثر فيحمل دلالة دينية تشير إلى الخير الوفير والبركة.
وبذلك يجمع هذا المجاز بين المعنى الروحي والمعنى الحياتي، ليؤكد أن الأب يظل مصدرًا للعطاء حتى بعد غيابه الجسدي.
5. المجاز التشخيصي: تحويل الذكرى إلى كائن حي
من التقنيات البلاغية البارزة في القصيدة تشخيص المعاني المجردة. فالذكرى لا تُعرض بوصفها فكرة ذهنية، بل تتحول إلى كائن يتحرك ويزور الشاعر، وهو ما يعبر عنه في “وتمر ذكراك الحبيبة.”
الى ذلك، يشخص الشاعر الأوهام في قوله: “أم أن أوهامي ستأخذني.”
في هذه الصور تتحول المعاني النفسية إلى شخصيات فاعلة داخل النص، وهو ما يمنح التجربة الشعرية طابعًا دراميًا ويجعل القارئ يشعر بحيوية المشهد الداخلي.
6. الرمزية الدينية: تحويل الذكرى إلى تجربة روحية
تكتسب المجازات في القصيدة بعدًا أعمق من خلال حضور الرموز الدينية التي يوظفها الشاعر باحترافية كما في مفردات القرآن والنبي والصحابة و رمضان والكوثر.
هذه الرموز لا تظهر بوصفها عناصر وصفية، بل تسمو كجزء من عالم الذكريات الذي شكّله الأب في عالم القصيدة الدلالي. فالأب في القصيدة ليس مجرد فرد من الأسرة، بل جسر حيوي يربط الابن بالتراث الديني والقيمي. ومن خلال هذه الرموز يتحول البيت العائلي إلى فضاء روحي يستحضر التاريخ الإسلامي وقيمه.
ثانياً: الثيمات المركزية في القصيدة
تعكس اللغة المجازية في القصيدة مجموعة من الثيمات الدلالية الفكرية والوجدانية التي تشكل جوهر التجربة الشعرية، وتتمثل فيما يلي:
1. ثيمة الحنين والذاكرة
القصيدة في جوهرها الشاعري والدلالي لوحة تأملية في قوة الذاكرة. فالزمن الطويل لا يخفف من حضور الأب، بل يجعل الذكرى أكثر عمقًا، حيث “عشرون عاماً مذ رحلت ولم يزل
نيل اشتياقي للقاء لم ينضب”
هنا، يتحول الاشتياق إلى نهر دائم الجريان، وهو مجاز يعبّر عن استمرارية العاطفة رغم مرور الزمن.
2. ثيمة الأب بوصفه رمزًا أخلاقيًا
لا يُقدَّم الأب في القصيدة بوصفه شخصية عاطفية فحسب، بل بوصفه نموذجًا أخلاقيًا يجمع بين التدين والكرم والانتماء والاستقامة. والشاعر يرسم لوحته الشعرية مصورا الاب قارئا للقرآن وصاحب مال حلال ومحسن للفقراء. وبذلك كله يتحول الأب إلى رمز للقيم التي يقوم عليها المجتمع بشرائحه المتكاملة والمتجانسة.
3. ثيمة استمرار الأثر بعد الغياب
أحد أهم الأفكار في القصيدة هو أن الموت لا يقطع أثر الإنسان. فالأب يظل حاضرًا من خلال سيل متواصل من الذكريات و القيم التي زرعها
البيت الذي بناه والروح الدينية التي بثها في الأسرة، وهو ما يجعل الغياب الجسدي يتحول إلى حضور رمزي دائم.
4. ثيمة الزمن الروحي
يظهر الزمن في القصيدة من خلال محورين متواصلين هما الزمن الواقعي (الذي يمتثل في مرور عشرين عامًا) والزمن الروحي (الذي يتمثل في لحظات رمضان والذكرى)
الى هنا، يصبح شهر رمضان، بما يحمله من طقوس عائلية وروحية، لحظة يتجدد فيها الحنين ويستعيد الشاعر فيها حضور الأب.
5. ثيمة الأمل في اللقاء الأخروي
تنتهي القصيدة بنبرة إيمانية هادئة يدل عليها قول الشاعر: “ولقاؤنا بك عن قريب يا أبي.” وهنا يتحول الموت إلى مرحلة انتقالية لا نهاية مطلقة ختامية، وهو تصور ديني يمنح القصيدة طابعًا من السكينة والرضا.
وأخيرا، تكشف قصيدة “إفطار الذكرى على مائدة الغياب” عن بناء تخييلي غني يقوم على شبكة واسعة من المجازات التي تحول المعاني المجردة إلى صور حسية نابضة بالحياة. فالذكرى تظهر في هيئة نور، والحنين يتحول إلى موسيقى، والقيم الأخلاقية تتجسد في زرع ينمو، بينما يتخذ الأب صورة النبع الذي يروي عطش الروح. ومن خلال التشكيل المجازي المتكامل تتبلور الثيمات الأساسية للقصيدة، وفي مقدمتها الحنين، واستمرار الأثر الإنساني، والبعد الروحي للعلاقة بين الأب والابن. وهكذا تنجح القصيدة في تحويل تجربة الفقد إلى تأمل جمالي وروحي يجعل الغياب الجسدي للأب حضورًا دائمًا في الذاكرة والوجدان.




