
د. حمدي موصللي امتلك ناصية المسرح بثلاثية فريدة * حوار سعدالله بركات
د. حمدي موصللي امتلك ناصية المسرح بثلاثية فريدة

&& على ضفاف الفرات ، و قبل أربعين عاما ونيف ، جمعتني فعالية ثقافية طلابية بثلّة من شباب متوهجة فكرا ، وكثيرا ماكنت أقرأ لهم أو عنهم بلا تواصل حتى إذا أصابتني (لوثة )الفيس قبل نحو عامين وجدتني أتوقف عند اسم ( حمدي موصللي) وأستعيض عن تقصير مزمن باستعادة ذاك اللقاء وسرعان مارحنا نتذكّر المرحوم لقاءنا الكاتب سعد صائب ، وغداء الكبة الديرية الشهية ، بدعوة من ابنه الشاعر المرحوم تميم، ولم ننسى المأسوف على شبابه الرقاوي الشهم سعيد مطر فشكرا جزيلا للفيس الذي أوصلني مع عديدين، وأكسبني آخرين وليته وأخواته اقتصروا على هذه وغيرها من محاسن تشفع لهم يوم الدين .
& منذ نعومة أظفاره عشق المسرح ، بل هام به حتى امتلك أطراف مجده وهو يعلي بنيانه ويسخره في خدمة المجتمع والإنسان ، بجدارة جمع هذا الرقاوي الموصلي على نحو فريد ومتألق ، بين الكتابة والإخراج والنقد المسرحي وجسد ولعه الشامل والمعمّق بالمسرح عبر وفرة مؤلفاته، وبعضها يُعد مرجعًا مهمًا في تاريخ هذا النوع من الإبداع الأدبي الذي وصف بأنه أبو الفنون ، فلا غرو أن يُعتبر د.موصللي من أبرز الشخصيات في مجال المسرح السوري والعربي .
بعض النقاد وصفه فارساً من فرسان الكلمة التي حصّنها وجابه من خلالها كبار مجايليه من روّاد المسرح الذي نذر له جهده وقلمه ، وتمكّن بحسّه العالي من أن يعتلي سلم الصعود نجاحا وحصاد محفوفا بالجوائز ما جعل تجربته في الكتابة والبحث والإخراج المسرحي تجربة أدبية فنية غنية بمحطاتها المتنوّعة ، وها نحن نستقرئ معه مراحل تطورها ومآلاتها ..

بداية وحول مفهوم المسرح أوتعريفه يقول د.موصللي :((كيراً ما اعتدت أن أردّد تعريفاً صغته عبن المسرح، وردّده بعدي العديد من أهل المسرح ، ومن الدارسين، والباحثين ، مع العلم أنّه لا يوجد للمسرح تعريفاً محدداً ومتفقاً عليه. علينا أن نعترف أولاً: أنَّ المسرحَ قبلَ أيِّ شيءٍ هو كشفٌ. كشفُ حياةِ فردٍ .. خصائص بيئةٍ .. علاقاتٍ تاريخيةٍ .. مصيٍر إنسانيٍّ، وهذا الكشفُ يحتاجُ إلى رؤيةٍ تتخطى الآنيَّ، المألوفَ، الراهنَ اليوميَّ، وترى كلَّ ذلك من منظورِ الصراعِ والتحوّلِ، وتخطي ، وتخطي الثابتِ في علاقاتٍ تقومُ أساساً على تفجيرِ الساكنِ وتحويلهِ إلى حياة))
وعن بداياته يقول :(( كان البحث هاجسي. جرّبت الرسم وكتابة الشعر والقصة والمقالة ، ومع هذا البحث الدائب وغير المستقر كان هناك بحث آخر مواز لتجربتي مع المسرح كهاوٍ ،أعمل مع فرقة المركز الثقافي العربي بالرقّة، وفرقة المسرح المدرسي، و من ثم مع المسرح الجامعي كممثل ومؤلف ومخرج، ورأيتني أنزل الستارة وأكتب فوق ما أكتب من مشاهد ونصوص فكانت مسرحيّاتي الأولى من مثل ” بانوراما المشاكل عام ١٩٧٨ م”، ومسرحية مشتركة تأليفاً (ماري القرن العشرين ١٩٨٢ م) مع المرحوم الصديق الشاعر تميم صائب، ومن إخراجي سبق أن عرضت في : دمشق، دير الزور، الرقّة والطبقة .. ثم تتالت بعد ذلك مسرحياتي المعروفة، ومن هنا لا أنس تجربتي الأولى التي واجهت هجوماً كبيراً في نهاية السبعينيات من القرن المنصرم على صعيد التأليف والإخراج المسرحي، و أخصّ مسرحية (الخريف يغزو الشمال ١٩٧٩ م )، وهي النموذج الذي يُمثل مسرح الطليعة. إلّا أنّي مضيت في الكتابة باستهواء شديد. فالحماس برأيي هو الذي يدفع الكاتب غير المجرب بصورة تدريجية إلى أن يتمكن من حرفته، وهذا الرأي ينطبق على أحسن من أخرج ومن كتب للمسرح . نلت بعد ذلك عدّة جوائز منها سورية وعربية على مستوى النصّ والعرض زادت عن سبع عشرة جائزة.))
وعن تحوله من الهندسة الزراعية للأدب ! والتأثيرات المتبادلة بين المهنة (الهندسة الزراعية والإبداع الأدبي والفني)،يقو المبدع موصللي :(( بالتأكيد هناك ثمّة علاقة قوية بينهما مثلهما مثل بقية العلاقات المكوّنة لهما في الأصل من علاقات تاريخية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو مصير إنساني.. إلخ.

– فمثلا .. الممارسة لمهنتي منحني مساحة أفقية من التفكير الإضافي المكتسب ناتج عن التماس المباشر مع الجماعات المختلفة من الناس في علاقات تقوم أساساً على تفجير الساكن وتحويله إلى حياة. فالنشاط البشري في مدينتي الرقة وبيئتها الغنية بمفردات جمعت بين بيئة السهل والصحراء والوادي والنهر، والزرع، والإبل، والزمّارة ،والطبل والغناء ، وما اكتنفته من نشاطات ثقافية وفنية وتراثية فالزراعة، بشقيها النباتي والحيواني، والعلاقات الاجتماعية وما يكتنفها من عادات وتقاليد، وما تتضمنه بدورها من أشكال تعبيرية، وأفعال ممارسة (الفلكلور وما يشتمل عليه من أزياء وغناء ورقص وطعام وشراب وأفراح وأتراح ..إلخ)، تشارك فيه هذه الجماعات بالإضافة إلى العلاقات العامة الأخرى وغيرها، كل هذا انعكس على تجربتي، و ساعدني أو خدمني إلى حد بعيد حين اشتغلت على الكتابة )) .
ويضيف :(( على الرغم من كل السلبيات التي تعيق حركة تطور المسرح العربي نصا وعرضا وتقنيات .. مازال هذا المسرح يحبو ولن يتطور لأنه يعاني التنظير وافكار الأدلجة ، ويعاني التبعية للآخر” الغربي” في ظل كذبة كبيرة روّج لها أصحاب التنظير حين أصروا انه بالإمكان البحث عن هوية للمسرح العربي في ظل الحداثة والمعاصرة .. فجربوا في التراث وفشلوا ، وفي طقوس الاحتفال ( الاحتفالية ) وفشلوا ، وفي نموذج السامر وفشلوا أيضا .. لأنهم اتكاؤا على النموذج ” الغربي ” فأبقوا عليه تابعين له .. لم يطوروه أو يغيّرو ا فيه .. فالكلام عن مسرح عربي أصيل هو كذبة كبيرة .. أغلب الحضارات الإنسانية أوجدت فنونا تخصّها وعملت على تطويرها، إلا العرب الذين برعوا بالشعر لا أكثر ومن ثم الرواية والقصة والبحث والدراسة إلا المسرح والمسرحية ؟!!.
ويرى المبدع موصللي :(( إنه كان الأجدر بفريق من كتاب المسرح و من اشتغل على التجريب وخلص لذات النتيجة ان يبدي رأيا محذرا من خطورة ما يتعرض له هذا المسرح من تشويه وفقدان لهويته )) ويضيف :(( كنت أول الذين نبهوا وحذروا من خطورة النزعة ( الدون كيشوتية ) صراع طواحين الهوا لا معنى له .. فالمسرح نحن من يجب أن نصنعه لا أن نستورد قوالبه الجاهزة وننسبه إلينا .. لهذا رأيتني أتجه إلى كتابة النص البصري للهروب والخروج من ثوب النص ” الغربي ” التابع فكتبت عددا من هذه النصوص البصرية .. وهي نصوص عابرة للأجناس الأدبية من شعر وقصة ومسرحية ونثر وصور وتقنيات .. فكتبت منها / سفر الحرابيق .. موت الحلاج الأخير .. الانذال١ .. الانذال ٢ .. ميت لا اطيق الكفن .. وغيرها / .. وقد تبناها البعض وكتب عنها نقاد بعضهم غالى باهميتها وبعضهم وجدها بين بين وبعضهم رفضها .)). 
وعن مدى تفاؤله بمستقبل المسرح العربي.قال د.موصللي :(( دعني أسأل: إلى أية درجة نجح المسرح العربي عموماً والسوري بصورة خاصة في أداء وظيفته في ظل ثورة الاتصالات والمتغيرات العالمية؟
وأضاف أعتقدُ أنه لم ينجح بعد ولأسباب عديدة؟ هنا لا بد من أن نؤكد على أن شأن الأدب المسرحي والعرض المسرحي في سورية ، شأنه في أغلب البلدان العربية على الرغم من تفاوت تجاربها. هو ظاهرة متأخرة جداً بالنسبة إلى سائر الفنون الأدبية التي قطع بعضها أشواطاً جيدة في التطور مثل: الرواية، القصة القصيرة، وأعتقد إذا ما تجاوز عقد تأخره فلن ينهض، وأعود وأذكر كما ردّدت مراراً: لطالما أن المسرح هو ظاهرة ثقافية جمالية وحضارية، فهو وليد حاجة اجتماعية نفسية من جهة وفنية فكرية من جهة أخرى، ذلك لأنه جامع لسائر الفنون الأدبية، ولكي يزدهر لا بد له من مساحة من النبت الديمقراطي، أو مناخٍ لبرالي مناسب على الأقل حتى يتمكّن من تأدية دوره، وهذا لم يتوفر له بعد، وإن توافر فهو في إطار ضيّق جداً، وهذا أحد أهم أسباب أزْمَة المسرح برأيي)). وعن وظيفة المسرح في ظل ثورة الاتصالات والمتغيرات، يضيف إلى ماسبقك(( أن المسرح العربي مازال يحبو، ولم يصل بعد إلى مرحلة الوعي لخصائص نضوجه التي مازال يفتقدها، ولم يؤسس لها أسباب النضوج العلمية التطبيقية والمعرفية الفكرية في ظل مجموعة متغيرات سياسية تاريخية اقتصادية اجتماعية فكرية وفنية))
وعن رسالته للناشئة والمواهب ، وكيف يرشدهم إلى تحدي المصاعب؟
قال:(( لا توجد مصاعب .. نحن من يوجدها أو يصنعها ،ونحن من يوقفها أو يزيلها .. الإصرار ،والعمل والمثابرة ، وروح المغامرة ، والقراءة ، والمتابعة ، وأولى خطوات التجريب .. كلها خطوات رئيسة مأمولة تسهل الوصول بالمبدع الحقيقي إلى التألق والتميز ..))
وحين سألنا مبدعنا أن يعبّر بكلمات موجزة، ماذا تعني له الخشبة ؟ ربوع الفرات ، صداقات العصر ؟
أجاب :(( خشبة المسرح.. كانت ولا زالت وتبقى حلمي في غياب ظل أمي .. هي كما الأم الرؤوم ظلالها وارفة .. حلمي الذي عشته في بصيرتي ولا زلت أحن إليها كما خبز أمي، وقهوة أمي، وصدر أمي .. عشقي ألا بديل .. تلك هي الخشبة ..
& الفرات : شريان الحياة .. الروح المعلقة لشجرة الغرب ..وأمّا صداقات أو أصدقاء العصر ..فهم : عالمي المتناقض بين الواقع والخيال .. أنت صديقي الذي اختفى عن باصرتي اكثر من اربعين سنة وظهر …
&& شكرا لك د. حمدي الصديق المعتق وزميل المهنة والقلم على هذه السانحة الثرّة والأثيرة .
*سعدالله بركات -كاتب سوري أمريكي
**********سيرة ***********
الدكتور حمدي موصللي أشرف على كثير من الدورات في مجال السيناريو ومسرح الطفل، وقام بتأليف وإخراج الكثير من الأعمال المسرحية،
وهو مهندس زراعي خريج جامعة حلب دورة عام 1981 ـ 1982، دبلوم معهد عال للفنون المسرحية “كيشنوف” ميلدوفا، دكتوراه أكاديمة العلوم ـ معهد الدراسات الشرقية ـ سان بطرس برغ، وعضو اتحاد الكتاب العرب، ومقرر جمعية المسرح / في الاتحاد منذ عام 1995، وحتى ٢٠٠٥م / كما شغل رئيس فرع اتحاد الكتاب العرب بالرقّة بين 2005 ـ 2010، وبين 2021 ـ 2026 م ، وعضو مجلس اتحاد الكتاب لدورتين متتاليتين بين أعوام 2010 ـ 2021، وسبق أن حصد العديد من الجوائز، السورية والعربية وشارك في مهرجانات وندوات مسرحية عربية ومحلية ، وعضو لجان تحكيم المسرح ، وعضو هيئة تحرير الاسبوع الادبي سابقا ومستشارا لها فيما بعد ، وعضو هيئة تحرير مجلة الموقف الأدبي سابقا ، وعضو هيىة تحرير مجلة الحياة المسرحية السورية الصادرة عن وزارة الثقافة منذ عام 2014 .. أضف إلى تكريمه من قبل وزارة الثقافة السورية والجامعة العربية عام 1993 بمناسبة فوزه بجائزة الإبداع العربي “الجامعة العربية” المخصصة للمسرح، وبمناسبة مئوية محمد تيمور في مجال المسرح، وتكريمه من قبل وزارة الثقافة، مديرة المسارح والموسيقى في عام 2008 بمناسبة تسمية دمشق عاصمة للثقافة العربية، كما فاز بجواىز مسرحية سورية وعربية منها / جاىزة المسرح العربي القاهرة عام ١٩٩٣ م – جا ىزة اتحاد الكتاب العرب التشجعية عام ٢٠٠٧م ـ: جاىزة مجلة الاسبوع الادبي عام ١٩٩٢م ‘ـ جاىزة نبيل ططعمة ” دورة أبو خليل القباني ٢٠١١م … وجواىز اخرى.. / .. أضف إلى أنّه أصدر العديد من الكتب والبحوث والدراسات في النقد المسرحي، وأغلبها تم نشره في الدوريات والمجلات العربية، كما أخرج الكثير من الأعمال المسرحية التي تلامس هموم المواطن العربي.
و حين احتلّت“داعش” مدينة الرقّة أحرقت بيته و مكتبته التي تتضمن أكثر من ستة آلاف
ـ من مؤلفاته المسرحية
١ـ الجرذان مسرحية ١٩٨٣م صادرة عن دار بن هانئ دمشق ..
٢ـ الفرواتي مات مرتين ١٩٩٤م دمشق اتحاد الكتاب
٣ ـ أحداث الليلة الثالثة / دمشق ١٩٨٥م دار صبرا
٤ـ اللغز والعرش ١٩٩١م دمشق دار الكاتب العربي
٥ ـ ٱخر العمالقة .. دمشق ١٩٩٨م اتحاد الكتاب العرب
٦ـ:انتحار غير معلن ٢٩٠٣م اتحاد الكتاب ـ دمشق
سلسلة مسرح الطفل
الجزء الاول ـ اربع مسرحيات ٢٠٠٣م اتحاد الكتاب
الجزء الثاني ـ مسرحية ثعلوب في ورطة ٢٠٢٢م دمشق ومسرحيات اخرى
ـ’في مجال الدراسات والبحوث
١ ـ المراة في المسرح العربي ١٩٨٩م ـ’دمش
٢ ـ الوجيز في المسرح العالمي / الجزء الاول / المسرح في الحضارات الشرق القديم
٣ ـ:الوجيز في المسرح العالمي / الاجزاء الثلاثة / عن الهيئة العربية للمسرح الشارقة ..
وهناك مسرحيات ودراسات مخطوطة خاصة بالمسرح البصري .. تنشر قريبا
– كتبت عنه دراسات ماجستير ودكتواة غديدة . كما ونشرت عنه دراسات عديدة لكتاب كبار في اللمسرح العربي
ـ عن دار بوملحة للنشر والتوزيع قام المسرحي والناقد والباحث السوري المعروف الدكتور هيثم يحيى الخواجة بتوقيع كتابه الصادر عن الدار نفسها بعنوان: (مدخل إلى المسرح السوري المعاصر- مسرح د. حمدي موصلي أنموذجاً عن دار نشر في الشارقة وعرض ووقع في معرض الشارقة الدولي الاخير ..
ـــــــــــــــــــ




