قراءة في قصة زكريا تامر ،، النمور في اليوم العاشر،، بقلم عزيزة المبارك

Share
  1. قصة زكريا تامر ، النمور في اليوم العاشر،،

    و الرمزية بأبهى أشكالها

    *بقلم : عزيزة المبارك


الرمزية مذهب أدبي نشأ في فرنسا أواخرَ القرن التاسع عشر نتيجة البحث عن عوالم نفسية غامضة وهو أدب يستند إلى الغموض وتعدد الدلالات الرمزية. كما أنه أسلوب يعتمد على الإيحاء بدلا ًمن المصطلحات الواضحة والصريحة ويهتم باللاوعي والرغبة في التعبير عن الحقائق النفسية المستترة التي لا تعي اللغة المباشرة وصفها، هذا الأسلوب ينطبق على مضمون القصة التي سنتناول دراسة دلالاتها في قراءتنا.
مدخل عام:
قصة النمور في اليوم العاشر – دار الآداب بيروت 1978- للكاتب والأديب السوري الكبير زكريا تامر الذي عرف بأسلوب كتابته الساخر اعتمد فيها الرمزية في نقد الواقع والأوضاع المجتمعية، له مؤلفات عدة منها (دمشق والحرائق – ربيع في الرماد – الحصرم- ومجموعة قصصية للأطفال بعنوان (لماذا سكت النهر).. وقصة النمور ف اليوم العاشر التي نتناول قراءتها في هذا المقال، وغيرها من المؤلفات والقصص الهادفة الجميلة.
المعنى العام للقصة:
تدور أحداث القصة حول نمرٍ قويٍ ضخم ٍلكن يتم اصطياده وأسره وسجنه في قفص ويتعرض لمحاولة ترويض منظمة، من قبل مروض متمرس بإخضاع الحيوانات ومحترف في هذا المجال، على أن تتم هذه العملية خلال عشرة أيام، كما تشرح القصة الأساليب والطرق التي اعتُمدت لتأدية هذه المهمة، والتي تصل في النهاية إلى مبتغاها وتتم عملية الترويض بشكل ناجح..

الدلالات والمعاني الرمزية:
اختار الكاتب الرمزية ليصف أساليب القمع وتحويل حرية الفرد إلى خنوع وذل بحيث رمز ب (النمر) للشعب أو المواطن الأبي الرافض للسيطرة عليه، والمدرب رمز له بالحكومة المستبدة من خلال رسم صورة الترويض التي توحي هنا الى أساليب الحكومات في إخضاع الشعوب عن طريق الإخضاع من خلال استخدام كل الأساليب المتوفرة لسلب كرامتها ومنها التجويع حيث أصبح النمر يتقبل حتى أكل الأعشاب، وهذه دلالة رمزية إلى سلب كرامة الشعوب من خلال تجويعها بحيث تقبل بالصمت وسلب إرادتها ورغبتها بالحرية.
دلالات الشخصيات الرمزية
المدلول الأول(النمر): الذي يرمز إلى الشعب الأبي الذي سلبت السلطة المستبدة كبرياءه وحولت قوته إلى إخضاع وكسرت روحه المعنوية الشرسة وحولتها لروح خانعة بالطاعة والتبعية.
المدلول الرمزي الثاني: (المروض) الذي يرمز إلى الحكومات المستبدة التي تقوم باستخدام شتى وسائل الإخضاع والضغط وممارسة كل الأساليب المتاحة لرضوخ المواطنين وكسر روحهم المعنوية وسلب إرادتهم وكرامتهم وقد ذكر التجويع كواحدة من تلك الأساليب.
المدلول الرمزي الثالث (القفص): الذي يرمز هنا إلى السجون والمعتقلات التي تقيد الحرية وتحبس فيها فضاءات الروح والجسد لدرجة يصل المعتقلون فيها لشعور أن الوطن بحد ذاته تحول إلى منفى وسجن كبير.
المدلول الرمزي الرابع:( اليوم العاشر) يرمز هنا إلى الوقت بحيث يشرح مدى سرعة المدة التي تحتاجها الحكومات المستبدة لتقوم بالدور المنسوب إليها لفرض سياستها بأسر إرادة الشعب وقمعه وإخضاعه. من خلال ممارسات لا تحتاج كثيراً من الوقت لتحقيق مآربها. بكسر أنفته وسلب كرامته.
المدلول الرمزي الخامس: (أكل الحشائش) تقبل النمر لأكل الأعشاب وهو حيوان لاحم بالغريزة، رمز صريح على الخضوع وأن الحكومة المستبدة نجحت في أسلوبها بالإخضاع وحولت المواطن من إنسان حر إلى شخص مستعبد مسلوب الكرامة منقاد وراء لقمة العيش.
المعاني الشمولية في القصة:
القصة ترمز إلى الشعوب الأبية التي تتميز بالقوة وحب الحرية ولكنها  تُستَدرج  لتصبح خانعة ذليلة نتيجة الظروف التي فرضت عليها من حكوماتها الظالمة القمعية التي لا تتردد باستخدام كل وسائل التجويع والتهديد (الترويض) لكسر إرادة الشعب وإخضاعه من خلال قيود سياسية واجتماعية تفرضها الأنظمة على حرياته.

خاتمة
القصة في المجمل تشتمل على مضامين رمزية قائمة على نقد سياسي واجتماعي للمجتمع
اختارها الكاتب ووظفها لخدمة المحتوى العام لها ووصفها بشكل موفق وجميل ليقدم أفكاره العظيمة لكن بأسلوب رمزي، بسيط لا يستطيع استقراء معناه الحقيقي سوى القارئ المتعمق في سبر أغوار هذا الفن..
أضافت القصة أضاف للأدب مرجعاً جديداً لما تحمله من أهمية في التوظيف الرائع والرمزية البديعة في التوصيف والطرح، وهذا ما تميز به أسلوب الكاتب الكبير زكريا تامر الإبداعي.

# عزيزة المبارك – ناقدة سورية   تدرس الاعلام وتعمل في اتحاد الكتاب العرب بدمشق
عملت في قسم الاعداد لجريدة الأسبوع الأدبي الصادرة عن الاتحاد. لمدة ٥ سنوات ..
وتكتب في صحيفة الثورة السورية. ومجلة أوتاد ..