قراءة نقدية لقصيدة وشاء الهوى للشاعر ليلاس زرزور بقلم الأديبة د.ليلى صليبي

Share

دراسةٌ نقديّةٌ لقصيدةِ ” وشاءَ الهوى ” للكاتبةِ المبدعةِ ” ليلاس زرزور”

* بقلم د.ليلى صليبي

تنهضُ هذه القصيدةُ على مفارقةٍ تأسيسيّةٍ دقيقةٍ: الخوفُ من الحبِّ بوصفِه أسطورةً موجعةً، ثمَّ الوقوعُ فيه بوصفِه قدرًا لا يُدفعُ. ومن هذه الثنائية يتشكّلُ النسيجُ الشعريُّ كلُّه، حيثُ يتجاورُ التحفّظَ العقليَ مع الانجرافِ الوجدانيِّ، في حركةٍ تصاعديّةٍ تُفضي إلى نوعٍ من التسليمِ الهادئِ بسطوةِ الهوى.
منذُ المطلعِ، يتبدّى التوتّرُ بين “الموج” و”الإطباق”، وهما صورتان تحيلان إلى الإحاطةِ والغمرِ، لا إلى مجرّدِ العاطفةِ العابرةِ. فالحبُّ هنا ليس اختيارًا، بل حالةَ اجتياحٍ. واللافتُ أنّ الشاعرةَ تُمهّدُ لهذا الاجتياحِ باستدعاءِ ذاكرةٍ تراثيّةٍ، حين تستحضرُ ثنائيةَ ليلى وقيس، لا بوصفِها حكايةً رومانسيّةً، بل بوصفِها نموذجًا للفاجعةِ العاطفيّةِ. إنّها قراءةٌ مأساويّةٌ للحبِّ في المخيالِ العربيِّ: دموعٌ، احتراقٌ، تشرّدٌ، وموتٌ رمزيٌّ.
غيرَ أنّ هذا الاستدعاءَ لا يبقى في حيّزِ الاستشهادِ، بل يتحوّلُ إلى مرآةٍ استباقيّةٍ تُسقطُ عليها الذاتُ الشاعرةُ مخاوفُها. فليلى ليستْ مجرّدَ رمزٍ، بل هي صورةٌ مُرعبةٌ؛ وقيسُ ليس عاشقًا فقط، بل كائنٌ مُنهكٌ يخطُّ اسمَ محبوبَتِه على الرملِ كأنّه يكتبُ وصيّتَه الأخيرةَ. هنا تتجلّى قدرةُ النصِّ على تحويلِ التراثِ إلى طاقةٍ دلاليّةٍ حيّةٍ، تُغذّي التجربةَ الراهنةَ بدلَ أن تُجمّدَها.
ثمَّ تأتي لحظةُ التحوّلِ: “وشاءَ الهوى أن ألتقيَكَ بصدفةٍ”. هذه العبارةُ المفتاحيّةُ تُعيدُ ترتيبَ العالمِ؛ فالصدفةُ هنا ليستْ اعتباطًا، بل قناعٌ للقدرِ. ومنذُ هذه اللحظةِ، يتبدّلُ الحقلُ المعجميُّ من الاحتراقِ إلى الإشراقِ: “شعاع”، “بهجة”، “فراشات”، “شمس”، “طواويس”، “ورد”. إنّنا بإزاءِ انتقالٍ من معجمِ الألمِ إلى معجمِ الاحتفالِ، ومن رؤيةٍ مأساويّةٍ إلى رؤيةٍ شبهِ فردوسيّة.ٍ
غيرَ أنّ هذا التحوّلَ لا يُلغي الوعيَ بالمأساةِ، بل يُبقيه كطبقةٍ سفلى من الإدراكِ. والدليلُ أنّ الشاعرةَ تعودُ في منتصفِ النصِّ إلى صورةِ ليلى وقيس، لكن هذه المرّةُ بعينٍ دامعةٍ لا خائفةٍ. لقد انتقلتْ من موقعِ المتلقي المرتعبِ
إلى موقعِ العارفِ المتعاطفِ. وهنا يكمنُ النضجُ العاطفيُّ في النصِّ: الحبُّ لم يعدْ مجهولًا يُخشى، بل تجربةٌ تُفهمُ، حتّى وإنْ ظلّتْ مؤلمةً.
على المستوى الأسلوبي : تعتمدُ القصيدةُ على لغةٍ شفّافةٍ، تميلُ إلى البيانِ الكلاسيكيِّ أكثرَ من انحيازِها إلى الانزياحِ الحداثي. الصورُ واضحةٌ، والإيقاعُ منتظمٌ، والقافيةُ تُسهمُ في تثبيتِ النبرةِ الغنائيّةِ. غيرَ أنّ هذه السلاسةَ لا تخلو من لحظاتِ تكثيفٍ جميلةٍ، خصوصًا في مثلِ: “غصنٌ من الأشواقِ في القلبِ يورقُ”؛ حيثُ تتجلّى الاستعارةُ في أبسطِ صورِها وأكثرِها إشراقًا.
أمّا من حيثُ البنيةِ، فالقصيدةُ تقومُ على مسارٍ دائريٍّ: تبدأُ بالخوفِ من الحبِّ، وتنتهي بالاعترافِ به، مرورًا بتجربتِه. وهذا المسارُ يُحاكي دورةَ الوعيِ العاطفيِّ لدى الإنسانِ: من السماعِ إلى المعايشةِ، ومن الحكمِ المسبقِ إلى الإدراكِ الحيِّ.
في الخاتمةِ، تبلغُ القصيدةُ ذروتَها في المصالحةِ بين التناقضاتِ: الحبُّ نارٌ وجنّةٌ، حضورٌ وغيابٌ، لذّةٌ وألمٌ. وهذه الثنائيةُ ليستْ ضعفًا في الرؤيةِ، بل هي جوهرُها؛ إذ إنّ الشاعرةَ تُدركُ أنّ قيمةَ الحبِّّ تكمنُ في هذا التوترِ نفسِه.
يمكنُ القولُ إنَّ النصَّ ينجحُ في تقديمِ تجربةٍ وجدانيّةٍ صادقةٍ، تستثمرُ التراثَ دونَ أن تقعَ في أسرِه، وتعبّرُ بلغةٍ رشيقةٍ عن تحوّلٍ داخليٍّ عميقٍ. وربّما كانَ أبرزُ ما يميّزُه هو هذا الانتقالُ الهادئُ من الخوفِ إلى القبولِ، ومن الحذرِ إلى الانخراطِ، في رحلةٍ تُشبهُ، في جوهرِها، ما يعيشُه كلُّ قلبٍ حين يُفاجَأُ بأنّه يُحبُّ.
دُمتِ مبدعةً تحياتي لكِ.ليلة

د.ليلى صليبي ،أديبة لبنانية

  • ==========

القصيدة.   ،،،وشاءَ الهَوى،،

على القلبِ مَوجُ الحُبِّ يَعلو وَيُطْبِقُ
وَما كانَ ظَنّي أنّني أتَعَلَّقُ
فقد كُنتُ أخْشى الحُبَّ ممّا سَمِعْتُهُ
عن الشوقِ إذْ يَكْوي القُلوبَ وَيَحْرِقُ
وَتُرهِبُني ليلى بصورَةِ دَمْعِها
وَقيسٌ على الأحجارِ مُلقى وَمُرْهَقُ
تَنوحُ عليهِ الريحُ وهْوَ بكَفّـهِ
يَخُطُّ اسْمَها في الرَملِ والرُوحُ تُزْهَقُ
وَليلى وراءَ الصَمتِ يأكُلُ روحَها
ضياعُ الأماني والفُؤادُ المُمَزَّقُ
تُحَدِّقُ في الآفاقِ خَوفاً ولَهْفَةً
وَعينُ المَنايا في فَتاها تُحَـدِّقُ
فَتبكي عُيونُ الشمسِ من مَوتِ عاشقٍ
وَتبكي على ليلى طَويلاً وتُشْفِقُ
فَهَلْ بعد هذا أنْ أفَكِّرَ ياتُرى
بأنّي بيومٍ سَوفَ أهوى وأعْشقُ ؟
وشاءَ الهَوى أنْ ألتقيكَ بصِدفَةٍ
وَعيناكَ تَدعوني وبالحُبّ تبْرُقُ
فقُلتُ لقَلبي…لا ..تَحاشى بريقَها
وإلاّ سَيُضنيكَ السُهادُ المُؤَرِّقُ
فَلاحَ شُعاعٌ يَملأُ الرُوحَ بَهْجَـةً
وَغُصْنُ منَ الأشْواقِ في القلبِ يُورِقُ
وَجاءتْ فَراشاتُ الغَرامِ تُحيطُنا
وشَمسٌ على الآفاقِ بالنورِ تُشْرقُ
وَعَن جانبَينا إذْ نسيرُ برَوضهِ
تَسيرُ طَواويسٌ.. وَوَرْد مُنَسَّقُ
هوَ القَدَرُ الآتي الذي لا تَرُدُّهُ
عُقولٌ فَلا رأيُ يُفيدُ وَمَنْطِقُ
جُنونٌ لذيذٌ في متاهاتِ سِحْرهِ
نرى الكَونَ جنّاتٍ وبالعِطرِ تعْبَقُ
فعٌدْتُ إلى ليلى وَبُؤسِ حَبيبها
فلاحتْ بعَيني دَمعَةٌ تتَرَقرقُ
فأدركْتُ أنَّ الحُبَّ نارٌ وَجَنّـةٌ
وَيحكُمُ في ذاكَ اللُقا والتَفَرُّقُ
فيا سيّدَ الإحساسِ ما أجمَلَ الهوى
وَنحنُ إلى قَلبِ النُجُومِ نُحَلِّقُ
وما أجملَ الإبحارِ حينَ تشابَكتْ
بكفِّكَ كفّي وَالشِراعُ يُصَفِّقُ
لو الحبُّ يَدري كمْ أحبُّكَ لارتَجا
بأنَّ لهُ قلبي يرِقُّ ويَخفِقُ
أُحاولُ مَنْعَ العينِ أنْ تَفضَحَ الهوى
وَعيني إذا ألقاكَ بالحبِّ تَنطُقُ
ولي آهَـةٌ في البُعْـدِ أكْتُمُ سِرَّها
وَللناسِ يَرويها الحَمامُ المُطَوَّقُ
فإنْ كُنتَ مُشتاقاً إليَّ فإنّني
بأضعافِ ماتَشتاقُ ليْ لكَ أشْوَقُ
يَليقُ لعَيني أن يُكَحّلُها البُكا
على أنَّ صبْري في غيابِكَ ألْيقُ
فمادامَ رُوحانا قد انصَهَرا مَعاً
فََلستُ منَ الأيّامِ والبُعْـدِ أقلقُ
ليلاس زرزور