
بنية الانتظار الوجودي دراسة نقدية
بنية الانتظار الوجودي وجماليات الذاكرة
مقاربة سيميائية تأويلية في نص “ومضيت” للشاعرة والناقدة السورية القديرة حنان عبد اللطيف
النص:
ومضيتَ
تناديني الريح
في غياهب وحدتي
تعالي نجدد تيه اللحظة
فقد سقطت دمعة القلب هناك
منذ عقد بخيل و ثمان أحزان عجاف
يمسكني أمسي من ثوبي الأسود
تسبقني أنثاي الخجولة
دون أن ترتب فوضى جدائلها العذرية
على رموش الليل
كلي يسبق كلي
و نبضي يصارع وحشة دربه
نعم سأمضي
سأمضي إلى سيد الريح
فهو مازال هناك
بكحله الفيروزي ينتظرني
بين مساحات الذكرى
و سهوب اللا احتمال
عند آخر قطفة للعمر الغض
مازال ينتظرني
على عرش مملكتي
وكأن الكون استحال
إلى شارة انتظار
لتعبر سيدة البنفسج
على جسر خيبتها
الأبواب
النوافذ
الأدراج
تنتظرني
ترنو إلى عطر احتضاري
سأمضي إلى مثواي الأخير
خطاي تكابد حنيني
أفرش قصيدتي على وسادة اشتياقي
ثم أغفو وأغفو
يلفحني عطر طال انتظاره
وأفيق قبل الموعد بياسمينة و لهفة
بلا عرش و بلا مملكة
متوجةً على عرش احزاني
حلماً عارياً من كل لقاء
شكراً … شكراً
حلمي
فحبيبي مازال هناك
في البعيد ينتظرني
هامش
________
/ مابين أمس ماضٍ
ومستقبل مبهم المعالم
أتوه في حاضر أحزاني
فقلبي مازال هناك
يلوك تفاصيل الرحيل هنا
٢٧ / ٣ / ٢٠٢٦
حنان عبد اللطيف
المدخل المنهجي:
في الدراسات النقدية المعاصرة النص الشعري يبتعد عن كونه تعبير وجداني أو تجربة عاطفية لكنه صار نظاماً دلالياً متكاملاً يُدرس وفق مناهج متعددة ومن أبرز هذه المناهج:
السيميائية- التأويلية- وقراءات العتبات النصية- التي تتيح فهماً أعمق لبنية النص وكيفية إنتاج المعنى داخل فضاء اللغة ويعتمد هذا الإطار المنهجي على دراسة العلاقة بين العلامات الشعرية- الرموز- البنية اللغوية- والرؤية الشعرية
وهو ما يمكّننا من قراءة النص بمثابة فضاء تأويلي متحرك يلتقي فيه الواقع الشعوري بالوعي الفلسفي ومن هذا المنطلق فإن القراءة النقدية المعاصرة للنصوص الشعرية لم تعد تكتفي بالوصف الانطباعي أو التلقي العاطفي لكنها تتجه إلى مقاربات منهجية تستفيد من منجزات النقد الغربي الحديث سواء في حقل البنيوية أو السيميائيات أو التفكيكية أو الفلسفة الوجودية
وإن هذه المناهج لا تسعى إلى تفسير النص بقدر ما تحاول الكشف عن بنيته الداخلية وكيفية تشكل معناه داخل اللغة
فالشعر في أحد وجوهه العميقة هو محاولة إنسانية لإعادة صياغة التجربة الوجودية عبر اللغة إذ تتحول الكلمات إلى أدوات للكشف عن القلق الداخلي للذات وعن علاقتها الملتبسة بالعالم وبالآخر
النص الذي بين أيدينا للناصة حنان يقدم تجربة شعرية تتحرك داخل هذا الأفق الرؤيوي بحيث تتشكل بنيته حول فكرة الزمن والانتظار والذاكرة
فنلمح أن الذات الشعرية هنا لم تقف عند حدود البوح العاطفي فهي تنخرط في رحلة تأملية داخل الزمنية إذ يتداخل فيها الماضي بالحاضر ويتحول المستقبل إلى أفق احتمالي مفتوح
ومن هنا يمكن قراءة النص من زاوية كينونته كتجربة وجودية تقترب في بعض جوانبها من التصور الفلسفي الذي طرحه الفيلسوف (مارتن هايدغر) حين ربط الكينونة الإنسانية بتجربة العيش داخل الزمن بحيث يصبح الماضي والانتظار عنصرين أساسيين في تشكيل الوعي الإنساني
فالنص ينتمي إلى أدب “المكاشفة الوجودية” فهو لم يكتفِ بوصف حالة شعورية لكنه تشكيل “الزمن” و”المكان” من منظور ذاتي بحت
فلذلك فإن المنهج المتبع هنا هو الفينومينولوجيا (الظاهراتية) حيث نرى العالم من خلال وعي الشاعرة فالريح بالنص ماهي بظاهرة طبيعية إنما “منادٍ” والكون لم يعد فضاءً إنما “شارة انتظار”
فالشاعرة تقدم نصاً لا يتحرك في خط مستقيم أحالت حركته في دوائر من الحنين والارتداد نحو الذات
ومن خلال هذا المدخل المنهجي يمكن تناول النص ضمن ثلاثة مستويات مترابطة:
مستوى العنوان بوصفه العتبة الدلالية الأولى ومستوى البنية اللغوية والصورية للنص
ثم مستوى الرؤية الشعرية التي تنظم هذه العناصر جميعاً داخل أفق تأويلي وفلسفي أوسع
أولاً : العنوان بوصفه عتبة سيميائية في بناء المعنى
إن العنوان في النقد الحديث بات أبعد مايكون عن تسمية خارجية تسبق النص فلقد أصبح ينظر إليه من منطلق حضوره كبنية دلالية فاعلة تشارك في إنتاج المعنى وتوجيه أفق القراءة
وقد اكتسبت هذه الفكرة حضورها الواسع في الدراسات النقدية المعاصرة التي اهتمت بما يسمى “العتبات النصية” وهي العناصر التي تحيط بالنص وتدخل في تشكيل دلالته العامة
وفي هذا السياق يبرز إسهام الناقد الفرنسي “جيرار جنيت” الذي نظر إلى العنوان بوصفه جزءاً من نظام النص الموازي أي ذلك الحيز الذي يسبق النص ويصاحبه ويؤثر في تلقيه
ومن هذا الجانب يمكن قراءة عنوان النص “ومضيت” بمقام عتبة سيميائية مكثفة تختزل التجربة الشعرية في فعل واحد فالفعل “مضى” في بنيته اللغوية يحيل إلى الحركة والعبور والانفصال لكنه في سياق الشعر يكتسب بعده الأعمق المرتبط بالزمن والذاكرة والغياب
إن العنوان هنا غايته عدم تقديم معلومة سردية بقدر ما كانت الغاية منه فتح الأفق التأويلي الواسع إذ يجعل القارئ منذ البداية أمام فعل الرحيل على إعتباره جوهر التجربة الشعرية
كما أن صيغة الفعل الماضي تمنح العنوان طابعه التأملي لأن الماضي في الشعر غالباً ما يرتبط بالذاكرة وباستعادة ما انقضى وهنا يتحول العنوان إلى علامة زمنية تؤسس لبنية النص بحيث تتداخل حركة الرحيل مع حركة التذكر والانتظار التي ستتجلى لاحقاً في المتن الشعري
فالفعل “ومضيتَ”:
وهو عنوان النص فإن إعرابه فعل ماض مسند إلى المخاطب مما يخلق فجوة توتر منذ البداية إذ نجد أن الماضي هنا لم يكن زمناً قد انتهى لكنه “حضور غائب”
وعن أهمية العنونة النقدية : فالعنوان يختزل الصراع بين الثبات (الانتظار) والحركة (المضي)
إنه يحدد وجهة القارئ نحو “الرحيل” كقيمة مركزية للنص مما يجعل القارئ يدخل القصيدة وهو محمّل بعبء الفقد الذي أعلنه العنوان
ومن زاوية منهجية:
يمكن النظر إلى العنوان أيضاً من خلال القراءة السيميائية التي ترى في النص شبكة من العلامات
فالعلامة اللغوية في العنوان لا تعمل منفصلة عن بقية العلامات داخل القصيدة لكنها تتكامل معها لتشكيل الحقل الدلالي العام للنص
وهذا ما يجعل العنوان بمثابة المفتاح الأول الذي يهيئ القارئ للدخول إلى العالم الشعري الذي تبنيه الشاعرة القديرة بحرفيتها المجازية
وعلى هذا الأساس يمكن القول إن عنوان “ومضيت”
إلى جانب وظيفة التعريف بالنص كان يؤدي وظيفة بنيوية داخل النظام الدلالي للقصيدة إذ يختزل فكرة الرحيل التي ستتحول في المتن الشعري إلى تجربة وجودية قائمة على التوتر بين الذاكرة والانتظار وبين الحضور والغياب
ونعود إلى البنية القواعدية والدلالات النصية (القراءة الألسنية):
نجد أن النص يتميز بشبكة من العلاقات اللغوية التي تخدم الرؤية الفلسفية:
ثنائية الفعل
كما في (المضي/الانتظار): هناك تكرار فعل “سأمضي” (المستقبل)
مقابل “ينتظرني” (المضارع المستمر)
فهذا التقابل القواعدي يجسد حالة “اللا احتمال” فالشاعرة تتحرك نحو هدف ثابت في مكانه وزمانه مما يخلق حالة من التيه الأبدي
وإن استخدام تعابير مثل: “غياهب وحدتي” و”تيه اللحظة” و”عقد بخيل” و”ثمان أحزان” هنا تخرج الكلمات من معناها المعجمي إلى معنى شعري كثيف إذ يصبح الحزن عدداً (ثمان) والزمن مادة (تيه)
والنص يفتتح بمشهد الوحدة الذي يشكل نقطة الانطلاق في التجربة الشعرية:
(تناديني الريح
في غياهب وحدتي
تعالي نجدد تيه اللحظة)
في هذا المقطع تتحول الريح إلى علامة رمزية تشير إلى النداء الداخلي الذي يدفع الذات إلى استعادة تجربة التيه
فالريح هنا ماعادت عنصر طبيعي لكن أصبحت صوتاً خفياً يستدعي الذكرى
أما عبارة “غياهب وحدتي” فتمنح المشهد بعده الوجودي العميق إذ توحي بأن الوحدة لم تكن حالة عابرة فهي فضاء داخلي معتم تتحرك فيه الذات ومن خلال هذا التحديد يمكن قراءة النص في ضوء فكرة الاغتراب الإنساني التي ناقشها الفيلسوف “جان بول سارتر” حين تحدث عن شعور الإنسان بالانفصال عن العالم
ويمكن قراءة النص من خلال مرآة الفلسفة الوجودية (سارتر وكامي)
وفلسفة “الزمن” عند (بيرغسون):
أي الزمن النفسي:
فالشاعرة بقدرتها اللغوية سعت لتعميق الفكرة المبتغاة فهي لم تعترف بالزمن الكرونولوجي (الساعة)
إنما كانت تعني الزمن النفسي (“عقد بخيل”- “ثمان أحزان”) الماضي يمسك بالثوب
مما يعني أن الزمن في النص “كتلة واحدة” متلاحمة لم ينفصل فيها الأمس عن الحاضر
وبالنص أيضاً نلمس العدمية المتوجة:
ففي نهاية النص نجد “عرش الأحزان”
وحلماً “عارياً من كل لقاء” هذه الصورة تحيلنا إلى “عبثية” الإنتظار الجميل حيث الإنتصار ماكان في ذلك اللقاء إنما في “فعل الحب” المستمر رغم الغياب وهو ما يشبه “صخرة سيزيف” لكن بنكهة صوفية عذبة وهذا يحسب للشاعرة العميقة
ويبرز الزمن في النص أيضاً بحيث أنه أحد العناصر المركزية في تشكيل الرؤية الشعرية ويتجلى ذلك في قول الشاعرة:
(فقد سقطت دمعة القلب هناك
منذ عقد بخيل وثمان أحزان عجاف)
في هذا التركيب البارع تتحول السنوات إلى صور شعرية فالعقد البخيل لا يشير هنا فقط إلى مدة زمنية لكنه يتجاوزها إلى زمن فقير بالفرح
أما الأحزان العجاف فهي استعارة قوية تجعل الحزن أشبه بسنوات قحط عاطفي
لذلك إن هذا التحويل للزمن إلى تجربة شعورية يعكس إحدى خصائص الشعر الحديث وخاصة بأن الشاعرة تعتبر شاعرة حداثوية مجددة وقد وفقت إذ أحالت الزمن ليصبح عنصراً درامياً داخل النص وتتحول الذاكرة إلى مساحة تستعيد فيها الذات لحظات الفقد والانتظار
ولو تمعنا بالبنية الأسلوبية والقواعدية في النص
إلى جانب البعد الدلالي للنص: يمكن ملاحظة حضور بنية أسلوبية وقواعدية واضحة تسهم في تشكيل الإيقاع الداخلي للقصيدة
فالنص يعتمد على جمل شعرية قصيرة تتجاور داخل النسق الشعري دون اعتماد البناء النحوي المطوّل
وهو ما يمنح اللغة خفة إيقاعية وانسياباً دلالياً يتلاءم مع طبيعة التجربة الوجدانية في النص ويمسك بالوحدة الكلية فيه
ويبرز في النص حضور الفعل بوصفه محركاً أساسياً للحركة الشعرية مثل الأفعال التالية : تناديني- تعالي- نجدد- سقطت- يمسكني- تسبقني- سأمضي-
إن هذا الحضور الكثيف للأفعال يمنح النص طابعه الديناميكي بحيث تتحرك الذات باستمرار داخل فضاء التجربة الشعورية
كما يلاحظ تكرار الفعل الذي أكدّنا عليه سابقاً “سأمضي” والذي أدَّى وظيفة أسلوبية مزدوجة فمن جهة يؤكد القرار الداخلي للذات بالاستمرار في الرحلة
ومن جهة أخرى يصنع إيقاعه الدلالي الذي يعمق فكرة السير نحو المجهول
أو نحو الحلم المؤجل
أما من الناحية التركيبية:
فإن النص يعتمد كثيراً على الجملة الإسمية في لحظات التأمل مقابل الجملة الفعلية في لحظات الحركة
وهذا التناوب بين النمطين النحويين يمنح القصيدة توازنها بين التأمل والحركة وهو توازن يعكس طبيعة التجربة نفسها التي تتأرجح بين الاسترجاع والانتظار
كذلك نلحظ في النص حضور ظاهرة الانزياح اللغوي وهي من أهم خصائص الأسلوب الشعري بحيث تنزاح الكلمات عن معناها المباشر لتكتسب دلالات جديدة ويتجلى ذلك في تراكيب مثل:
“عرش أحزاني” و“وسادة اشتياقي” و“جسر خيبتها” وهي تراكيب تحول المعنى المجرد إلى صورة حسية فتمنح اللغة بعدها التصويري الواضح
وتصل التجربة الشعرية إلى إحدى ذراها الدلالية عندما تقول الشاعرة:
(نعم سأمضي
سأمضي إلى سيد الريح
فهو مازال هناك
بكحله الفيروزي ينتظرني)
إن صورة “سيد الريح” هنا تمثل إحدى الصور الرمزية المركزية في النص
فهنا كان قصدية بالإحالة كي لا تشير الشاعرة بالضرورة إلى شخصية محددة
إنما يمكن أن تقرأ بكونها رمزاً للآخر الغائب أو للحلم المؤجل
فإن الانتظار هنا لم يتبدى كحالة سلبية لكنه ظهر كحركة داخلية تدفع الذات إلى الاستمرار في الرحلة ولذلك فإن النص لا يتوقف عند حدود الشكوى
فهو يمشي بنسقية تتحول إلى تأمل في معنى الانتظار نفسه
وفي القسم الثاني
نمعن بظهور صورة “سيدة البنفسج” التي تعبر جسر خيبتها وهذه الصورة تمثل لحظة انتقال داخل التجربة الشعرية
فالبنفسج في الثقافة الشعرية غالباً ما يرتبط بالحزن الرقيق والجمال الهادئ
إن عبور سيدة البنفسج لجسر الخيبة يمثل لحظة وعي داخلي معنية بحيث تدرك الذات أن الانتظار الطويل قد لا يقود إلى اللقاء المنتظر ومع ذلك فإن النص لم يسقط في اليأس الكامل لكنه يحافظ على مسافة شعرية تسمح بتحويل الألم إلى تجربة جمالية
ومن هنا نقول أن لغة النص تتميز بقدرتها على بناء صور شعرية كثيفة تعتمد على الاستعارة والتجريد
ويتضح ذلك في قول الشاعرة:
(أفرش قصيدتي على وسادة اشتياقي)
ففي هذه الصورة تتحول القصيدة إلى كيان حميمي يحتضن الذات المتعبة
إن هذا التداخل بين الشعر والحياة يمنح النص طابعه التأملي العميق
كما تكشف هذه الصورة عن قدرة الشاعرة العالية على استخدام اللغة باعتبارها أداة لإعادة تشكيل التجربة العاطفية حين تتحول اللحظة الشعورية إلى مشهد شعري غني بالدلالات
فنشهد أن التجربة الشعرية تصل إلى نهايتها بصورة مكثفة تقول فيها الشاعرة:
(متوجة على عرش أحزاني
حلماً عارياً من كل لقاء)
إن هذه القفلة تمثل لحظة وعي نهائي بالتجربة
فالحلم الذي ظل يرافق الذات طوال النص يتحول في النهاية إلى حلم مجرد من اللقاء
ومع ذلك فإن الحزن لا يظهر هنا بمثابة هزيمة فهو يتحول إلى تاج رمزي
وهذه الفكرة تقترب من التصور الجمالي الذي طرحه الفيلسوف “فريدريك نيتشه” حين رأى أن الألم يمكن أن يتحول إلى طاقة إبداعية تولد الجمال الفني
بعد كل هذه الجمالية البنيوية النصية لا بد من الإشارة إلى أن النص يكشف عن حس شعري واضح وقدرة لغوية مميزة لدى الشاعرة حنان
فاللغة التي تتحرك داخل النص هي لغة مشبعة بالرموز والاستعارات التي تمنح القصيدة عمقها الدلالي
إن ما يلفت الانتباه في تجربة الشاعرة هو قدرتها على بناء صور شعرية تنبع من تجربة وجدانية صادقة لكنها في الوقت نفسه تنفتح على أفق رمزي أوسع
فالتجربة العاطفية تتحول في نصوصها إلى تأمل في الزمن والذاكرة والانتظار وهو ما يمنح لغتها طابعها التأملي الذي يقترب من الرؤية الفلسفية للشعر
فإذا ما نظرنا إلى هذا النص ضمن سياق التجربة الشعرية للشاعرة والذي عرفناه من خلال نصوصها مسبقاً فإننا نجد أن لغتها الشعرية لغة اعتاد القارئ عليها قوية ومتماسكة ومنتمية إلى وجدانها الإنساني وإلى محيطها الواقعي في آن واحد
فالشاعرة غالباً ما تستنبط صورها ورؤاها من تفاصيل الواقع الذي تعيشه وما يحيطها من مشاهد وتجارب ولا تنقله نقلاً مباشراً فهي تعيد صياغته شعرياً عبر لغة رمزية مشبعة بالإيحاء والتكثيف
ومن هنا تتحول التفاصيل اليومية في نصوصها إلى إشارات شعرية أوسع دلالة حيث تتداخل التجربة الذاتية مع الوعي الإنساني العام
إن هذه القدرة على تحويل التجربة الحياتية إلى بناء شعري رمزي تمنح نصوصها خصوصية جمالية واضحة وتجعل قصائدها قابلة للقراءة في ضوء مناهج نقدية متعددة سواء من منظور سيميائي أو وجودي أو تفكيكي
وبذلك يمكن القول إن نص “ومضيت” لم يمثل لحظة بوح عاطفي فقط لكنه يقدم تجربة شعرية ذات أفق فلسفي وإنساني حين تتحول القصيدة إلى مساحة للتأمل في الإنسان والزمن والذاكرة وهو ما يمنحها قيمة جمالية ومعرفية داخل المشهد الشعري المعاصر
بورك قلمك أ. حنان
مرشدة جاويش




