أنا والبحر *سعدالله بركات

Share

                                                أنا والبحر

& حتى تجاوزي ال ٢٠عاما لم  أكن أعرف البحر  إلاّ من خرائط الكتب المدرسية ، ولم أتشهّاه ، فماء عين صدد وقناتها الرقراقة ، كانت تكفيني متعة ومذاقا  ، وإن لامجال للسباحة فيهما ، وكيف لي  وأترابي أن نفكّر بالبحر وسباحته ، ودولاب أمّي يلاحق نول أبي ، وبالكاد يؤمنان مصروف عائلة سداسية قبل أن تفد الأختان ، فلا يترك لنا ظهيرة راحة وأقصى فرحة سفر كانت حين نزور قريبنا في قرية (الحفر )*.

لكنّ أمي ودولابها ، لم يبخلا عليّ بالاشتراك برحلة مدرسية لحمص ، مدعوما بزوّادة شهية ،وكنت في الصف الرابع 1959-60 ، فشاهدنا سدّ الرستن وبحيرة قطينة وغزارة العاصي  ، قبل أن نحطّ رحالنا في منتزه الميماس على ضفافه ، وكيف أنسى مصادفة أمير البزق محمد عبد الكريم ، وقد ملأ عزفه المكان  المكتظّ بحلقات عائلية تتراقص على أ نغامه الشجية .

الرحلة  الثانية التي وعدنا بها في عطلة ربيع ١٩٦٦ ، فإلى بحيرة ،،طبرية ،، لكن أحلام رحلة القطار وحمامات الحمّة  في الجولان ، طارت مع ماجرى  بدمشق في ٢٣ شباط ، حتى صارت حلما باحتلال اسرائيل الجولان 1967  ولعل ّ قطار العمر لا يبدّد أملا معقودا !!!..وإن بات الحلم أقرب لسراب .

أمّا البحر ، فلم أعاينه حتى قدت رحلة طلابية 1972 إلى طرطوس ، كان يوما ماتعا مع فتية لا أكبرهم كثيرا بالعمر فسعدوا  بمرافقتي على مضض من المدير الذي تفرغ  لتسوّق الجبن و الشنكليش ، لم اكن اعرف المسابح ولا السباحة ومازلت جاهليا فيها ، وحين صرت اصطحب عائلتي  لرحلات متواضعة ، لم أكن أغادر الشط فلا تكتمل فرحة أطفالنا . 

خوفي من البحر بدا واضحا حين أقلعت بنا الطائرة النمساوية من فيينا عصر 3 -1-2005  قاصدين واشنطن العاصمة ، لتطير فوق البحر 8 ساعات ، حاول فراس مداراة خوفي مازحا ، ( شو الفرق فاحتمالات الخطر فوق البر والبحر هي نفسها )، لكني رحت  أتخيّل بفزع  مصير الضحايا في البحر ، وحين العودة تلاشى القلق  وإن مازال يلوح  كلما عبرنا المحيط جوا ، ولاسيما من مدى اتقاننا إجراءات السلامة حين الطوارئ .

أمّا ركوب البحر ، فلم أفكّر به إلا بوعد – لم يتحقق – للعائلة برحلة إلى قبرص مطالع الثمانينات ق 20 ، اعتمادا على قربها وقلة التكاليف ، حتى حين مضت عقود وسنوات وحطت بنا رياح الغربة في المقلب الآخر من الأطلسي ، وحلّت الذكرى 50  لزواجنا،  أواسط آب ٢٠٢٤ وجدتني أختار رحلة بحرية ،،كروز ،، لجزر الكاريبي القريبة ، لم تكن متاحة من ساحل ولايتنا ، فأصر شادي. أن نطيرساعتين وأكثر إلى جاك سنفل – فلوريدا ، لنستقلّ السفينة ٥ أيام بلياليها ، لم أعدم القلق ، خاصة حين استقبلونا بتعليمات الطوارئ والسلامة ونحن لا نفهم الكلام !!  لكن سعادة المناسبة أزاحته  إلى حين وآخر ، قلق من موج عات أو عاصفة ، تودي بنا لتهلكة ، تبهرك سفينة (كرنفال ) من مجموعة ،، رويال كاربيان ،، بسعتها ودقة تنظيم خدمات طوابقها ال -١١-  وتوزع مرافقها  الترفيهية والرياضية والثقافية  فضلا عن مطاعمها وما توفّره  من مذاقات ، إلاّ المطبخ العربي

                                                                                      

المساء الأحلى حين دخلنا المسرح   آخر يوم في الرحلة لنشاهد عرض ( الحب والزواج ) Love Marriage and  و بدأ مقدم العرض يسأل عن أطول زواج من الحضور  فكنا الرقم الأول ، دعينا للمشاركة مع عائلتين أخريين في فقرات العرض فاعتذرنا لعدم إتقاننا اللغة ، فهو امتحان طريف عن الحياة الزوجيّة باسئلة فردية في غياب الشريك ماذا يفضل من الطعام ؟ ماذا أهديتها أول مرة؟  كيف التقيتما ؟ لكن الصورة مع مقدم العرض والزوجين اللذين شاركا بدلا عنا ستظل اثيرة مع الهدية التذكارية  والاحتفاء الرمزي بنا خلال العشاء  .

لكن المفاجأة كانت مع سانتا كلوز وكريماس 2024  و2025 ببطاقة رحلتين من الحفيدين جود ونورا لأسبوع كامل بلياليه الثماني. 

تبهرك جزيرة الباهاما جمالا ونظافة ومصنوعاتها الترويجية السياحية ، زرناها في رحلاتنا ال 3 ،  وكونا معرفة عن نظام حكمها وإدارتها ، لكن لفتتنا زيارة جزيرة،، وناسا،، في الرحلة الثانية منتزهاتها وشاطئ السباحة وملاهي الأطفال، لكن الرحلة الثالثة رسخت في الذاكرة مصادفة العشاء الجميلة حين تلاقينا على توادد مع  Jim +Cathy جيم وكاثي صديقين مسنين  من ولايتنا تشي ملامحهما وتصرفاتها بأناقة ولياقة    هيرب  و  وزوجته النيبالية سيرلي  البشوشة  + —–Herb + Sarale .

كان موعدنا التزاما لم يتخلف عنه أحد إلا لضررورة ، تناوبنا على تقديم المشروب  ورحنا نتبادل الأنخاب والصور التذكارية، ونعمق المودة حين نتصادف في مطعم او مسبح ، وكم كانت أثيرة  بادرة كاثي بهدية لحفيدتنا ، كما الذكريات وإن نغصها عدم إتقاننا الإنكليزية بغياب من يساعدنا لولا قادنا البحث في الرحلة الاولى  إلى صبية لبنانية في مكتب الخدمات وإلى نادلين من تونس  حيث سهّلوا كل في رحلته ماصعب علينا ،ركبنا البحر مثنى وثلاثا، ولكن زيارة البحيرة**  تظل حسرة وأضغاث  حلم  تعشمناه إلى حين. 

&& كاتب سوري أمريكي  # من رواية دولاب أمي                 

==== 

*الحفر قرية على مبعدة ٧كم جنوبا بناها ١٠ من أبناء صدد 1825 وكنا ندعوها العاصمة  تندّرا

        ** طبريا و حمّامات الحمّة