
بين اليأسِ والأملِ لبنانُ ينزفُ بصمتٍ. *بقلم د.ليلى صليبي
بين اليأسِ والأملِ لبنانُ ينزفُ بصمتٍ.
*بقلم د.ليلى صليبي
في وطني، حيثُ كانتِ الحكاياتُ تُروى على شرفاتِ البيوتِ، وحيثُ كانتِ القرى تتنفّسُ على وقعِ المواسمِ، جاءتِ الحربُ كريحٍ سوداءَ، لا تُفرّقُ بين حجرٍ وبشرٍ، ولا بين حلمٍ وذاكرةٍ.
لبنانُ… هذا الاسمُ الذي طالما اقترنَ بالجمالِ، صارَ اليومَ يئنُّ تحتَ وطأةِ حربٍ ضروسٍ، تسرقُ من أطفالِه ضحكاتِهم، ومن أمهاتِه الطّمأنينةَ، ومن شيوخِه ما تبقّى من صبرٍ وذكرياتٍ. لم تعدِ الحربُ خبرًا عابرًا، بل أصبحتْ تفاصيلُه دمًا وصوتُه قذائفَ، ورائحتُه خوفًا.
في الأزقّةِ التي كانتْ تضجُّ بالحياةِ، يسكنُ الآنَ صمتٌ ثقيلٌ، وكأنَّ الجدرانَ نفسَها فقدتْ قدرتَها على الكلامِ. بيوتٌ كانتْ تأوي الدّفْءَ العائليَّ، تحوّلتْ إلى ركامٍ باردٍ، يشهدُ على قسوةِ الإنسانِ حين ينسى إنسانيّتَه. وها هم الأبرياءُ، الذين لم يحملوا سلاحًا يومًا، يدفعون الثّمنَ الأكبرَ، دمًا يُسفكُ، وأحلامًا تُغتالُ قبلَ أن تُولدَ.
أمّا التهجيرُ، فهو جرحٌ آخرُ لا يُرى، لكنّه ينزفُ في القلوبِ. أن تُجبرَ على مغادرةِ بيتِكَ أن تتركَ وراءَكَ ذكرياتِكَ، صورَكَ ، تفاصيلَ حياتِكَ الصّغيرةِ ذلك ليسَ مجرّدَ انتقالٍ مكانيٍّ، بل اقتلاعٌ من الجذورِ. يصبحُ الإنسانُ غريبًا حتّى عن نفسِه، يبحثُ عن وطنٍ في حقيبةٍ، وعن أمانٍ في عيونِ الآخرينَ.
ومع كلِّ هذا، يبقى السّؤالُ معلّقًا في سماءِ هذا الوطنِ: هل نحن أقربُ إلى الأملِ أم إلى اليأسِ؟
اليأسُ حاضرٌ، نعم، في عيونِ الأمهاتِ، في أنقاضِ البيوتِ، في صرخاتِ الأطفالِ، وفي ليلٍ طويلٍ لا يبدو أنَّ له فجرًا قريبًا. لكنّه ليس النهايةَ. فالأملُ، وإن خفتَ صوتُه، لا يموتُ. يسكنُ في كلِّ يدٍ تمتدُّ لمساعدةِ منكوبٍ، في كلِّ قلبٍ يرفضُ أن يعتادَ الألمَ، في كلِّ لبنانيٍّ ما زالَ يؤمنُ أن هذا الوطنَ يستحقُّ الحياةَ.
لبنانُ ليس مجرّدَ أرضٍ تُقصفُ، بل هو روحٌ تأبى الانكسارَ .قد تُهدَم البيوتُ، لكنَّ القدرةَ على إعادةِ البناءِ تبقى. وقد تُطفأُ بعض ُالأحلامِ، لكن جذوةُ الحياةِ تظلُّ مشتعلةً في الأعماقِ.
بين الأملِ واليأسِ، يقفُ لبنانُ اليومَ، كما في كلِّ مُرّةٍ، سيختارُ أن يكونَ للحياةِ ولو بعد حينٍ.
وفي خضمِّ هذا الألمِ المتراكمِ، لا يبقى لنا إلاَّ أن نرفعَ الدّعاءَ قبلَ الصّوتِ ، والرّجاءَ قبلَ العتبِ، أن تنتهي هذه الحربُ بأسرعِ وقتٍ، وأن تعودَ الأرضُ إلى سكونِها، والبيوتُ إلى دفئِها، والقلوبُ إلى طمأنينتِها. فليس في الحروبِ منتصرٌ حقيقيٌّ، بل خاسرونَ تتوزّعُهم الجراحُ. لعلَّ فجرَ السلامِ يقتربُ، ويكتبُ لهذا الوطنِ أن ينهضَ من نزفهِ، ويعودَ كما كانَ وطنًا للحياةِ لا ساحةً للموتِ.
*أدبية لبنانية



