
الناشئة بين ضفتي مواقع التواصل الاجتماعي ،* بقلم د.ليلى صليبي
تداعياتُ وسائلِ التّواصلِ الاجتماعيِّ على وعيِ النّاشئةِ
.،* بقلم د.ليلى صليبي
لم تعدْ مواقعُ التّواصلِ الاجتماعيِّ، وفي طليعتِها “فيسبوك”، مجرّدَ منصّاتٍ للتواصلِ وتبادلِ الآراءِ، بل تحوّلتْ إلى فضاءٍ موازٍ يعيدُ تشكيلَ وعيِ الناشئةِ، ويؤثّرُ بعمقٍ في بنيّةِ تفكيرِهم وسلوكِهم وقيمِهم. إنّ هذا التحوّلَ المتسارعَ يفرضُ قراءةً نقديةً متأنّيةً، تتجاوزُ الانبهارَ بالتّقنيّةِ إلى مساءلةِ آثارِها التّربويّةِ والنّفسيّةِ والثّقافيّةِ.
في المستوى الأوّلِ، تُسهمُ هذه المنصّاتُ في إعادةِ صياغةِ مفهومِ الهويةِ لدى النّاشئةِ. فالمراهقُ، وهو في طورِ التّشكُّلِ، يجدُ نفسَه أمام َسيلٍ جارفٍ من الصّورِ والمعاييرِ الجاهزةِ، التي تُقدَّمُ بوصفها نماذجَ مثاليةً للحياةِ والنّجاحِ والجمالِ. وهنا تتولّدُ فجوةً بين “الذّاتِ الواقعيّةِ” و”الذّاتِ الافتراضيةّ”، قد تقودُ إلى القلقِ، أو الشّعورِ بالنّقصِ، أو السعي المحمومِ نحو اعترافٍ رقميٍّ هشٍّ يُقاسُ بعددِ الإعجاباتِ والتّعليقاتِ، لا بعمقِ التّجربةِ الإنسانيّةِ.
أمّا على الصّعيدِ النّفسيِّ، فقد ارتبطَ الاستخدامُ المفرطُ لمواقعِ التّواصلِ بارتفاعِ معدّلاتِ العزلةِ والاكتئابِ لدى بعضِ الناشئةِ. paradoxically، في زمنِ “الاتصالِ الدّائمِ”، تتّسعُ هوّةُ الوحدةِ؛ إذ يُستبدلُ التّفاعلُ الإنسانيُّ الحيُّ بعلاقاتٍ سطحيّةٍ سريعةِ الزّوالِ، تُفتقرُ إلى الدّفْءِ والصّدقِ. كما أنّ التعرّضَ المستمرَّ للمقارناتِ الاجتماعيّةِ يرسّخُ شعورًا دائمًا بعدمِ الرضا.
وفي البعدِ المعرفيِّ، تُسهمُ هذه الوسائطُ في تكريسِ ثقافةِ “السّرعةِ” على حسابِ “العمقِ”. فالمحتوى المختصرُ، المتدفّقُ بلا انقطاعٍ، يُضعفُ القدرةَ على التّركيزِ والتأمّلِ، ويعيدُ تشكيلَ الذّائقةِ المعرفيّةِ نحو الاستهلاكِ السّريعِ بدلَ القراءةِ المتأنّيةِ والتّحليلِ النّقديِّ. وهنا يبرزُ خطرُ تشكّلِ وعيٍ مجتزأٍ، قائمِ على العناوينَ والصّورَ، لا على الفهمِ المتماسكِ.
غيرَ أنَّ الصّورةَ ليستْ قاتمةً على إطلاقِها؛ فهذه المنصّاتُ تحملُ أيضًا إمكاناتٍ إيجابيّةً إذا أُحسنَ توظيفَها. فهي تتيحُ للنّاشئةِ فضاءاتٍ للتعبيرِ عن الذّاتِ، واكتسابِ المعرفةِ، وبناءِ شبكاتٍ من الاهتماماتِ المشتركةِ، بل وقد تكونُ منبرًا للإبداعِ والمبادراتِ المجتمعيّةِ. غير أنَّ هذا الوجهَ المضيءَ يظلُّ مشروطًا بوجودِ وعيٍ رقميٍّ ناقدٍ، وتربيةٍ إعلاميّةٍ تُحصّنُ النّاشئةَ من الانسياقِ الأعمى خلفَ المحتوى.
من هنا، تتبدّى مسؤوليةُ الأسرةِ والمؤسساتِ التّربويّةِ في مواكبةِ هذا التحوّلِ، لا بمنطقِ المنعِ أو التّخويفِ ، بل بمنطقِ الإرشادِ والحوارِ. فالتّربيةُ اليومَ لم تعدْ تقتصرُ على تقويمِ السّلوكِ في العالمِ الواقعي، بل تمتدُّ إلى الفضاءِ الرقميِّ، حيثُ تتشكّلُ قيمٌ جديدةٌ، وتُعادُ صياغةُ العلاقاتِ والمعاني.
في الختامِ، يمكنُ القولُ إنّ “فيسبوك” ومواقعَ التّواصلِ ليستْ خيرًا مطلقًا ولا شرًّا مطلقًا، بل هي مرآةٌ تعكسُ طريقةَ استخدامِنا لها. والرهانُ الحقيقيُّ يكمنُ في تحويلِ هذه الأدواتِ من قوى مهيمنةٍ على وعيِ النّاشئةِ، والى وسائلَ
تُنمّي إنسانيتَهم، وتُثري عقولَهم، وتُعيدُ وصلَهم بذواتِهم والعالمِ على نحوٍ أكثرَ توازنًا وعمقًا.
* أديبة وأكاديمية لبنانية



