أثر البيئة الجغرافية في الهويّة الثقافية / الشاعر د. صلاح جرّار

Share

أثر البيئة الجغرافية في الهويّة الثقافية
الدكتور صلاح جرّار
لا يملك أي مجتمع من المجتمعات أن يختار هويته الثقافية التي ينشأ عليها، كما لا يستطيع أن يتحاشى تأثير كثير من العوامل التي تساهم في تشكيل هويّته الثقافية، وأخصّ هنا أثر البيئة الجغرافية التي ينشأ فيها أبناء المجتمع مثل مناخ المكان وتضاريسه وحيواناته ونباتاته وطيوره وحتى الحشرات التي تنتشر فيه، فالثقافة التي تتشكل لدى سكان المناطق الحارّة تختلف عن ثقافة سكّان المناطق الباردة، لأنّ المناخ الذي ينشأون فيه يؤثر على نوع ملابسهم ومصادر رزقهم وأنواع أطعمتهم وأنواع رياضاتهم ورفاهيتهم ووسائل مواجهتهم للتحديّات البيئية التي يتعرّضون لها بما في ذلك أنواع الأمراض التي يصابون بها وكذلك على عاداتهم وطباعهم وأمزجتهم وألوان بشرتهم والأدوات التي يستخدمونها، وربّما أثّر ذلك على معتقداتهم أيضاً. وما يقال عن المناخ الحار أو البارد أو المعتدل يقال عن التضاريس، فسكّان المناطق الجبليّة يختلفون عن سكّان المناطق المنخفضة والسهليّة، وسكّان المناطق الزراعية يختلفون عن سكّان المناطق الصحراوية، ومن يسكن قرب البحار والأنهار يختلف في عاداته وسلوكه وعناصر ثقافته عن الذي يسكن في الجبال والسهول، ذلك أن تضاريس المكان تفرض على سكّانه طباعاً خاصّة ومهناً خاصّة وأدوات خاصّة وأطعمة وملابس ورياضات وعادات خاصة، وقد يكون لها دورٌ في تشكيل البنية الجسدية للأشخاص، فمن يسكنون على السواحل يعملون في البحر وصيد السمك ويبنون بيوتاً تراعي خطر الفيضانات، وتكون أطعمتهم مما يوفره لهم البحر، ولهم ملابسهم التي تناسب أعمالهم ومهنهم، ولهم أغانيهم وفنونهم المستوحاة من بيئة البحار، وتكون أدواتهم وآلاتهم ومراكبهم ومقتنياتهم التي يحرصون عليها متأثرة بعالم البحار.
أمّا سكّان الجبال فلهم ثقافتهم التي تميّزهم عن سكّان السواحل والسهول، فيختلفون عنهم في المهن وخصائص البيوت والبنية الجسمية والفنون والاهتمامات وأنواع الأطعمة والحلى والأزياء وحتى الألوان التي يميلون إليها في ملابسهم وفنونهم، وحتى الأمراض التي تصيبهم والأدوية التي يستخدمونها للعلاج والأدوات التي يستعملونها في كلّ شأن من شؤون حياتهم.
وأمّا الحيوانات والمواشي والطيور الداجنة والبريّة والنباتات والحشرات التي تعيش في المكان فلها أثرٌ كبير على طرق عيش الساكنين في ذلك المكان وبالتالي تشكيل ثقافتهم أكلاً وشرباً ولباساً وأمناً وفنوناً وأغاني وموسيقى وأمراضاً وعلاجات ومهناً وحتى الأساطير والمعتقدات وغير ذلك كثير.
وعلى ذلك فإنّ للبيئة الجغرافية إسهاماً كبيراً وملموساً في تشكيل ثقافة المجتمعات والشعوب وهويّاتها ولا يملك أيّ مجتمع أن ينجو من تأثيرها، إلى جانب عوامل أخرى كالتربية والتعليم والتقليد وغيرها.
وعليه فإنّ مما يجانب الحكمة ويجافي المنطق أن تعادي المجتمعات أو الشعوب بعضها بعضاً استناداً إلى الاختلافات الثقافية كالاختلاف في العادات والتقاليد والاعتقادات وألوان البشرة وطرائق العيش المختلفة.
ومما هو جدير بالاستنكار الشديد أن يقود حملات الكراهية والمعاداة على أسس ثقافية مفكّرون ومثقفون وسياسيّون وزعماء دول.
إنّ الحروب والنزاعات وشنّ الحروب انطلاقاً من اعتبارات ثقافية هي أعمالٌ لا جدوى منها، وذلك لاستحالة تغيير الهوية الثقافية لأيّ شعب من الشعوب بالقوّة واستحالة الاستبدال بها أو محوها، والبديل الأمثل لهذه الحالة هو الاعتراف بثقافات الآخرين واحترامها وتجنّب التحامل عليها، وبالتالي تحييد سبب من أسباب الحروب والنزاعات.
ومن الأجدى أيضاً في مقابل ذلك أن يلتفت عُشاق الحروب والفتن والنزاعات على قاعدة الاختلاف الثقافي إلى أن الاختلاف في العادات والتقاليد والاعتقادات والطبائع وأنواع الطعام والشراب واللباس والفنون وغيرها هو مصدرٌ غنيٌ من مصادر التنوّع وإغناء المعارف والخبرات، ومدخلٌ مهمٌّ من مداخل التعارف بين الشعوب.
2