
السعادة ببن الرغبة والواقع .بقلم د.ليلى صليبي
السعادةُ ثمرةُ التوازنِ
يُكثرُ الناسُ الحديثَ عن السعادةِ، ويختلفون في تعريفِها كما يختلفُ المسافرون في وصفِ الطريقِ. فمنهم من يراها في المالِ والرفاهِ، ومنهم من يفتّشُ عنها في الشهرةِ أو النفوذِ، ومنهم من يعلّقُها على أبوابِ الأمنياتِ المؤجّلةِ. غيرَ أنّ َ السعادة َ، في جوهرِها، ليستْ شيئًا يُمتلكُ، بل حالةٌ تُبنى، وليستْ محطةً نصلُ إليها، بل أسلوبٌ نعيشُ به الحياةَ.
ولعلَّ أولَ مقوّماتِ السعادةِ الرضا؛ فالإنسانُ الذي لا يعرفُ الرضا يظلُّ أسيرَ النقصِ، مهما كثرتْ بين يديْه النعمُ. إنَّ الرضا لا يعني الاستسلامَ للواقعِ، بل يعني أن ينظرَ المرءُ إلى ما لديه بعينِ الامتنانِ، وأن يسعى إلى الأفضلِ بقلبٍ مطمئنٍّ لا بروحٍ ساخطٍ . وما أكثرَ من يملكون الكثيرَ ويعيشون فقراءَ النفسِ، لأنّهم لم يتعلّموا فنَّ الاكتفاءِ.
ويأتي بعدَ ذلك التوازنُ النفسيُّ، وهو من أثمنِ ما يظفرُ به الإنسانُ في هذا العصرِ المضطربِ. فالسعادةُ لا تُقيمُ في قلبٍ تمزّقُه المقارناتُ، ولا في نفسٍ تستنزفُها المطامعُ. إنّ من يعرفُ حدودَه، ويصالحُ ذاتَه، ويمنحُ روحَه حقّها من السكينةِ، يقتربُ من جوهرِ السعادةِ أكثرَ ممّنْ يلهثُ وراء المظاهرِ الخادعةِ.
ولا يمكنُ إغفالُ العلاقاتِ الإنسانيّةِ الصادقةِ؛ فالحياةُ، مهما اتّسعتْ، تضيقُ إذا خلا القلبُ من المودّةِ. صديقٌ وفيٌّ، وأسرةٌ حانيةٌ، وكلمةٌ طيّبةٌ، قد تصنعُ في النفسِ ما لا تصنعُه كنوزُ الأرضِ. فالإنسانُ كائنٌ يُزهرُ بالقربِ، ويذبلُ في عزلةِ المشاعرِ.
ومن مقوّماتِها كذلك العملُ ذو المعنى؛ إذ يشعرُ المرءُ بقيمتِه حينَ يرى أثرَ جهدِه، وحين يدركُ أنَّ لوجودِه نفعًا يتجاوزُ ذاتَه. فالبطالةُ الروحيةُ أشدُّ قسوةً من فراغِ الوقتِ، لأنَّ الإنسانَ خُلقَ ليُنجزَ، ويشاركَ، ويتركَ بصمةً في هذا العالمِ.
ثم تأتي الصحةُ، وهي النعمةُ التي لا يُدركُ قدرَها إلاّ من جرّبَ الفقدَ. فالجسدُ المعافى وعاءُ الروحِ، وإذا اختلَّ الوعاءُ تعكّرَ صفوُ الحياةِ. لذلك كانتِ العنايةُ بالصحةِ الجسديةِ والنفسيةِ من أصدقِ أبوابِ السعادةِ وأبقاها.
وخلاصةُ القولِ، إنّ السعادةَ لا تُشترى بمالٍ، ولا تُستعارُ من الآخرين، ولا تُنالُ دفعةً واحدةً. إنّها ثمرةُ توازنٍ بين الرّغبةِ والرضا، بين الجهدِ والسكينةِ، بين الأخذِ والعطاءِ. ومَنْ أدركَ هذا السرَّ، علمَ أنّ السعادةَ لا تسكنُ الأماكنَ البعيدةَ، بل تُنبتُ بهدوءٍ في أعماقِ النفسِ.
*كاتبة وأكاديمية لبنانية


