التحرر الوجداني …ورمزية الانعتاق في ومضة سمر الديك *بقلم عزيزة المبارك
الومضة، أو القصة القصيرة جداً (ق.ق.ج)، الفن الذي تبرع فيه الكاتبة الكبيرة، سمر الديك وتحترف انتقاء ومضاتها، باختصار الحالات والمواقف العظيمة بإيجاز،”انفلات”، عنوان جديد وجائزة مستحقة جديدة.
النص: “انفلات”
((شدوه جيداً، امتنع الهواء عنه، قطع حبله…بحثت القيود عمن يلبسها!..))
الومضة تميزت بتكثيف لغوي عالٍ، ورمزية عميقة فيمايلي رؤيتي للنص من منظوري.
انفلات: تعني أساساً التملص أو التحرر من قيد، سيطرة أو قاعدة، تشير في الغالب إلى الخروج عن القواعد والقيم وربما التحرر والهرب.
شدوه جيداً: تشير إلى محاولة السيطرة المطلقة، أو التقييد الشديد لشيء ما، قد يكون فكرة، إنسان، أو رغبة ما.
عبارة “امتنع الهواء عنه”، الكاتبة تكمل هنا العبارة السابقة، بأنه نتيجة الشد المفرط والتقييد وصل الأمر إلى خد الاختناق وفقدان مقومات الحياة الأساسية.
قطع حبله: هنا تكمن نقطة التحول؛ فالضغظ الزائد أدى إلى الانفجار أو الانقطاع بدلأ من الإذعان. الحبل الذي كان وسيلة للسيطرة أصبح سبب التحرر.
بحثت القيود عمن يلبسها: العبارة تشرح كيف تحول المُقيد إلى كائن طليق لدرجة أن القيود، التي ترمز ربما للسلطة، العادات، أو الأغلال النفسية. بقيت فارغة تبحث عن ضحية جديدة، مما يدل على نجاح “الانفلات التام.
الكاتبة تناولت في الومضة فكرة المقاومة ورد الفعل تجاه القمع، وتؤكد أن المبالغة في التضييق حتماً تؤدي إلى التحرر، فكلما زاد الضغط ولّد الإنفجار.
الكاتبة دلت على فعل “فشل السيطرة”، فالقيود التي تبحث عمن يلبسها تصور المفارقة الساخرة؛ حيث تفقد أدوات القمغ قيمتها عندما يقرر الفرد أو المجتمع، التخلص منها نهائياً.
على الرغم من المفردات القليلة في النص، إلا أنه غني بالدلالات الرمزية والاستعارات:
الحبل: رمز إلى الارتباط والقيد ” ربما كان مادياً أو معنوياً، كالتبعية أو الالتزامات الخانقة. قطعه مثل لحظة الحسم والتحول من التبعية إلى الاستقلال.
الهواء: هنا رمز إلى “الحياة، الحرية، والروح. امتناعه يشير إلى الوصول لمرحلة الاختناق، التي تسبق الانفجار أو التمرد.
القيود: رمزت هنا إلى العوائق المجتمعية أو النفسية ربما، التي تكبل الفرد، والبحث ” عمن يلبسها”، يدل على حالة التمرد الشامل التي ترفض أي شكل من أشكال السيطرة.
الكاتبة ببراعة استخدمت الاستعارة والصور البديعية : “امتنع الهواء عنه”، استعارة مكنية تصور الهواء ككائن يرفض منح الحياة، مما يوحي بضيق الخيارات، وانسداد الأفق.
قطع حبله: صورة تعبيرية قوية للانفصال المفاجئ والنهائي. هي لحظة “انفلات”، التي يعلن عنها العنوان.
الجملة ” بحثت القيود عمن يلبسها”، استعارة تصريحية مقلوبة ومدهشة؛ بدلاً من أن يبحث المرء عن حريته، أصبحت القيود تبحث عن “ضحية”، جديدة، مما يدل أن بطل النص قد تحرر تماماً لدرجة أن القيد لم يعد يجد له مكاناً عليه.
ومضة اديبتنا ذخرت بالبناء الفني والجمالي، نلاحظ التكثيف اللغوي، فن الومضة أساساً يعتمد على إيصال معنى عميق بأقل عدد من الكلمات.
نلاحظ المفارقة في الجملة الختامية، فالحرية هنا ليست مجرد فك للقيد، بل تجرد كامل جعل القيد نفسه “تائهاً”، يبحث عن صاحبه القديم ولا يجده.
نلاحظ الإيقاع الدرامي الشيق حيث بدأت الكاتبة بالفعل المجهول “شُدوه”، وهو فعل خارجي مسلط عليه”، وانتهت بفعل “بحثت”، للقيود، “فشل السيطرة الخارجية”، مما يعكس الانتقال الدرامي من القهر إلى الانعتاق التام.
النص جسد لحظة التمرد الوجودي، حيث أدى الضغط الشديد إلى نتيجة عكسية تماماً “الانفلات”، التام الذي يقلب موازين القوى. برأيي الومضة تحدثت عن التحرر من القيود المجازية. وربما تشير إلى قطع علاقات أو التخلص من تأثير الآخرين الذين يفرضون السيطرة، في ثورة للكاتبة إلى الاستقلال أو إنهاء علاقات ما.
الكاتبة سمر الديك كعادتها السحرية، جعلت خيال القارئ يحلق بعيداً لآخر مدى من الجمال والرمزية بكل براعة وتوفيق.