جورج عازار :القصيد والقص متكاملان ..حاوره سعدالله بركات

Share

 

 جورج عازار: دمشق ألهمتني القصيد

*حاوره سعد الله بركات

&& من القامشلي ، أقصى الشمال الشرقي في سورية ، إلى السويد وأقصى الشمال الإسكندنافيّ ، درب طويل وحبال غزلها من شعر وحنين غالبا ما يصاحبه أنين من وجع بعاد وتراقص ذكريات لمّا ..ولن تمّحي..

جورج عازار ::شاعر وأديب ، ينثر أزاهير اليراع الأريب بين نثر منظوم وشعر مرسوم  أو عبر حكايات محبوكة من نساج بارع  وترى  د. ليلى الصليبي  أنّ نتاجه ينبضُ بعمقٍ إنسانيٍّ وفكريٍّ لافتٍ، حيثُ يمتزجَ الوجعُ بالجمالِ، والتساؤلُ بالرّجاءِ ، واللّغةُ بالدّهشةِ.

ما يؤكد أنَّ الشّعرَ  حين يُكتبُ بصدقٍ، يصبحُ مرآةً للرّوحِ، ومساحةً للتأملِ، وأثرًا لا يزولُ عبر هذا العطاءِ الشّعريِّ النّاضجِ والقول هنا للناقدة اللبنانية د. صليبي ذاتها، وها نحن نشرع معه أشرعة الحوار  لعلنا نقارب ما في نتاجه من محار.

1- الشعر ام الغربة أيّهما قبل؟
=الشعرُ كان طبعاً قبل الغربةِ، بدأ الشعر وكذلك القصة والمقالة في البدايات، أي منذ بدأ اهتمامي بالأدب بشكلٍ عام في مرحلة الشباب والمراهقة، حينما كنت في مدينة القامشلي في سوريا أي حتى قبل التحاقي بالدراسة الجامعية في العاصمة السورية دمشق.ومن قصيد بداياتي :
((صبّي ليَ المزيدَ
دعيني أرحلُ إلى أبعدِ مَدىً
أُحلِّقُ إلى أقاصي السَّماءِ
صُبيِّ لي المزيدَ
توَّاقٌ أنا إلى مُعانقةِ الخَطرِ
دعيني أَغرقُ أو أتلاشى
أو أذوبُ كالمِلحِ بين عَبراتِ المُقَلِ
فالموتُ لا يطيبُ إلَّا بين لُجَجِ المَلاحةِ
ولا يغدو حلالاً إلَّا في حَريقِ القُبَلِ))
2-أ- ما أبرز ما يشدّك للقامشلي ؟
=القامشلي هي مدينتي مدينة الطّفولة والشباب، عشت فيها بالتأكيد سنوات لا تُنسى تركت أثراً كبيراً في حياتي وكذلك في نِتاجاتي، حيث كان لها النصيب الأكبر في كتابي الأول وهو “من عبق الماضي” وهو كتاب قصص قصيرة، اشتمل على العديد من الحكايات والمغامرات، التي حصلت في السنوات الثماني عشر التي قضيتها فيها، قبل انتقالي إلى العاصمة دمشق، وهذا مقطع من قصة قصيرة لي تصوّرعمق الاثر الذي تركته مدينة القامشلي في نفسي واسم القصة كان ” تأوهات الحنين”:
“آهٍ…كم أحنُّ إلى تلك الدَّار، وإلى صخب الجيران.. وإلى صياح الصّبية في تلك الأزقة، وإلى طفلتين أشبه بزهرتين في نيسان، قابعتين على ذلك الرّصيف منهمكتين برسم خطوطٍ مميزةٍ بالطباشير، تأهُّباً لممارسة لعبة الخطّة المفضَّلة لديهما… أحنُّ يا بني إلى اجتماعنا الممتع حول مائدة الطَّعام، إلى ضحكة هذا وتأفُّف ذاك، وأصوات الملاعق تصارع أكوام الصحون… أحن إلى بيت مونتنا… إلى خوابي الفخار الممتلئة بالجبنة البلدية أو بحبَّات الزَّيتون.
أحن إلى أوراق الدَّالية..وإلى سلّة البصل اليابس… أحنُّ إلى كومةِ الثُّوم المعلَّقة فوق الجدار… وإلى أطواقِ الخضارِ المجفَّفة المنشورة على تلكَ الحبالِ.
لا يمكن لي نسيان ذكرياتي الأثيرة على فؤادي، فمازلت أذكرُ مغافلتك لي وتسلُّلك في ظهيرة نهارات الصَّيف، هرباً من واجب رقاد القيلولة وسعياً إلى لحظات لهوٍ مسروقة، وإحساسك بنشوةِ الانتصار كلَّما نسيت أو تناسيت تأنيبك عند المساء.”
٢-ب- وماذا عن دمشق ،وقد عشت فيها بقدر ماعشت بمسقط رأسك؟
= دمشق  عشت فيها أجمل سنوات العمر في مرحلة الدراسة الجامعية والعمل ، ومنها اغتربت وقد ألهمتني الشعر ومما قلت فيها:
((“وَجدٌ ووِصَالٌ للشَّامِ مِرسالٌ”
دِمشقُ
فيكِ نِصفُ العُمرِ
وما تَبقَّى في روابي قاسيونَ

انتظارُ

وفي الغُوطةِ تَهيمُ الرُّوحُ
في معارِجِها
ولوعةُ الهُيامِ للمُشْتاقِ
إيثارُ
كُلُّ الحِسَانِ وإِنْ كانت
دانيةً قُطُوفُها
لكِنَّه ما حَنَّ يَوماً لغيرِكِ
أو رَقَّ واشتهى))
3- كيف حوّلت الغربة لفرصة ؟
= ربّما الغُربة بحد ذاتها سيف ذو حدين فهي توفر لك الحياة الاقثصادية المريحة وتعطيك فرصة تحقيق الذات عبر الامكانيات المُتاحة لنشر الكتب التي تكتبها، وأيضا فرصة السفر وزيارة بلدان مختلفة تُغني التجارب والخبرات التي يوفرها لك السفروالسياحة مما يساعد في زيادة المعارف والإِتيان بزخم ثري في مجال القصة والشعر، وفي الحقيقة أوحت لي الكثير من السفرات بقصص متنوعة وقصائد شعرية عديدة وفي المقابل فإن للغربة سيف آخر هو الشوق والتوق والحنين الذي لا يمكن أن يخمد طوال العمر وفي ذلك أقول في قصة قصيرة لي اسمها “رجع الصدى “:
“يغرقنا الحنين في بحار الذّكرى، وبصمتٍ نبكي على ما انقضى أو ربَّما عمَّا هو آتٍ، ويصير العمرُ حكايةً تراثيَّةً أسطوريَّةً ما تزال تخطرُ في البال، تجوب تلك الأزقّة تتحدَّث إلى رجع الصدى الَّذي تركناه وحيداً هناك في كلِّ ركنٍ يداعبُ خيوط الزَّمان الهارب منّا في زحمة الأيّام”٠
وفي قصة “ذكريات من زمن فات” أقول فيها: “تاهت منَّا الطُّفولة ذات يومٍ هناك، ولكن بقيت آثارُ لُعبةِ الخَطَّة” مرسومةً على رصيفِ شارعِنا وبقي طيفُ طفلتين هناك يقفزان فوق الحبل بمتعةٍ وغِبطة، ومازال ذاك الطِّفلُ المنسيُّ مُختبئاً خلف شجرة التُّوت وهارباً في تفاصيلِ لُغزِ لُعبةِ “الغُمّيضَة” وقوس قزح الذِّكرى، مُنتظراً قدوم أحد الرِّفاق ليوقظَهُ من نشّوةِ الغَفوة. “
4 ما معطيات هذه الفرصة ومعالمها؟
كما ذكرت سابقاً فأنا تمكنت من نشر وطباعة كتبي كلها في بلاد المهجر، حيث جاءت كما يلي صدرت لي مجموعتين قصصيتين الأولى بعنوان “من عبقِ الماضي” وقد صدرت  عام 2022، والثانية بعنوان “زمن الذئاب” وقد صدرت  عام 2023، وكذلك صدر لي ديواني قصائد نثرٍ وهما ديوان “عندما يموتُ الضوء”، وقد صدر عام 2023، وديوان آخر بعنوان “ترانيمُ الرُّوح” وقد صدر في عام 2024.كما صدر لي في العام الماضي ديوان “تنويعات على وتر النهايات”.
وهناك ديواني شعر بانتظار الطباعة وأيضاً مجموعة قصصية جاهزة وكتاب مشاركات نقدية .
وهذه كلها ما كانت لتتحقق لولا أن الأمور المادية مُتاحة، وكما تعلم فالكاتب يقوم بدفع نفقات الطباعة وغيرها ويكون البيع أو الربح معدوماً تقريباً، في ظل تراجع القراءة الورقية لحساب الكتاب الالكتروني .
5- غالبا ماتقوم بنشر قصائدك مع لوحة فنية تشي بماتقول، هل تقرأ تلك اللوحات شعرا ؟ أم راسموها يقرؤن قصائدك ؟
= حتى أكون دقيقاً في الاجابة فأنا انتقي غالباً اللوحات التي أراها تتماهى مع نص كتبته، والمعنى الذي قصدته ، وقد حدث أن طلبت من الصديق المبدع الفنان التشكيلي الفلسطيني الدكتور جمال بدوان أن يرسم لي لوحة تناسب نص قصيدة لي، وقد قدم لي لوحة جميلة رائعة رسمها خصيصا للقصيدة واسمها “نُوَاحُ الضَّفائرِ صَمتٌ:
بالأمسِ كُنتُ وردةً
اجتاحتْ ضفائري
نوائبُ الدَّهرِ
فأمستْ للعابرين
مَرمىً ومرتَعاً
بالأمسِ أغنيةً على الشِّفاهِ كُنتُ
في نسائمِ المُزْنِ أجولُ
داهمَت حُروفي
وخزاتُ الشَّوكِ
فأدمتْ ذاكرتي
فصارتْ في الدَّياجيرِ
لركامِ السَيلِ
هي  المَصَبُّ))
                         
كل أغلفة كتبي هي من ابداع ورسم الفنان التشكيلي يعقوب اسحق والذي أرفقت  مع نصوصي العديد من لوحاته و من لوحات الفنانين” محمد تمام و صباح داؤود والدكتور فؤاد روهم   .
6- تراك تجمع فنون الأدب ، أيّ منها أسبق ، وفي أيّ منها تجد نفسك أكثر ؟
=الأدب بشكل عام لم يكن لديّ منفصلاً زمنياً، فقد كتبت الشعر والمقالة والقصة القصيرة بشكل متزامن، وذلك بالفترة الأولى التي بدأ اهتمامي بالأدب، فكتب حينذاك عدة قصص مثل قصة” إرادة الحياة” وقصة “همسات النفس الجريحة” و”زيارة مفاجئة” وغيرها، وكذلك العديد من المقالات التي أما كانت تتناول الوضع الاجتماعي أو السياسي بشكل عام، أو حتى الأحداث الأدبية على سبيل المثال: مرثية إلى روح نزار قباني الذي تشرفت بلقائه في معرض الكتاب  قلت فيها :
“لملم أوراقه ففاح عبق الياسمين الدمشقي الذي كان يعشقه من بين طيات سطور القصائد التي نظمها.. واختار أن يكتب كلماته الأخيرة إلى الشام التي أرادها “متكئة على صدر جبل قاسيون حيث يسكن الصفصاف والمشمش والخوخ”.
إنها دمشق التي أحبها ونقل بياض یاسمینها وعبق تفاحها وازهارها إلى كلِّ زاوية من زوايا الأرض وحتى في لحظات حزنه وألمه كان يصرخ متوجعاً يناجيها يستغيث بها ويناديها:
“یا شام إن جراحي لا ضفاف لها فامسحي عن جبيني الحزن والتعبا”
كما كتبت الشعر وهنا أقدم أول قصائدي التي كتبتها حينذاك وهي قصيدة: ” نهاية الرواية”
هالةُ الصَّغيرةُ صارت كَهلةً
لم يبقَ لها أسنانٌ تمضغُ لُقمةً
أو حتَّى تَجترَّ ذِكرى
هالة الصَّغيرةُ صارت كهلةً
ما عادت غضَّةً يانعةً
كالخُضرةِ في أقاصي الوِديان
أغمضت عينيها تغفو.. تسهو لحظةً
هاجمها وحشُ الزَّمانِ.. خطفَ دُميتَها
قصَّ جديلتَها.. بكت بِحُرقَةٍ
ذرفت مليونَ دَمعةٍ
نما لها نهدانِ.. صارت
صارت عَورةً))
7 – د. ليلى صليبي تكرمت مشكورة بمشاركتي بسؤال :هل تأتيكم الكتابةُ على هيئةِ استجابةٍ لحالةٍ وجدانيةٍ بعينِها، كالحزنِ أو الفرحِ، أم أنها تتجاوزُ ثنائيةَ الشعورِ لتنبثقَ في لحظاتِ صفاءٍ خاصٍّ، حيث تتواطأُ الروحُ واللغةُ على ولادةِ النصِّ؟
الكتابة شكلٌ من أشكال التعبير عن الذات، حيث تقول كل ما يجيش بالنفس من أحاسيس ومشاعر، وكل ما يريد أن يبوح به الكاتب من أفكارٍ وخواطر دون الحاجة إلى جواز سفر أو سمة فيزا، إنه إبحار من غير حدودٍ إلى عالمٍ رحب من غير قيود وإملاءات، فهي تمنح الكاتب مجاديف الإبحار بِكل يسرٍ وحريةٍ
وهوغوصٌ لا متناهٍ في عوالم الأدب الواسعة .
يستنبط الكاتب نتاجاته من العالم المحيط به، ومن الذاكرة ومن مخزونات النفس عبر زوادة السنين ، ربّما يأتي الأمر على شكل ومضة أو بارقة، أو يكون عفو الخاطر، أو ربَما لعوامل خارجية تؤثر عميقاً في الذات وتدفع لاقتناص فكرة أو قصيدة أو مقالة، ويكون أحيانا تزاوجاً بين الحقيقة والخيال، ويستلزم لمسات إبداعية من الكاتب لجعله مرناً ومِطواعاً، يستطيع من خلاله البوح بالمكنونات والتحليق بأجنحة القلم نحو الفضاءات السّحيقة، وجعل الرّوح تسافر على سَجيتها إلى أبعد مدى كي يقول ما يشعر به ويعبر عن عوالم النفس الداخلية التي تعتمل في مخياله.
8- قرأت د.ليلى لك نصوصا عدة نقديّا، ما الذي استوقفك في أسلوبها ؟
كما قلت سابقاً لا تقدم الدكتورة ليلى صليبي مجرد نقد أدبي رائع فحسب بل أستطيع أن أشبه ما تكتبه من تحليل أدبي كما يعمل الجواهري المبدع من وضع الجوهرة المناسبة في الموضع المناسب وانتقاء ما هو ملائم لقطع الذهب الثمينة ، فالناقدة البارعة لا تترك أي شيء للصدفة ولا تترك جزءً يسيراً لا تشبعه دراسة وتحليلا ً حتى تصل إلى قراءة شاملة وعميقة ومستفيضة وجذابة تغري القارئ بقراءة كاملة للتحليل من أجل الإحاطة بجميع التفاصيل مهما صغرت بغية التعرف على المراد والمقصود منها، ولعل هذا هو المنهج الذي يفترض بجميع من يعمل في هذا الحقل البديع ان يتبعه ، استمتع دوما بقراءة ما تكتبه المبدعة د ليلى من قراءات وتحليل أدبي رصين وأخاذ، ويعجبني جداً هذا الاهتمام الكبير وإخلاصها في النقد وسعة معلوماتها ومعرفتها وإحاطتها الشاملة، والحكم بعين الناقد العارف المتمكن من أدواته وتقديم كل مفيد وقيّم وثري ولا يسعني سوى أن أقدم لها عبر هذا المنبر كل الشكر والتقدير وفائق الاحترام والتحايا الصديقة العزيزة والناقدة البارعة المبدعة.
9-لنعرّف هذه الكلمات باختصار شديد مفيد:
(الوطن ، المغترب ، القصيدة ، الصداقة)؟
الوطن: حياة الروح
المغترب:فرصة جديدة وغصّة فراق
القصيدة: متنفس وهواء واوكسجين للحياة
الصداقة جمال حيناً وحذراً أحياناً
في الختام لا يسعني سوى أن أقدم كل الشكر والتقدير إلى مجلة زهرة الليلك وإالى الأديب والإعلامي سعدالله بركات الذي تشرفت بأن أكون ضيفه في هذا اللقاء الذي أعتز به وبصدافته متمنياً له كل النجاح والتوفيق والشكر الموصول إلى مجلة زهرة الليلك  ورئيسة تحريرها المبدعة ليلاس زرزور ، وتقبلوا كل التحايا والاحترام.

**كاتب وإعلامي سوري – أمريكي

 

                                        && سيرة &&

* جورج عازار ، شاعر وقاص نشأ وترعرعَ في مدينةِ القامشلي في سوريا ودرسَ في مدارسِها حتّى الثَّانويّة.

= تابع دراساته الجامعية بدمشق ودرّس بعد التَّخرُّج في  مدارس دمشق قبل أن يعمل في اتّحاد الكتَّابِ العربِ،و يتفرغ للعمل الأدبي.

=اهتمَّ بحقل الكتابة والأدب منذ الصِّغر وقام بنشر العديدِ من المقالات الأدبيّة  والقصص القصيرة والقصائد الشّعريّة والخواطر الأدبيّة في بعض الصُّحف والمجلّات العربية الأسبوعية.

 =صدرت له مجموعتان قصصيتان الأولى بعنوان “من عبقِ الماضي” عام 2022، و”زمن الذئاب” عام 2023،

= له ديوانا قصائد نثرٍ  “عندما يموتُ الضوء”، عام 2023،و “ترانيمُ الرُّوح” صدر في عام 2024.كما صدر له ٢٠٢٥ ديوان “تنويعات على وتر النهايات”.

= لديه مخطو طات لديوان قصائد نثر قيد الإنجاز: بعنوان “مراثي العمر” وديوان بعنوان “خريف يعرش فوق أيامي” ومجموعة قصصية بعنوان: “الهبوط نحو الأعلى” وكتاب بعنوان ” مقالات وقراءات نقدية”.

= يعمل على كتابة روايته الأولى.

=ينشر الشعر والقصة والمقالة في الكثير من المواقع الالكترونية والورقية وفي العديد من المجلات والصحف العربية ويدير العديد من الأمسيات الأدبية والنقدية التي تناقش مختلف الأعمال الأدبية.