الجُذُور / الشاعر أبو النصر الرفاعي

Share

(( الجُذُور))

عاتبْ منَ النَّاسِ شَهْما يُدْرِكُ العَتَبا
يرى التَّصافي قُبَيْلَ الهَجْرِ قدْ وَجَبا

وَلا تُعاتبْ لَئِيماً لاحَيَاءَ بهِ
إنَّ اللَّئِيمَ إذا عاتَبْتَهُ غَضِبا

وَأَرْجِعِ الشَّيءَ دَوما شَطْرَ مَحْتِدِهِ
أَمَا تَرى الغُصْنَ لولا الجَذْرُ ما انْتَصَبا

فَلا يَدومُ بِناءٌ لا أساسَ لهُ
فَالأُسُّ رَهْنُ ثَباتِ الشَّيءِ ما صَلُبا

وَما السَّدادُ بِسيفٍ في مَضارِبهِ
إنَّ السَّدادَ بهِ كَفُّ الذي ضَرَبا

كَالطَّبعِ أصْلٌ وَأصْلُ المَرْءِ مَعْدِنُهُ
يَحيا كَما قد رَأى جَدَّاً لَهُ وَأبا

وَما التَّطَبُّعُ منْ أصلِ النُّفوس وَهلْ
رَأيْتَ ثَوباً لِأصلِ الجِسْمِ مُنتَسِبا ؟

ماغالَبَ الطَّبعُ في نَفسٍ تَطَبُّعَها
إلَّا وَكانَ بها الطَّبعُ الذي غَلَبا

ذو الأصْلِ مهما طغى يوما سَيُرْجِعُهُ
طِيْبُ الجُذورِ فَيَرمي كُلَّ ما اكْتَسَبا

فَعزَّةُ النَّفسِ بِابْنِ الأصلِ يُظْهِرُها
طَبْعُ بهِ يَسكُنُ الشريانَ والعَصَبا

وَقِلَّةُ الأصلِ تُبدي عَيبَ صاحِبها
لِكُلِّ شائِنَةٍ قد أتْبَعَتْ سَببا

فَمُنكِرُ الخيرِ والمَعروفِ ليسَ لهُ
عَهدٌ وَسرعانَ ما إنْ عاهدَ انقلبا

يُبْدي البَشاشَةَ وَالأحقادَ يُضْمِرُها
كَالفَخِّ يُوقِعِ فيهِ الطَّيرَ إنْ قَربا

لَهُ السُّفولُ مَسارٌ وَالخَنا نُزُلٌ
وَليسَ يَنْطقُ إلّا الزُّورَ والكَذبا

فَاحْذَرْ مُصاحَبَةَ ابْنِ السَّاقِطينَ فَمَنْ
يُصاحِبُ الصِّلَّ يَلْقَ السُّمَّ وَالعَطَبا

وَالمَرْءُ رَأْسٌ إذا ما عاشَ في شَرَفٍ
وَدونَ ذلكَ كانَ الإِسْتَ وَالذَّنَبا

كَمْ نامَ شَبْعانَ مَنْ لامالَ يَمْلِكُهُ
وَكَمْ قَضَى جائِعاً مَنْ يَملِكُ الذَّهَبا

فَالجوعُ في النَّفسِ لا في البَطْنِ مَنْزِلُهُ
كَالْبومِ يَنْزِلُ في البُنْيانِ ما خَرِبا

وَظَامِئُ النَّفسِ لا يَرْوي تَعَطُّشَهُ
ماكانَ في الأرضِ منْ ماءٍ ولو شَرِبا

وَالخَيرُ يُطلَبُ من أهليهِ في ثِقَةٍ
أنَّ الحَياءَ بهمْ لا يَأنَفُ الطَّلَبا

فَالجُودُ إِرْثٌ منَ الأجْدادِ مَنْبَعُهُ
فَمَنْ تَطَفَّلَ في جُوْدٍ لَهُ صَعُبا

مَنْ كانَ أسْلافُهُ لَمْ يَركَبوا فَرَساً
لا يَسْتَكِينُ لَهُ جَحْشٌ إذا رَكِبَا

أبو النصر الرفاعي