د. ليلى صليبي: النقد النزيه لايجرح ولا يجامل
د.ليلى صليبي : النقد قراءة الإبداعَ بعينِ المحبةِ والمعرفةِ .
*حاورها سعد الله بركات
حين صدفتني قراءتها النقدية لنص شعري منثور ،لفتني أسلوبها العلمي وغوصها في أعماق النص فترتقي بذائقةالقيمية لدى القراء قبل تحفيزها الأدباء ، والمتابع لنتاج د. ليلى صليبي يلمس رهافة حسها النقدي ، وهي التي ترى :(( النقدَ في جوهرِه محاولةٌ صادقةٌ للإصغاءِ إلى النصِّ، والاقترابِ من نبضِه الخفي، واستجلاءِ ما يختبئُ بين سطورِه من جمالياتٍ ودلالاتٍ، وقراءة الإبداعَ بعينِ المحبةِ والمعرفةِ معًا.))
ولعل هذا ماجعل الأديب جورج عازار يراها:(( ناقدة بارعة لا تترك أي شيء للصدفة ولا تترك جزءً لا تشبعه دراسة وتحليلا ً حتى تصل إلى قراءة عميقة وجذابة للقارئ )) وها نحن نقارب رؤاها عبر هذا الحوار.
1- ِكيف تقدمين نفسَكِ للقراءِ؟
= أنا إنسانةً آمنتْ بأنَّ الكلمةَ ليستْ ترفًا، بل رسالةً ومسؤوليةً. أنا ابنةُ اللغةِ التي وجدتُ في الأدبِ وطنًا رحبًا، وفي النقدِ سبيلًا إلى كشفِ الجمالِ وتعريةِ الخللِ. أكتبُ لأنّني أؤمنُ أنَّ الحرفَ الصادقَ يستطيعُ أنْ يضيءَ عتمةً في النفسِ أو في الواقعِ.
2- ما الذي جذبكِ لعالمِ الأدبِ؟
شدَّني الأدب ذلكَ السحرُ الخفيُّ الذي يجعلُ الكلماتِ أكثرَ من أصواتٍ ومعانٍ؛ يجعلُها حياةً أخرى موازيةً. منذُ البداياتِ شعرْتُ أنَّ الأدبَ يمنحُ الإنسانَ قدرةً نادرةً على فهمِ ذاتِه والآخرين، وعلى إعادةِ صياغةِ الألمِ والأملِ في لغةٍ تبقى.
3- متى وكيف ولجتِ بحرَ النقد مع أنك تجيدين القص؟ِ
ولجتُه مبكرًا عبرَ القراءةِ أولًا، فالقراءةُ كانت ْبوابتي الكبرى. بدأتُ مع النصوصِ المدرسيَّةِ ، ثمَّ اتسعتِ الدائرةُ إلى الشعرِ والروايةِ والمقالة.ِ وبعدَ زمنٍ من التلقي، جاءَ زمنُ الكتابة،ِ فوجدتُني أخوضُ هذا البحرَ بقاربِ الشغفِ، ثمَّ أتعلّمُ السباحةَ فيه بالممارسةِ والصبرِ .
ما أخذَني إلى النقدِ، رغمَ انشغالي بالقصةِ، هو أنّ الإبداعَ يكتبُ النصَّّ أمّا النقدُ فيكشفُ أسرارَه. كنتُ أبحثُ دائمًا عمّا وراءَ الكلماتِ: كيف تُبنى الدلالةُ؟ ولماذا يؤثّرُ نصٌّ دونَ آخرَ؟
لم أرَ بين القصةِ والنقدِ تعارضًا، بل تكاملًا؛ فالقصةُ منحتني حساسيةُ اللغةِ، والنقدُ منحني عمقُ الرؤيةِ وأدواتِ التحليلِ. لذلك كانَ النقدُ عندي وجهًا آخرَ من وجوهٍ محبّةٍ للأدبِ.
4- في قصتكِ “لعبةُ القدرِ” نلمسُ لغةً شعريةً… أليسَ ثمةَ حذرٌ من أنْ يكونَ ذلك على حسابِ الحكايةِ؟
سؤالٌ وجيهٌ. اللغةُ الشعريةُ في السردِ سلاحٌ ذو حدّين؛ قد ترتقي بالنصِّ إذا جاءتْ عضويةً وخادمةً للحكايةِ، وقد تثقلُه إذا تحوّلتْ إلى زينةٍ مستقلةٍ. في “لعبة القدر” حاولتُ أن تكونََ الموسيقى الدّاخليةَ جزءًا من التجربةِ الشعوريةِ للشخصيات،ِ لا ستارًا يحجبُ الحدث.َ الحكايةُ هي العمودُ الفقريُّ، واللغةُ الجميلةُ ينبغي أن تكونَ نبضَها لا عبئَها
5- ثمةَ من يقولُ إنَّ النقدَ قد يكونُ سيفًا أو زهرةً، أم ترين حلًا وسطًا؟
أراه ميزانًا أكثرَ منه سيفًا أو زهرةً. النقدُ الحقيقيُّ لا يجرحُ لمجردِ الجرحِ، ولا يُجاملُ لمجرّدَ اللطفِ، بل ينصفُ النصَّ ، قد يكون حازمًا حين يقتضي الأمرُ ،
ُورقيقًا حين يكونُ التّشجيعُ أجدى، لكنّه في الحالتين ينبغي أن يظلَّ نزيهًا ومسؤولًا.
6- ما الذي يشدُكِ في أيُّ نصٍّ لتحليلهِ بجهدٍ لافت؟ٍ
يشدُّني الصدقُ أولًا، ثمَّ فرادةُ الرؤيةِ، ثمَّ البنيةُ الفنيةُ المتماسكة.ُ ألتفتُ إلى النصِّ الذي أشعرُ أنّه يقولُ شيئًا حقيقيًّا بلغةٍ تستحقُّ التأملَ، ويتركُ في النفسِ سؤالًا أو أثرًا بعدَ القراءةِ.
7- حين تتلمسين سلبياتٍ في نصٍّ ما،كيفَ توجّهينَ النصحَ للكاتبِ والقارئ؟ِ
أبدأُ دائمًا بما في النصِّ من نقاطِ قوّةٍ، ثمَّ أشيرُ إلى مواضعِ الضعفِ بلغةٍ موضوعيةٍ هادئة،ٍ مع اقتراحِ سبلِ التطوير.ِ الكاتبُ يحتاجُ إلى منْ يضيءُ له الطريقَ لا من يطفئُ حماسَه، والقارئُ يحتاجُ إلى قراءةٍ تفتحُ أفقَ الفهمِ لا إلى أحكامٍ متعجّلةٍ.
8- قرأتِ أكثرَ من نصٍّ للشاعرِ جورج عازار، ما الذي. يستوقفُكِ في إبداعِه؟
يستوقفُني فيه حسُّه الإنسانيُّ الواضحُ وحرصُه على أنْ تكونَ القصيدةُ ابنَةَ تجربةٍ لاَ مجرّدَ صناعةٍ لفظية.ٍكما يلفتُني ميلُه إلى التقاطِ التفاصيلِ اليوميةِ ومنحِها بعدًا شعريًّا يلامسُ القارئَ .
9-تكرّمَ الأديبُ” جورج عازار ” بمشاركتي بسؤالٍ : هل للنقدِ العربي منهجٌ معيّنٌ؟ وما معاييرُ الأسلوبِ الذي تتبعينَه في تحليلِكِ النقدي للأعمالِ الأدبيّةِ؟
أشكرالشاعر المبدع جورج عازار “هذا السؤالَ العميقَ؛ لأنّه يلامسُ جوهرَ الممارسةِ النّقديّةِ وحدودِها ومصادرِها.
أرى أنّ النقدَ العربيَّ لم يكنْ يومًا خاليًا من المنهجِ، فمنذُ بداياتِه تشكّلتْ له أسسُه في البلاغةِ، والبيانِ، والعَروضِ، وفقهِ اللغةِ، وأحكامِ الذوقِ الفنيِّ ، كما نجدُ عندَ كبارِ النقادِ القدامى الذين قرؤوا النصوصَ قراءةً دقيقةً تجمعُ بين اللغةِ والمعنى والأثرِ. لذلك فالنقدُ العربيُّ يمتلكُ جذورًا أصيلةً ومنابعً راسخةً لا يجوزُ إغفالُها.
وانا أؤمنُ بأنّ النقدَ العربيَّ الأجدرَ اليومَ هو النقدُ الذي يحاورُ المناهجَ الحديثةَ دونَ أن يتنكّرَ لتراثِه، ويأخذُ من الغربِ أدواتِ القراءةِ لا أوامرَها الجاهزةَ.
أمّا عن الأسلوبِ الذي أتّبعُه في تحليلي النقدي، فأميلُ إلى المنهجِ التكاملي المرنِ، إذ أبدأُ بقراءةِ النصِّ من داخلِه: لغتُه، وصورُه، وإيقاعُه، وبنيتُه الفنيةُ، ثمَّ أنظرُ إلى دلالاتِه الفكريةِ والإنسانيةِ، وعلاقتِه بسياقِه النفسيِّ والاجتماعيِّ، من غيرِ أن أخضعَه لقالبٍ جامدٍ.
10- لو أتيحَ لكِ أن تمحي من ذاكرتِكِ نصًا كتبتِه… فأيُّ نصٍّ تختارين؟ ولماذا؟
ربما نصٌّ كتبتُه في لحظةِ انكشافٍ وجدانيٍّ كبيرٍ، لأنَّ بعضَ النصوصِ لا تفضحُ ضعفَنا بل تكشفُ مناطقَ حميمةً من أرواحِنا. ومع ذلكَ، لا أميلُ إلى محوِ شيء؛ٍفحتّى النصوصُ المؤلمةُ محطاتٌ في رحلةِ التكوينِ.
11- إذا سبقكِ أحدٌ إلى فكرةٍ كنتِ تعدينها مشروعَ عمرِكِ…
سأشعرُ بشيءٍ من الأسى الإنسانيِّ الطبيعيِّ، لكنّني سأفرحُ أيضًا لأنَّ الفكرةَ الجميلةَ رأتِ النور.َ الأفكارُ الكبرى لا يملكُها شخصٌ واحدٌ، ولكلِّ قلمٍ طريقتُه في تجسيدِها وربّما يظلُّ في داخلي ما أضيفُه إليها من زاويتي الخاصةِ
12- دعينا نعرّفُ هذه الكلماتِ باختصارٍ مفهوميٍّ:
* التدريسُ: رسالةٌ قبل أنْ يكونَ مهنةً، وصناعةٌ للعقولِ والضمائرِ
* الأرزُ: رمزُ الجذورِ والشموخِ اللبناني، وما يبقى أخضرُ رغمَ العواصفِ
* تعليقاتُ الفيسبوك على النصوصِ الأدبية:ِ مرآةٌ متباينةٌ؛ فيها الصادقُ والعابرُ، وفيها التشجيعُ السريعُ كما فيها القراءةُ الجادةُ النادرةُ
* حلم لم يتحقق؟ الحلمُ بذرةٌ، ولا يتحقق إلاّ إذا سقيناه عملًا وإيمانًا وصبرًا.
*قاص وناقد سوري أمريكي





