قراءة في قصيدة السور للمبدعة ليلاس زرزور *بقلم عزة مبارك

Share

قصيدة ليلاس زرزور،، السور،، تجسيد المعاناة الإنسانية

بقلم عزيزة المبارك

مدخل عام:

لا يخفى عن القارئ أهمية الأجناس الأدبية في محاكاة الواقع ورسمه وتوصيفه والمشاركة في صنعه، والشعر يعد من أهم المذاهب الأدبية في التعبير عن الحالة، لهذا اتجه أغلب الأدباء لهذا الفن لوصف لواعج قلوبهم وتوظيف حالة المجتمع الذي أثر على كافة جوارحهم كما سنرى في النص الذي نتناوله للشاعرة ليلاس زرزر. الجدير بالذكر أن الأديبة زرزور سورية مقيمة في أمستردام، شاعرة وكاتبة وعضوا في اتحاد الكتاب العرب، لها عشرة دواوين، والعديد من القصائد في الدواوين المشتركة، وهي الآن رئيس تحرير (مجلة زهرة الليلك)، الصادرة عن (موقع لايلك برس) ورئيسة المنظمة العالمية للآداب والفنون. أتمنى أن أوفق في قراءتي لمثل هذه القامة الأدبية.

معنى عام:

من قراءتنا الأولى للنص نلاحظ الزخم الوجداني الواضح في تجسيد المعاناة الإنسانية، والقيود المفروضة التي تحاصر الوجدان مثل سور يحيط بمكان ما، بحيث تهدف

القصيدة إلى نقل صورة حية للألم والأسى كما تظهر ملامح إحياء القيم الإنسانية والدينية كما سلطت الضوء على الأبرياء وضحايا الأزمات، وعلى الرغم من ذلك تبقى فسحة الأمل بقعة ضوء تنير العتمة وتتجاوز سور المعاناة، الذي رمزت له الشاعرة كعنوان للنص.

الدلالات اللغوية والرمزية:

تجسيد المعاناة الإنسانية:

بداية هدفت الشاعرة إلى نقل صورة حية عن الألم والأسى وتصوير حالة الضياع في قولها:

(خلف سور من الأسى والعناء نور شمس يلوح في الظلماء).

نرى في البيت السابق أن الشاعرة تشرح وجود سور عظيم من الحزن والتعب الشديد الذي يحيط بالإنسان إلا أن هناك دائماً بصيص من الأمل يظهر بوضوح ويبدد العتمة كنوع من تصوير حالة من التفاؤل وسط المعاناة.

إحياء القيم الإنسانية والدينية:

تذكِّر الشاعرة بالرسائل السماوية التي أوحت بالمحبة والأنبياء الذين أوصوا بالسلام في رمزية منها لتذكير المجتمع بأسس التعايش التي يقوم البعض بتجاهل أهميتها كقولها:

(والرسالات بالمحبة أوحت فتركنا وصية الأنبياء

وأكلنا لحم بعضنا وغفلنا عن زهور تضرجت بالدماء).

نرى فيما سبق تأكيد الشاعرة على أن جوهر الرسالات السماوية هي المحبة والسلام والوئام لكن البشر بدلاً من التمسك بهذا الجوهر أهملوه، مما أدى إلى العنف والدم، وهذه دلالة على غفلة المجتمع عن قيم الرحمة والدين.

التمسك بالأمل رغم الجراح:

لا تنس الشاعرة في خضم كل ما يختلج في وجدانها من مشاعر الحزن التي تطغى على المشهد، أن تتضمن في طيات قصيدتها امل بانبلاج (نور وإشراق) شمس تشق عبائه الظلمات وتنير الأرجاء كرمزية على الأمل الذي لا ينتهي والرجاء الذي لا ينضب في توصيفها للحالة الوجدانية كقولها:

(لو تؤول الزهور لليبس يوماً تأخذ الروح من دموع الشتاء

خلف بحر القنوط يسكن حلم وشموس وشاطئ من رجاء).

نرى في الأبيات إشارة الشاعرة أنه رغم ذبول الأزهار وجفافها فإنها لا تموت بل تستمد حياتها من قطرات المطر التي ترمز هنا للفرح والرحمة التي تعيد لها الانتعاش بعد الجفاف كما أن هناك دائماً فرجاً ينتظرنا بعد الضيق

نلاحظ تأكيد الشاعرة على قيم السلام وأنه أعظم ربح في الوجود وأن الوفاء أسمى خصلة إنسانية كما تشير الى أن الأرض هو الأم الجامعة كقولها أمنا تحتوينا وفي ترابها يتساوى الجميع الملوك والفقراء مما يستدعي التواضع والتعايش

الشاعرة تحثنا على العمل والنضال لكسر الحواجز كقولها نهدم الجدار، والمضي نحو فجر نقي لنشر الحب قبل نهاية الدنيا والفناء فالجدار هنا رمز إلى الحواجز النفسية والفكرية والسياسية التي تفصل بين البشر وتؤدي إلى الإقصاء

كما دلت إلى الفجر كولادة عصر جديد من السلام والشفافية والبدء من جديد بصفحة بيضاء كبياض نور الفجر

العمق الوجداني الذي رمزت به الشاعرة هنا الأرض والأم دليل على الاحتواء والعطاء اللامتناهي والعدالة المطلقة والموت الذي لايفرق بين أحد من الخلق

الشاعرة حملت عمقاً وجدانياً وبعداً إنسانياً لمعنى حروف الهجاء فقد رمزت بها

للعداء والنزاعات اللفظية والخطابات المقيتة التي تفرق المجتمع وتعمق الكراهية

الدلالات اللغوية والبديعية للنص:

نلاحظ اعتماد الشاعرة في النص على لغة قوية موحية متكئة على ثنائية التضاد، أو المفارقة اللفظية، بحيث استخدمت مصطلحات متضادة لتعميق الفجوة بين الواقع المأساوي الذي يحيط بنا كسور خانق وبين الأمل المفقود من جهة أخرى، مثل (الظلماء× النور)، (الأسى، البكاء، الدماء القنوط، الذبول، المطر). وذلك في تصور منها للحالة النفسية والواقع المعاش للمجتمع.

كما يلفتنا في النص ملاحظة الصور الفنية العميقة الناجمة عن عمق وجدانية الشاعرة في تجسيد الجماد وأنسنته بحيث استخدمت أسلوب الاستعارات وتشخيص الطيور ككائن بشري يحمل رسائل الأمل كقولها: (طيور إلى السلام تنادي).

كما اعتمدت على الصور البيانية في تجسيد اليأس كـأنه يمٌّ عميق يُغرِقُ الأحلام والآمال في قولها: (بحر القنوط).

فالشاعرة اعتمدت على الرمزية بكل معانيها العميقة المؤثرة والموحية بحيث لم يكن السور في النص مجرد (حجر)، بل هو دليل رمزي على كل الحواجز النفسية والسياسية والاجتماعية التي تعتقل المرء داخل وهمه وتحتجزه عن تحقيق حلمه وأمانه، وهذه الدليل ظهر جلياً في عنوان النص: (السور). الذي كان اختزال لكل المعاني الشاملة في النص.

كما تابعت الشاعرة نفس المنهج الإبداعي في استخدام الأجناس الأدبية لدعم الإيقاع النفسي من خلال استخدام السجع المريح للسمع والبصر رغم تنوع القوافي الداخلية مما

خلق إيقاعاً موسيقياً يتناسب مع قوة محتوى النص الوجدانية مثال قولها: (الأسى والعناء).

ايضاً استخدمت الاستعارة المكنية في قولها هذه الأرض تحتوينا حيث صورت الأرض بالأم الرؤوم مما اضفى صبغة عاطفية قوية على العلاقة والارتباط بالمكان الذي هو الوطن

قولها نهدم الجدار استعارة مكنية وتصوير معنوي لهدم الحقد والكراهية بغعل مادي محسوس الا وهو الهدم

لم تسلو الشاعرة استخدام أسلوب المقابلة والطباق والجمع بين المفردات لتعميق معنى الأبيات كقولها الملوك و البؤساء فقد جمعت بينهم لبيان حتمية الفناء وتساوي البشر في النهاية مما يدعم فكرة المساواة والتآخي التي دعت إليها الشاعرة في النص

اعتمدت الايقاع الموسيقي الناعم بما يتناسب مع أجواء التأمل والسلام وربطت ببن جمال الكون وبين القيم الإنسانية كالجمال والبهجة والسلام

خاتمة:

أخيرا يمكنني القول إنه بعد الخوض في سبر أغوار كل هذا الإبداع الشعري أرسو إلى شاطئ من استقراء مضمون القصيدة على أنها نقد إنساني واجتماعي وسياسي للواقع بحروبه العبثية وما تجره على المجتمع من ويلات نفسية واجتماعية، هو أيضا استنكار لغياب المحبة والتآخي رغم كل الوصايا الدينية. وذلك يصل بي إلى استشفاف الحالة الوجدانية الروحانية للنص من خلال التمسك بالأمل الذي يخلق انبعاث فجر جديد في أرواحنا المتعبة من قتامة الوضع والصورة لكن يظل هناك بحث عن شاطئ من رجاء مما يوحي لنا أن النص يعدّ استصراخ للذات الإنسانية باستعادة دورها في التعايش والسلام،

ونبذ كل الأحقاد والحروب، وسيادة الإنسانية في نهاية الأمر ودعوة للتأمل في جماليات الكون واستشعار الأمان والسلام والدعوة إلى المحبة والتآخي.

النص عبارة عن زخم وجداني إنساني يحاكي كل المشاعر ولواعج النفس ويقع على الجوارح موقع البرد والسكينة، وقد كان توصيفاً وتوفيقاً من الشاعرة مما جعله نصاً متكاملاً بكل جوانبه.

وهاكم  القصيدة

،،السُور،،

خَلْفَ سُورٍ منَ الأسى وَالعَناءِ
نُورُ شَمسٍ يَلُوحُ في الظَلماءِ

وَطُيورٌ إلى السَلامِ تُنادي
وَفَراشٌ مُلَوَّنٌ في الفَضاءِ

بينَما نَحْنُ داخلَ السُورِ غَرْقى
بالمَواريثِ والرُؤى الرَعناءِ

أخَذَتْنا شُرُورُنا نَحْوَ قَبْوٍ
فاقتَتَلْنا على بِساطِ الغَباءِ

وَتَرى حالَنا النُجومُ فتأسى
لقُبورٍ تَضُجُّ بالأحياءِ

نَتَعادى وكلُّ حُلْمٍ جًميلٍ
يتَذرّى كَزهرةِ الهندباءِ

وَنُقيمُ الحُرُوبَ من غَيرِ رُشْدٍ
وَنسُوقُ المَنُونَ للأبرياءِ

إنّ ماءَ الأنهارِ يَرْوي العَطاشى
في جَميعِ الأنحاء وَالأرجاءِ

وَغِلالُ الأرضِ التي تَحتوينا
تُشْبعُ الكُلَّ دُونَ ايِّ عَداءِ

فَلماذا البَغْضاءُ تَعْبثُ فينا
أخْبريني ياغابةَ الكسْتِناءِ

وَالرسالاتُ بالمَحَبــّةِ أوصَتْ
فَتَرَكنا وَصيّةَ الأنبياءِ

وأكَلْنا لَحْمَ بعْضنا وَغَفِلنا
عن زُهورٍ تضَرَّجَتْ بالدِماءِ

كلّ يَومٍ تُدمي القُلوبَ ضَحايا
نجْتليها بنشْرةِ الأنباءِ

وَدُمُوعُ البُكاءِ تَهْمي لطفلٍ
دونَ أمٍّ يَنامُ فوق العَراءِ

وَيَقيناً بقَبرِها الأمُّ تَبكي
حين يَبكي يَتيمُها في الخَفاءِ

أيُّ حُزنٍ بدرْبهِ قد مَضَينا
وَوَصَلنا إلى بُكاءِ البُكاءِ

هَجرَ الطَيرُ عشّـهُ إذْ عَبثنا
بِثيابِ الطَبيعَةِ الحَسناءِ

لو تَؤولُ الزُهُورُ لليَبْسِ يَوماً
تأخُذُ الرُوحَ مِن دُمُوعِ الشتاءِ

خَلْفَ بَحْرِ القُنوطِ يَسْكُنُ حُلْمٌ
وَشُموسٌ وَشاطئٌ مِن رَجاءِ

وَانبعاثٌ وَوَشْوَشاتُ غَديرٍ
تَبْعَثُ العِطرَ في نَسيمِ الهَواءِ

وَفتاةٌ على انتظارِ فَتاها
تَرقُبُ الوَقتَ لَهْفَةً للّقاءِ

وغَزالٌ على التلالِ تَهادى
بأمانٍ على شِفاهِ المَساءِ

وكأنَّ الجبالَ وَالثَلْجُ فيها
كُلِّلَتْ بالنوارسِ البَيضاءِ

وَهَبَ اللهُ كلَّ شيءٍ إلينا
منْ جَمالٍ وَبَهْجَةٍ وَبَهاءِ

يَنْحَني النَخْلُ لابتسامَةِ طِفْلٍ
كَملاكٍ مُزَيَّنٍ بالصَفاءِ

رَبّما النَخْلُ عالِمٌ أنَّ هذا
سَوفَ يَغدو مِنْ صَفوَةِ الشُعَراءِ

وسَيَدْعو إلى السَلامِ برُوحٍ
تُرهِقُ السِحْرَ في حُرُوفِ الهجاءِ

ليسَ مِثل السَلامِ في الكَونِِ رِبْحٌ
وَعلى الناسِ خِصْلَةٌ كالوَفاءِ

هذهِ الأرضُ أُمُّنا تَحتَوينا
بِحَنانِ الأُمُومَةِ السَمْحاءِ

نحنُ مِنها وَتَحْتَنا في ثَراها
يَتَساوى الملوكُ بالبُؤساءِ

فلْنَعِشْ بينَ بعضنا بالتآخي
وَبَعيداً عن فِكْرَةِ الإقصاءِ

ليتَنا نَهْدِمُ الجِدارَ وَنَمْضي
نَحْوَ فَجْرٍ مُضَمَّخٍ بالنَقاءِ

نَنشُرُ الحُبَّ وَالسَلامَ عليها
فَهْيَ دُنيا تَؤولُ نَحْوَ الفَناءِ

ليلاس زرزور