
أحمد حسن الزيات / فرعونية و عرب / الأديب د. زياد العوف
أديب العربية البليغ أحمد حسن الزّيّات*
فرعونيّون وعرب !
لمْ يكنْ أحمد حسن الزّيّات(١٨٨٥-١٩٦٨م) محضَ أديب كبير ذاعَ صِيتُه، وبزغَ نجمُهُ وسط ثُلَّةٍ مرموقةٍ مِن أعلام الأدب والفكر والثقافة في عصره، بل هو، إلى جانب ذلك، صاحبُ مدرسة أدبية خاصة جمعت بين الأصالة والمعاصرة؛ إذ أخذتْ من الأدب القديم جزالة اللفظ، ومتانة التركيب، وإيجاز العبارة،ونصاعة الديباجة، وإشراق البيان، وتوّجتْ ذلكَ كلّهُ بما اختارتْهُ من مزايا الأدب الجديد المتمثّلة بوضوح الدلالة، و عمق الإشارة،وسموّ الفكرة، وسلاسة الأسلوب.
نشأ كاتبنا الكبير في كنف أسرة ريفيّة متوسطة الحال، كريمة الخِلال، في محافظة( الدقهليّة) ثُمّ مالبث أن ارتاد ( الأزهر) لطلب العلم،على عادة أبناء الريف آنذاك، ولمْ يكن لهُ من العمر إلّا ثلاثةَ عَشَرَ عاماً، فمكث فيه عشرَ سنوات بتمامها، عكف خلالها على ما يقدّمه الأزهر من علوم شرعية ولغوية وأدبية وغيرها من المعارف الأساسية، غير أنّهُ آنَس في نفسه ميلاً واضحاً إلى دروس اللغة والأدب، ما وثّقَ علاقتهُ بزميليه طه حسين ومحمود حسن الزناتيّ اللذين كانا يشاركانه الميول ذاتها.
التحق الزيّات بعد ذلك بالجامعة المصرية الأهلية حيث واظب على الدراسة فيها بين عامَي(١٩٠٨ و١٩١٢م) نال بعدها شهادة( الليسانس) في الآداب، عمل بعدها مدرّساً في مدارس( الفرير) الفرنسية، الأمر الذي دفعه لتوثيق صِلتِهِ باللغة الفرنسية وإتقانها، ومن ثَمَّ الاطّلاع على آدابها. تمَّ اختياره رئيساً لقسم اللغة العربية في الجامعة الأمريكية في القاهرة عام(١٩٢٢م) فشغل هذا المنصب بجدارة واقتدار لبضعة أعوام، التحق خلالها بالتعليم المسائي بمدرسة الحقوق حيث واظب على الدراسة فيها لمدّة ثلاث سنوات، أُوفِد بعدها إلى باريس لاستكمال الدراسة والحصول على شهادة( الليسانس في الحقوق) فكان له ذلك عام(١٩٢٥م).
عمل الزيّات أستاذاً في المعهد العالي للمعلمين في بغداد بدعوةٍ من القائمين عليه في الفترة بين عامَي(١٩٢٩و١٩٣٣م) فكان له من ذلك الفرصة المواتية للالتقاء بكبار الأدباء والشعراء في أرض الرافدين، ناهيك عن عمق التأثير الذي خلّفه هناك، سواء لدى تلاميذه، أو في الميدان الثقافي بعامة، ليعتزل التدريس بعدها متفرّغاً للبحث والكتابة والتأليف.
يُعَدُّ الشروع بإصدار مجلّة( الرسالة) عام(١٩٣٣م) حدَثاً مفصليّاً،ليس في حياة الزيّات الأدبية فحسب، بل في مسيرة الأدب العربيّ الحديث؛حيث فتحت المجلّة صفحاتها أمام كبار الأدباء والكتّاب آنذاك، فضلاً عن تشجيعها للمواهب الشّابّة التي توسّم فيها أديبنا الكبير مخايل النبوغ والموهبة الأدبية الصادقة.
هذا، وقد تواصل صدور ” الرسالة” أسبوعيّاً على مدى عشرين عاماً توقّفت بعدها، عام(١٩٥٣م) لأسباب خارجة عن إرادة صاحبها بعد قيام ثورة(١٩٥٢م).
تمتّع أديبنا البليغ باحترام وتقدير القرّاء والأدباء والمثقّفين والقائمين على الشأن الثقافيّ في مصر والعالم العربيّ، حيث تمّ انتخابهُ عضواً في المجامع اللغويّة في كلّ من القاهرة ودمشق وبغداد،كما تمَّ منحهُ جائزة الدولة التقديريّة في الآداب في مصر عام(١٩٦٢م) تقديراً لدوره الريادي المؤثّر في مجال الإبداع الأدبيّ والثقافيّ.
تركَ أديبنا الفذُّ إرثاً أدبيّاً قيِّماً تمثّل في مجموعة من الكتب والإصدارات المهمّة، وهي:
-تاريخ الأدب العربيّ
– دفاعٌ عن البلاغة
-في أصول الأدب
– وحي الرسالة
– أعداد مجلّة الرسالة الصادرة بين عامَي(١٩٣٣-١٩٥٣م)
– ” روفائيل” للشاعر والكاتب الفرنسيّ الكبير( لامارتين)، ترجمة.
-“آلام فرتر” للشاعر والكاتب الألمانيّ الكبير(غوتِه)،ترجمة.
على أنَّي أرى أنَّ شخصيّة الكاتب الأدبية والفكريّة والثقافية إنّما تتجلّى بأوضح صورها، وأدقَّ ملامحها في كتابه النفيس ( وحي الرسالة)** الذي اشتمل على مقالاته الأسبوعية التي كان ينشرها في (مجلّة الرسالة).
هذا، وقد تنوّعت الموضوعات التي تطرّقت إليها هذه المقالات مابين الوصفيّة والاجتماعيّة والقوميّة والوجدانيّة، فضلاً عن المقالات التي ترجم فيها لعدد من أعلام العصر من الأدباء والشعراء والمفكّرين والزعماء.
هذا، وقد وقع اختياري على مقالة قوميّة مهمّة ونادرة تحمل عنوان:” فرعونيّون وعرب” وذلك لما تنطوي عليه من دلالات موحية تتّصل بالمناخ الفكريّ السائد آنئذٍ؛ حيث لم يكنْ الفكر القوميّ العربيّ قد تبلور بعدُ، وكانت الدعوة إلى الفرعونيّة تجد صداها في عدد من الأوساط الثقافيّة والسياسية المصريّة في حينه.
كما يتجلّى هنا الوعي المبكّر لكاتبنا الكبير حيال هذا الموضوع، ناهيك عن الخصائص الأدبيّة والأسلوبيّة التي ينطوي عليها المقال.
جاء فيه:
” حلا لبعضهم ذات يومٍ أنْ يكونَ بيزنطيّاً يجادل في الدجاجة والبيضة أيّتهما أصلُ الأخرى؟ فقال على هذا القياس:أفرعونيّون نحنُ أم عرب؟ أنُقيم ثقافتنا على الفرعونيّة أم نُقيمها على العربيّة؟
نَعَم قالوا ذلك القول وجادلوا فيه جِدال من أُعطِي أزمّة النفوس وأعِنَّة الأهواء يقول لها: كوني فرعونيّةً فتكون، أو كوني عربيّة فتكون!” (ص.١٣٦)
ثُمّ يتوجّه الكاتب بالخِطاب إلى هؤلاء، وإلى بعض العرب الذين ظنّوا بأشقّائهم في مصرَ الظّنون،فيقول:
” مهلاً بني قومنا لا تعتدُّوا بشهوة الجَدَلِ على الحقّ! ورويداً بني عمِّنا لا تُسيئوا بقسوة الظّنِّ إلى القرابة!”
(ص.١٣٦)
ثُمّ يشرع الزيّات في تفنيد ادّعاءات دعاة الفرعونيّة، فيقول:
“فبأيّ شيء من هذا يتمارى إخواننا الجدليّون وهم لو كشفوا في أنفسهم عن مصادر الفكر ومنابع الشعور ومواقع الإلهام لرأوا الروح العربية تُشرق في قلوبهم ديناً، وتسري في دمائهم أدباً، وتجري على ألسنتهم لغةً، وتفيض في عواطفهم كرامةً..!”
(ص.١٣٦)
تتجلّى الروح العربية في رأي كاتبنا الكبير، إذاً، في الدين والأدب واللغة وفي مشاعر الكرامة والإباء.
ويتابع الكاتب دحض مزاعم هؤلاء، فيقول:
” لا نريد أن نحاجِجَهم بما قرّره العلماء المحدَثون من أنّ المصريّة الجاهليّة تنزع بعِرق إلى العربية الجاهليّة، فإنّ هذا الحِجاج ينقطع فيه النَّفَسُ ولا ينقطع به الجَدَل… وكفى بالواقع دليلاً وحجّة. هذه مصرُ الحاضرة تقوم على ثلاثةَ عَشَرَ قرناً وثُلثاً من التاريخ العربيّ نسختْ ما قبلها كما تنسخُ الشمسُ الضّاحيةُ سوابغَ الظلال…وذلك ماضي مصر الحيّ الذي يصيح في الدّم، ويثور في الأعصاب، ويدفع بالحاضر إلى مستقبل ثابت الأُسّ، شامخ الذرى، عزيز الدّعائم.
أزهقوا إن استطعتم هذه الروح وامحوا ولو بالفرَض هذا الماضي، ثمَّ انظروا ما يبقى في يد الزمان من مصر. هل يبقى غير أشلاء من بقايا السوط، وأنضاءُ من ضحايا الجَور، وأشباح طائفة ترتّل ” كتاب الأموات”، وجباه ضارعة تسجد للصخور وتعنو للعجماوات”(ص.١٣٧)
بعد هذه الحجج الدامغة التي يسوقها الكاتب باللفظ القويّ، والبيان الجليّ، والأسلوب الطّليّ يخلص إلى نتيجة منطقيّة مؤدّاها:
“لا تستطيع مصرُ إلّا أن تكون فصلاً في كتاب المجد العربيّ، لأنّها لا تجدُ مدداً لحيويتها، ولا سنداً لقوّتها، ولا أساساً لثقافتها، إلّا في رسالة العرب.” ( ص.١٣٧)
ثُمّ يبيّن أديبنا البليغ، بما له من ثقافة الناقد الحصيف، أنّ ما سبق لا يلغي، بحال من الأحوال، الخصائص والسمات البيئية المحليّة للأدب العربيّ في مصر فيقول:
“أمّا أن يكون لأدبها طابعه، ولفنّها لونه، فذلك قانون الطبيعة ولا شأن( لمينا) ولا( ليعرُبَ) فيه؛ لأنّ الآداب والفنون ملاكها الخيال، والخيال غذاؤه الحسُّ، والحسُّ موضوعه البيئة، والبيئة عملٌ من أعمال الطبيعة يختلف باختلافها في كلّ قُطر.”(ص.١٣٧)
ثُمَّ يخلُص الزيّات إلى خلاصة خطيرة تدلّ على وعي عميق مبكّر في مسألة الهويّة المصريّة، تجمع بين العرب والأقباط، والمسلمين والمسيحيين، في رِباط حضاريّ ثقافيّ واحد، فيقول:
” وبعدُ فإنَّ ثقافتنا الحديثة إنّما تقوم في روحها على الإسلام والمسيحيّة، وفي أدبها على الآداب العربية والغربية، وفي عِلمها على القرائح الأوربية الخالصة. أمّا ثقافة
( البردي) فليس يربطها بمصر العربية رِباط، لا بالمسلمين ولا بالأقباط.”( ص.١٣٨)
*- دكتور زياد العوف، أعلام الأدب العربيّ الحديث،قراءة جديدة، مؤسسة يسطرون للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ٢٠٢٠م، ص.ص ٩٧-١٠٣ .
**- المُقتَبَس مِن “وحي الرسالة”، تقديم واختيار خليل هنداوي، وعمر الدّقاق، دار القلم، الكويت، دار الشرق، بيروت، د.ت.
#دكتور_زياد_العوف




