عندما يصبح الحزن وطناً لا تغادره القصيدة العربية / الأديب د. أحمد مبارك الخطيب

Share

—١ —
عندما يصبح الحزن وطنا لاتغادره
القصيدة العربية
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
الشعر الحزين هو أساس القصيدة العربية من الجاهلية حتى يومنا هذا ، ومالم تكن القصيدة معبرة عن أحزاننا التي لا تنتهي فإنها تفقد تواصلها مع القارى العربي عموما .
على الأطلال ، قبل ألف وخمسمئة سنة ، بكى امرؤ القيس بكاء مرا ، بكى شبابا مضى ، ومجدا ضاع بعد مقتل إبيه وتفكك قبيلته ، وراح يتالم ويجهد في البوح بمكنونات نفسه ، فيسحرنا بتلك القصيدة الحزينة حين حول الألم الشخصي فيها إلى ألم كوني . ولكن حزن امرئ القيس كان مقدمة لتمرد طويل زادت فيه عذاباته إلى أن قضى نحبه .
ابو الطيب المتنبي شاعر المجد والبطولة هو القائل :
خليلاي دون الناس حزن وعبرة
على فقد من أحببت مالهما فقد
.تلج دموعي بالجفون كأنما
جفوني لعيني كل باكية خد
( يقول : صديقاي الحقيقيان هما الحزن والدموع على من فقدته ، والرائع أن هاتين الميزتين باقيتان ولا يمكن تبديدهما . وفي البيت الثاني أنه لكثرة دموعي صارت جفوني خدا لكل حزينة باكية تذرف دموعها عليه )
إنه المتنبي الذي حمل أحزانه منذ يفاعته وجاب بها البقاع العربية ، فتغير لديه كل شيء إلا هذا الحزن العميق في نفسه ورؤيته للعالم .

وهناك بيت ٱخر أشد تعبيرا عن أحزانه التي امتدت حتى ٱخر حياته :
لاأبغض العيس لكني وقيت بها
قلبي من الحزن أو جسمي من السقم
( رحلاتي على فرسي محط تقدير واعتراف بأنها جنبت فؤادي أحزانا جديدة ، كما جنبت جسمي أمراضا أخرى )

نقرا للسياب (جيكور) الباكية ، نفقد فيها جزءا من، الأمل ، وإذا كانت القصيدة تبكي على شيء محدد ، فإن حروفها تتسع لكل الخسائر الصامتة في حياتنا .
سر الشعراء الحزانى أنهم لم يبكوا فحسب ، بل حولوا دموعهم إلى مداد …. حولوا الجرح إلى وزن وقافية ، وحين نقرؤهم اليوم نقرأ حزنا نقيا لم يفسده الزمن .
لماذا نحب القصائد الحزينة ؟ لماذا نبحث عن القصيدة التي تعانق جروحنا في ليالي الوحدة ؟ لماذا نعيدها مرات ؟ لماذا نبكي معها وكأن الكلمات كتبت عنا شخصيا ؟ .
نزار قباني شاعر الحزن بالدرجة الاولى ، رغم أنهم لقبوه بشاعر الحب ، حبه كله كان حزينا ، لانه كان يحب في زمن يخون ، كان يحلم في وطن منيع وعزيز ، قصائده تبكي بكاء حقيقيا كالمطر . قالت لي الطفلة يوما لماذا لاتبكي ؟ قلت لها كل الدموع التي أملكها تحولت إلى حبر .
الحزن في الشعر العربي ليس حالة عابرة ، بل حالة وجودية ، القصيدة لاتقدم حلولا ، بل تقدم وعيا نجلس معها فيه .
هناك لذة غريبة ، هي أن تبكي مع القصيدة حتى التطهير . أن تصل إلى لحظة تتفجر فيها الكلمات التي تمسح قلبك .
اجمل مافي قصائد الألم , أننا نادرا مانفهم سبب بكائنا تماما .
واجمل ماقيل في تماهي الحزن مع القصيدة العربية هو قول أدونيس ( الحزن هو مرٱتي ) وهذا يعني أن الحزن ليس مرحلة نمر بها ، بل هو الأداة التي نرى بها العالم ، حين تكون مرٱتك حزينة فإن كل ما تراه حزين ، لكنه ايضا عميق وجميل وصادق .