قراءة نقدية لقصةد.ليلى صليبي،، نيران الحقد ،، بقلم عزة مبارك

Share

العمق الإنساني وسردية الحقدقصة د. ليلى صليبي

بقلم عزيزة المبارك/سورية

تتناول قصة( نيران الحقد) للكاتبة ليلى صليبي، شابين فرقتهم الحياة بعد أن نشأوا في حي شعبي هادئ.

يسلط النص الضوء على شخصية “سامي”،الهادئة الناضجة المجتهد الناجح. فهو يمثل، النموذج الإيحائي الذي يحترمه الناس لأخلاقه العالية، ويصف النص الظروف التي عاشها.

شخصيه مقابلة على النقيض منها”فادي، الذي يمثل النموذج السلبي، سيء الأخلاق، فاشل، لا يشبه سامي إلا في مكان العيش.

الكاتبة قدمت في النص مفارقة اجتماعية وأخلاقية واضحة بين شخصيتين متناقضتين، فادي وسلوكه السيء، المستهتر، الفاشل في الدراسة، وسيء الخلق، وابتعاد الناس عنه بسبب طباعه القبيحة.

شرح النص “الصراع الداخلي”، الحسد والغيرة، والمقارنة القاتلة من نظرة المجتمع إلى فادي، الذي قام بإحراق مكتب سامي من شدة الحسد، واكتشاف أمره لينال جزاءه العادل معنوياً ومادياً.

النص غني بالثنائيات والمقابلات ويحتوي على دلالات فنية ورمزية عمقت المعنى، وأبرزت الصراع الاجتماعي والنفسي بين الشخصيات.

نلاحظ دلالة التقابل والطباق الفني والبناء الثنائي؛ حيث اعتمد النص بالكامل على بناء النقيض “فادي ضد سامي”، رمز هذا التقابل إلى الصراع الأزلي بين الخير والشر، أو النجاح والفشل، والالتزام والاستهتار.

فادي ليس مجرد شخص مختلف بل مرآة عاكسة لكل ما يفتقده في نفسه، ويراه في سامي.

نلاحظ دلالة المكان في النص “الجهة المقابلة”، حدد النص موقع السكن، وهنا حنل المكان رمزية الانفصال والتباعد الفكري والنفسي رغم الجوار الجغرافي. هذا التقابل المكاني جسد الفجوة السلوكية والأخلاقية الكبيرة بين الشخصيتين.

نرى أيضاً الرموز الزمانية “النهار، الليل”، شرح النص المظهر الفني لحياة فادي، وتوزيع نشاطه بين”نهاره في المقهى، وليله في الملاهي، وهنا رمز إلى الضياع التام وفقدان البوصلة، فالنهار الذي يرمز عادة للعمل والإنتاج، والليل للراحة، تحولا عنده إلى امتداد واحد “الفراغ والعبثية”.

رصد النص لردود أفعال الناس والبيئة المحيطة “الأمهات، أهالي الحي”، مما دل على الوعي والعدالة الفطرية حيث وزن الأفراد بميزان أخلاقهم، وعطائهم الفكري، مما جعل فادي معزولاً باختياره، وسامي مقدراً بطبيعته.

النص حمل في طياته صراعاً نفسياً محتدماً من خلال اختيار المعاني الخاصة التي وظفت بشكل كبير لتوضيح المعنى.

“ليلة ممطرة”: الليل والمطر، رمز الليل إلى العتمة والسرية، والمشاعر المكبوتة، المطر هنا عكس أجواء الكآبة والاضطراب، ويمهد للحدث “الحريق”، كعنصر تضاد بين ماء المطر ونار الانتقام.

مكتب سامي الهندسي: رمز إلى النجاح والمستقبل، وتحقيق الأحلام وبداية حصد سامي نتائج مثمرة لجهوده.

النار والوقود: رمزت النار إلى الغضب الأعمى، والحقد المكبوت والانتقام المدمر، الذي يلتهم النجاح

والجمال.

عبارة “تسلل، و فر هارباً”، دلالة على الخلل في الحركة، حيث عكست ألفاظ التسلل والهروب، الجبن والخوف، وشعور المعتدي بالدناءة والذنب.

نلاحظ التناقص والطباق البصري، حيث يظهر بوضوح من ثنائيات “المطر، الماء”، “النار والاشتعال، وبين ثنائيات”البناء، والأخشاب والدهانات” و ” الهدم والاحتراق بالكامل”. مما عزز حدة الصدمة والدراما في النص.

استخدمت الكاتبة التشخيص والصور البلاغية”يصب حقد سنوات طويلة”، تجسد هنا الحقد المعنوي كأنه سائل ملموس يسكب ليدمر، مما يبرز عمق الكراهية.

الكاتبة شرحت في النص الأبعاد النفسية والاجتماعية من خلال الصراع الطبقي أو الشخصي، شخصية فادي المدفوعة بالغيرة الفيديرالية، تجاه نجاح سامي، وهو ما عبرت عنه” الغضب الأعمى.

نلاحظ البعد المأساوي”تحطم الحلم”، عندما رأى سامي حلمه يحترق، هنا رمزية إلى ضعف الإنسان أمام الغدر والشر المفاجئ.

نرى التوظيف الرمزي من خلال “رماد الغيرة”، واستخدام الكاتبة تعبير الغيرة كنار تحرق صاحبها أولاً، حيث يتحول إلى رماد وهي دلالة على الأثر التدميري الذاتي للمشاعر السلبية.

نلاحظ المفارقة الفنية في مصير الشخصيات بين نهاية فادي “السجن والندم”، وبين نهاية “سامي النجاح وإعادة البناء، الكاتبة وظفت هذه المفارقة لإبراز العدالة الأخلاقية في النص.

النص عبق بالصور البلاغية والتشابيه الفنية من خلال التشخيص والاستعارة “الاخلاق التي يزرعها الإنسان تعود إليه”، حيث شبهت الأخلاق بالنبات أو الثمر الذي يحصده الإنسان لاحقاً، مما منح القيمة الأخلاقية تجسيداً حسياً ملموساً.

أبرز النص تقابلاً فنياً واضحاً بين مفاهيم “النجاح ، الكراهية”، و”النفوس المريضة، نور الآخرين”، دلالة على الطباق والمقابلة الفنية الرائعة.

ركزت الكاتبة على البناء السلوكي للشخصيات والتطور النفسي، والتحول السلوكي من خلال لقطة “خفض فادي رأسه لأول مرة في حياته”، وهي دلالة بصرية وحركية قوية تعبر عن الانكسار والندم، وسقوط الكبرياء.

النص عكس عمقاً سيكولوجياً للإدراك المتأخر للشخصية داخل السجن، حيث يتحول النص من سرد الأحداث الخارجية إلى التأمل الداخلي والوعي.

القارئ يلاحظ التكثيف اللغوي والجمل القصيرة والمباشرة، التي اعتمدت على الأفعال الماضية المتلاحقة “اقترب، قال، اخفض، أدرك، عاد”، مما أدى إلى تسريع السرد وشد انتباه القارئ للنهاية.

النص انتهى بعبارة ذات طابع حكمي “النجاح لا يصنع الأعداء دائمًا”، هذا التحول في السرد من قصة فردية إلى حكمه جماعية منح النص أبعاداً اجتماعية وفلسفية وأخلاقية واسعة.

النص عبارة عن سردية رقيقه حمل رسالة أخلاقية عميقة عبىت عنها الكاتبة بلغة مكثفة واقعية.

برأيي الكاتبة ليلى شرحت عواقب الغيرة والحسد وأوصلت لنا حكمة عظيمة من خلال مفردات لسردية حول قيمة الأخلاق الطيبة والنهايات السعيدة التي ينالها المرء على أسس متينة من الأخلاق وقد وفقت بإيصال الإيحاءات والرسائل الأخلاقية بكل براعة أدبية عالية