
الحقيقة المطلقة… جوهر الأخلاق الإنسانية في شعر القس يعقوب طحان *بقلم عزة مبارك
الحقيقة المطلقة… جوهر الأخلاق الإنسانية العميقة في شعر القس يعقوب طحان
بقلم عزيزة المبارك/سورية الشمس الأصيلة جملة نقية وضحت الحقيقة جلية العدل، والأمل المتجدد الذي لا يموت، واختيار كلمة “الأصلية“، من الأصل والجذر والمنبت، دليل على الثبات والقيم الإنسانية الراسخة.
يلفتنا الإحساس النقي منذ البداية، النص اعتمد على فكرة التحدي، المقارنة، الشمس لا يطمس الظلام نورها ، والغيوم لا تمحو أثر النجوم، والشتاء القاسي لا يمنع الأرض من إتبات الزهر، قسوة الخريف لا تنهي حياة الشجر.
ينتقل بعدها الشاعر إلى عالم المادة، ليؤكد الأصالة، فالنار لا تحرق الذهب بل تزيده نقاء، والألماس مهما صغر حجمه لايقلل من قيمته، والورد يظل عطره حياً حتى بعد ذبوله، وتقليم الشجر لا تنهي ثماره. كل هذا إنما رمز لشيء واحد ألا وهو الأمل والخلق من جديد.
وأن الجوهر الثابت لا يتغير مهما تغيرت الظروف. وتأكيد على أن المظاهر الخارجية لا تغير حقيقة الأشياء.
ذكر الشاعر الصفات النبيلة “الأصالة، الصداقه، الطيبة، وأن الغنى الحقيقي هو غنى النفس وليس غنى المال، مما دل على روحانية واضحة وسريرة نقية في النص.
يلاحظ القارئ العمق الوجداني والدلالات الرمزية الغنية في الأبيات، التي ابرزت المعاني الإنسانية والأخلاقية، استخدم الشاعر عناصر الطبيعة كرموز مبطنة لصفات إنسانية، فالشمس والنجوم ترمز إلى الحقيقة، والجوهر الإنساني الذي لا يموت.
مفردات الظلام والغيوم: رمز بها للعقبات والظروف الصعبة التي يمر بها الإنسان. الشتاء، الخريف، رمزان للقسوة والتغيير الحتمي، ولكنهما رمزان للتجدد والتمهيد لولادة جديدة في ذات الوقت.
“الريش” رمز بها هنا إلى المظاهر الزائفة التي لا تغير من جوهر الإنسان، كما رمز للمعدن الطيب والثبات على المبادئ رغم كل المحن “الأصيل“.
عبارات “المكار والسجن“: السجن هنا رمز إلى القيود النفسية والأخلاقية التي يعيشها الفرد المخادع، نتيجة افعاله.
دلّ على الأثر الطيب والسيرة الحسنة التي تتركها النفوس الطاهرة في الحياة شبهها “العطر المنثور“.. عبارة التفس الغنية، رمز بها للغنى الحقيقي والرضا والقناعة في مقابل غنى المال الزائف. “كلمة النجوم“، رمز بها إلى الرفعة والخير
والهدايا للنفوس العظيمة كمكافأة على عطائها.
“الذهب والألماس“، دل بها إلى النقاء والصلابة والقيمة الثابتة، التي لا تتغير بمرور الزمن. كما ذكر “بيت الرمل“، في دلالة إلى الهشاشة والضعف وعدن الاستقرار، للأشخاص الذين يفتقرون إلى الأساس الأخلاقي المتين.
استخدم التشابيه البليغة الموقعة مثل “كالنجوم أناس، منهم الذهب والماس، وأناس مثل بيت الرمل“، وذلك لتوضيح المعاني وتحديد أصناف البشر وتعميق الصورة الذهنية لدى القارئ.
وظّف الشاعر المقابلة والطباق بشكل واضح وذلك لإبراز المعاني: نرى المقابلة بين “غنى المال وعنوان الكرم” وبين “القلة وإكرام الضيوف“، وتوظيف الطباق بين “الاصيل“ والمكار“، وبين الثبات “الذهب“، والهشاشة، “الرمل“. كما شبه الطيبة بالماء الذي يفيض، وشبه السيرة الطيبة، بالمنثور الذي ينشر العطر، مما أضفى حيوية وحركية على الأبيات.
اعتمد اللغة السردية البسيطة والعبارات العميقة، واستخدم نظام القافية الواحدة وحرف الروي “الهاء الساكنه“، مما منح النص ايقاعاً رتيباً وهادئاً.وممتعاً للأذن.
النص عبارة عن مقطوعة حكمية، تحمل رسالة أخلاقية عميقة، وتوجيه مبطن دون تنظير للتحلي بالأخلاق النقية، الأبيات شعرية وجدانية تأملية، برايي اعتمدت على المفارقة بين مظاهر الطبيعة وتقلباتها، وبين الحقائق الثابتة في الحياة، والمشاعر الإنسانية. تمحورت الأبيات حول القيم الأخلاقية والإنسانية والمبادئ الثابتة التي تحدد قيمة البشر، برع الشاعر في انتقاء الكلمات الدلالية
* .واختيار الايقاع الموسيقي المناسب لإيضاح المعنى .
&& وهاكم نص القصيدة
& الشمس الأصيلة&
ماخَفَى ظَلامٌ أَبداً شَمسٌ بأنوارها
وَلَا مَحَى غَيْمٌ َأَضواءَ النُّجومِ وآَثارِهَا
وَلَا مَنَعَ الشتاءُ مِنَ الأرضِ وُجودِ أزهارها
وَلَا قَضَى الخَريفُ بِقَساوَتِهِ عَلَى أَشْجارَها
ما حَرقَتْ الكورُ الذَّهَبَ بأَجيجِ نارِها
وَلَا صِغَرِ حَجْمِ الأَلماساتِ قَلَّلَ مِقْدارَها
وَلَا إِذا ذَبُلَ الوَردُ تُنْتَسى عُطورُها
ولا إِذا قُلِّمَتْ الشَّجَرَةُ خَلَت من ثِمارِها
لَكِنْ الشَمسُ شَمسٌ وَلَو غَطَّتْهَا الغُيومُ
ومِن وراءِ الظُلمَةِ تَلْمَعُ أَضواءُ النُّجومِ
وَلَولَا الشِتاءُ لَكانَ الخيرُ مَعْدومٌ
وَلَولَا الخريفُ مابَدَّلَتْ الأرضُ ثوبَ خَضارِها
لَو لَا النَّارِ ما لَمعَ أصلُ الذَّهَبِ
ولا ضَهَرَ جَمالُهُ الذي لُه وٌهِبَ
والأَلماس مهما الجواهري بحَجْمِهِ لَعِبَ
تَبقَى نَفائِسُه بأَوجِ افتخارِها
مَهما غَنَّى الغٌرابُ لَنْ يُصبحَ حَسّوناً
ولَو لَوَّنَ ريشَهُ لا يُدْعَى مَيموناً
كُلٌّ مِنْهُما اسمُه لذاتِهِ مُعْلِنٌ
والاسم لذاتِ المُسَمَّى شِعارُها
الأصيلُ يَعمَلُ بأصالَتِه حَتَّى لو أُهينْ
والصَديقُ الوَفي يدافِع بالحَقِّ ولَو دينْ
والطَيِّبُ القَلبِ بِسجْنِ المَكَّارِ سجينْ
وتَفيضُ طيبَتُهِ مِن عِطرُ مَنْثورها
لَيسَ الغنَى عِنوانُ الكَرَمِ والجودِ
وَلَا المالُ يَمنَحُ صاحِبَه هبَةَ الخلودِ
لَكِنَّ النَّفسُ الغَنيِّةُ عَطاؤُها بِلا حُدودٍ
مِن القَليلِ تُكرم ضيوفَ الدَّارِ وتُسعِدُ زُوَّرها
كَالنُجومِ أُناسٌ تَمتازُ بِعَملهِم عن ناسٍ
مِنهم مِثلُ الذَّهَبِ المصَفَّى وجمال الاَلماسِ
وأناسٌ مِثْلَ بَيتِ الرملِ بلِا أساسِ
وَ أٌناسٌ حَمَلوا أعباءِ الدُنيا وأخطارِها
*الأب يعقوب طحان





