
قراءةٌ نقديّةٌ في نص” سراج الحريّة” للشاعر الأبِ “يعقوب طحّان”
*بقلم د.ليلى صليبي
ينتمي هذا النص – الخاطرةُ إلى الكتابةِ التأمليةِ ذاتِ المنحى الروحي، حيثُ تتّخذُ من تجربةِ الذاتِ محورًا لسردِ رحلةٍ داخليّةٍ تبدأُ من الإحساسِ بالضيقِ والاغترابِ، وتنتهي إلى الخلاصِ والإشراقِ الإيماني. والنصُّ لا يكتفي بعرضِ تجربةٍ شخصيّةٍ، بل يحاولُ أن يحوّلَها إلى رؤيةٍ إنسانيةٍ عامةٍ تقومُ على التأمّلِ في المصيرِ، واكتشافِ قيمةِ الإيمانِ في مواجهةِالآم الحياةِ.
يفتتحُ الكاتبُ نصَّه بصورةٍ مكثّفةٍ تقومُ على مفارقةٍ لافتةٍ بين السجنِ والحريةِ. فظلامُ سجنِ الحياةِ لا يقودُ إلى الانكسارِ، بل يصبحُ منطلقًا لاكتسابِ «أنوارِ الحريةِ». ومنذُ الأسطرِ الأولى تتأسّسُ ثنائيةُ الظلمةِ والنورِ التي ستشكّلُ العمودَ الفقريَّ للنصِّ كلِّه، لتغدوَ الحريةُ حالةً روحيةً داخليةً لا ترتبطُ بالظروفِ الخارجيةِ بقدرِ ارتباطِها بقدرةِ الإنسانِ على تجاوزِها.
ويتجهُ السّردُ بعد ذلك نحو فضاءٍ تأمليٍّ عميقٍ، حينَ يجاورُ المتكلّمُ «منازلَ الأمواتِ» ويتأمّلُ شواهدَ القبورِ وما تختزنُه من دلالاتٍ. فالمقبرةُ هنا ليستْ مكانًا للموتِ فحسب، بل فضاءً للتفكيرِ في معنى الوجودِ وزوالِ الدنيا. ومن خلالِ هذا المشهدِ ينتقلُ النصُّ من التأمّلِ في الفناءِ الجسديّ إلى التأمّلِ في بقاءِ الأثرِ الإنساني، حيثُ تبقى الأعمالُ الصالحةُ مدوّنةً بالنّورِ إشارةً إلى أنَّ القيمةَ الحقيقيّةَ للإنسانِ لا تكمنُ في حضورِه الماديّ العابرِ، بل فيما يتركُه من أثرٍ خالدٍ في الذاكرةِ والحياةِ.
ويبرزُ البعدُ الوجودي في الخاطرةِ من خلالِ الأسئلةِ الضمنيةِ التي تطرحُها الذاتُ حولَ المصيرِ والغايةِ والمعنى. فالنصُّ لا يقدّمُ أجوبةً جاهزةً منذُ البدايةِ، بل يمرُّ بمخاضٍ من الحيرةِ والحزنِ والدموعِ، الأمرُ الذي يمنحُ التجربةَ صدقًا إنسانيًّا ويجعلُ التحوّلَ اللاحقَ أكثرَ تأثيرًا وإقناعًا.
أمّا نقطةُ التحوّلِ المركزيةِ فتتمثّلُ في الانتقالِ من التأمّلِ الذاتي إلى الخطابِ الإلهي المباشرِ. ففي هذا المقطعِ يبلغُ النصُّ ذروتَه الشعوريةَ، إذ يتحوّلُ الإيمانُ من فكرةٍ مجردةٍ إلى حضورٍ حيٍّ يمنحُ القوةَ والعزاءَ واليقينَ. إنَّ الخلاصَ لا يتحقّقُ بقدراتِ الإنسانِ وحدِها، بل بالاتكالِ على النعمةِ الإلهيةِ التي تجعلُ الضعفَ مصدرًا للقوةِ، واليأسِ بابًا للرجاءِ.
ومن النّاحيةِ الفنيّةِ، يعتمدُ النصُّ على لغةٍ مباشرةٍ واضحةٍ، تتكئُ على الحقولِ الدلاليةِ المرتبطةِ بالنورِ والظلامِ، والسجنِ والحريةِ، والضعفِ والقوةِ، والموتِ والحياةِ. وقد أسهمَ هذا التوازي الثنائي في منحِ الخاطرةِ وحدةٍ فكريةٍ وشعوريةٍ واضحةٍ. كما أنَّ تكرارَ ضميرِ المتكلمِ أضفى على النصِّ طابعَ الاعترافِ والسيرةِ الروحيةِ، فبدا القارئُ وكأنّه يرافقُ الكاتبَ في رحلةِ بحثِه عن المعنى.
وفي المحصلةِ، تُقدِّمُ الخاطرةُ تجربةً روحيةً صادقةً ترصدُ انتقالَ الذاتِ من ضيقِ الوجودِ إلى رحابةِ الإيمانِ، ومن التأمُّلِ في الموتِ إلى اكتشافِ قيمةِ الحياةِ. وهي نصٌّ ينهضُ على فكرةٍ جوهريةٍ مفادُها أنَّ الحريةَ الحقيقيةَ لا تُنالُ بكسرِ القيودِ الخارجيةِ فحسب، بل تتحقّقُ حين يتحرّرُ الإنسانُ من الخوفِ واليأسِ ويستضيءُ بنورِ الإيمانِ الذي يمنحُه القدرةَ على مواصلةِ الطريقِ مهما اشتدَّتِ الضيقاتُ.
*أديبةوأكاديمية لبنانية
========وهاكم نص (الخَاطِرَةُ الشِّعْرِيِّةُاَلَّتِي تَكرَّمت بِوِسَامِ الإِسْتِحْقَاقِ الأَوَّلِ مِنْ مَوْقِعِ هَمَسَاتٍ صَادِقَةٍ)==========

((مِنْ ظَلَامِ سِجْنِ الحَيَاةِ اِكْتَسَبْتُ أَنْوارَ حُرِيِّتي مِنْ خَلْفِ قُضْبَانِ الظُلُمَات أَشْعَلْتُ بَصيصَ شَمْعَتِي أَغْلَقْتُ عَلَى نَفْسِي بِالسَاعَات
لِكي أُسْبِرَ غَورَ قُدْرَتِي وجَاوَرْتُ منَازِلَ الأَمْوات وَجَلَسْتُ أَتَرَقَّبُ آَخِرَتِي وَفكَّرتُ بَيْنَ أَنينِ التَنَهُدَات
مَاذَا تَحوِي رُؤيَتِي
لَم أَرَ إِلَّا حَجَرًا عَلَيْهَا كَلِمَاتٌ وْاِسمُ مَنْ رَقَدَ قَبْلَ وِلَادَتِي وَمِنْ خَلْفِ الحَجَرِ بِضْعُ عَظْمات تَخَيَّلْتُ مَنْظَرَهُمْ بِمُخِيِلَتِي وَعَلَى اَلضَريحِ مِنْ أَجْمَلِ الَّلوحَات أَعْمَالُهُمْ بِالْنورِ مُدَوَّنةٌ وَمَازَالَ الزَّمَنُ يَذْكُرُهُنَّ ذِكْرَيَات
أَتَأَمَلُ أَعْمَالَهُم بِبَصيرَتِي وَأَدْرَكْتُ يقينًا بِأَنَّنَا بِزَمَنِ الآَهاتِ
وَمَا عَلَيهِ بَاطِلٌ وَانْتَهَتْ هُنَا قِصَّتِي لِذَا حَمَلتُ نَفْسِي وَأَفَضْتُ الدَّمْعَات
وَتَسَلَّحْتُ بِسَيفِ إِيْمَانِي وَمَشَقَّتِي وَسِرْتُ بِدَرْبِ كِتَابَةْ الكَلِمَات
وَدَوَّنْتُ قِصْةَ أَشْواكِ مَسيرَتِي وَخَرَجْتُ مِنْ بَعْدِ عَنَاءٍ وَمَشَقَّات بِنَشِيدِ كَنَارٍ يَعْلو هَامَتِي وَلِسَانِي يَلْهَجُ بَأَلْحَانٍ وَنَغَمات
وَنِعْمَةُ الشُكْرِ لِلْرَّبِّ اُغنيتي وَسَمِعْتُ صَوتَ رَبِّ السَّمَوات
يًنَادِينِي لَكَ مَحَبَّيتِي قًمْ تَشَجَعْ لَاتَهْتَمَّ للضيقات
مِنْ أَجْلِ ضُعْفِكَ أَتَيْت بِإِرَادَتِي أَنَا مَعَكَ كُلَّ الأَيَّامِ واللحظات
فبالضعفِ تَكْمُلُ فيكَ قُوَّتِي طَالَمَا اللهُ مَعَنَا بِكُلِّ اَلْمَهَمَّات
سَوْفَ أَنْطَلِقُ بِنَشَاطٍ بِمَهَمَّتِي عَلَى الصَّليبِ ضَمَّدَ لِي الجُروحات وَكَسَرَ بِبَأْسٍ حَواجِزَ عَدَوَاتِي إذَا أَنَا حُرٌ وَلَو أَسيرَ الشَّهوات
لَكِنَّ الرَّبَّ حَرَّرَنِي فَهوَ نورُ حُريَّتِي))
*الأب طحان شاعرسوري – سويدي – مترجم كتاب طه حسين ،، الأيام ،، إلى السريانية وله إصدارات ومخطوطات باللغتين




