ليلى صليبي تضيئ ،،حديث العتمة ،، لجورج عازار

Share

قراءةٌ نقديّةٌ تحليليّةٌ لقصيدةِ «حديث العتمة» للأديبِ السامقِ ” جورج عازار”
بقلم ليلى صليبي

القراءةُ النقديةُ:

تقومُ قصيدةُ «حديث العتمة» على بناءٍ رمزيٍّ كثيفٍ، يجعلُ من العتمةِ كيانًا ناطقًا يمتلكُ إرادةً ووعيًا وسلطةً على الوجودِ، فلا تعودُ مجرَّدَ غيابٍ للنورِ، بل تتحوّلُ إلى شخصيةٍ فلسفيةٍ تتحدّثُ بضميرِ المتكلمِ، وتكشفّ عن وجوهِ النفسِ الإنسانيةِ المتعدّدةِ. وهنا ينجحُ الشاعرُ في تشخيصِ مفهومٍ مجرّدٍ، ومنحهِ حياةً وصوتًا، فيغدو النصُّ حوارًا بين الإنسانِ وظلّهِ، وبين النورِ وما يقابلُه من ظلماتِ الروحِ.

منذُ المطلعِ:

«يفتح الليل أزرار العتمة
والقمر على استحياءٍ
من خلف الغمام يتلصص»

يبني الشاعرُ مشهدًا بصريًّا بالغَ الإيحاءِ. فالليلُ لا يحلُّ فحسبُ، بل يفتحُ أزرارَ العتمةِ، وهي استعارةٌ مبتكرةٌ توحي بانكشافِ عالمٍ خفيٍّ كانتْ تحجبُه ستائرُ النهارِ، بينما يبدو القمرُ متردّدًا، يراقبُ المشهدَ من وراءِ الغمامِ، وكأنّه شاهدٌ لا يملكُ سلطةَ التدخلِ.

ثمَّ تتعاظمُ سلطةُ العتمةِ في خطابِه:

«أنا ملك الألغاز
ونبع الأسرار»

فتتجاوزُ كونُها ظرفًا زمانيًّا، لتصبحَ وعاءً لكلِّ ما هو مجهولٌ وغامضٌ، وهو ما يرسّخُ البعدَ الرمزيَّ للنصِّ؛ إذ تغدو العتمةُ مرآةً للاوعي الإنساني، ومخزنًا للهواجسِ والرغباتِ والمخاوفِ.

ومن أبرزِ جمالياتِ القصيدةِ اعتمادُها على تقنيةِ التكرارِ، ولا سيما تكرار الضمير «أنا» في مطالعِ المقاطعِ. وهذا التكرارُ لا يؤدّي وظيفةً إيقاعيةً فحسبُ، بل يبني هويةً متضخمةً للعتمةِ، حتى تكادُ تستوعبُ كلَّ المتناقضاتِ:

«أنا الشر والخير…
وأنا الدم والماء…
وأنا السيف والدواء…»

إنَّها ثنائياتٌ فلسفيةٌ تؤكّدُ أنَّ العتمةَ ليست قيمةً أخلاقيةً ثابتةً، بل فضاءٌ يحتوي الخيرَ والشرَّ معًا، شأنُها شأنُ النفسِ الإنسانيةِ التي تحملُ إمكاناتِ النقيضيْنِ.

ويبلغُ النصُّ ذروةَ عمقِه حينَ يقولُ:

«أنا أنتم
وأنتم أنا»

فهنا تنتقلُ القصيدةُ من الوصفِ إلى التأمّلِ الوجودي؛ إذ لا يعودُ الليلُ كيانًا خارجَ الإنسانِ، بل يصبحُ جزءًا من تكوينِه الداخلي. إنَّ العتمةَ في هذا الموضعِ هي الوجهُ الآخرُ للذاتِ، ذلك الذي يضمُّ الرغباتِ، والأسرارَ، والهواجسَ، والضعفَ، والأحلامَ.

كما ينسجُ الشاعرُ شبكةً واسعةً من الصورِ الشعريةِ، فيقولُ:

«وفي شظايا المرآة أرتسم»

فالمرآةُ المهشمةُ ليستْ مجرّدَ صورةٍ حسّيةٍ، بل رمزٌ لتشظي الذاتِ الإنسانيةِ، وانقسامِها بينَ ما تعلنُه وما تخفيه، بينَ صورتِها الخارجيةِ وحقيقتِها الباطنةِ.

وفي المقطعِ الأخيرِ تبلغُ القصيدةُ ذروتَها الوجدانيةَ، حينَ تتحوّلُ العتمةُ إلى مأوى للآهاتِ والدموعِ والزفراتِ، فتغدو الليلةُ هنا فضاءً لتراكمِ الألمِ الإنساني، قبلَ أن يختتمَ الشاعرُ بحكمةٍ مكثّفةٍ:

«لكن أعمى البصيرة يبقى
في كل الحقبات
هو الضرير»

وهي خاتمةٌ موفّقةٌ، تنقلُ النصَّ من التجربةِ الفرديةِ إلى أفقٍ إنسانيٍّ عامٍّ، مؤكّدةً أنَّ العمى الحقيقيَّ ليس فقدانَ البصرِ، بل فقدانَ البصيرةِ، وهي رسالةٌ فلسفيةٌ تمنحُ القصيدةَ بعدًا أخلاقيًّا ومعرفيًّا.

أمّا على المستوى اللّغوي ، فقد جاءتِ المفرداتُ منسجمةً مع الحقلِ الدلالي للنصِّ؛ فحضرتْ كلماتٌ مثلَ: العتمة، الظلال، الأشباح، الأطياف، الغواية، الأسرار، الزفرات، الضياء، الفجر، لتؤسّسَ معجمًا شعريًّا متماسكًا يعزّزُ وحدةَ الرؤيةِ. كما أنَّ الإيقاعَ الداخليَّ الناتجَ عن التوازي والتكرارِ والمقابلاتِ منحَ القصيدةَ نبرةً إنشاديةً متصاعدةً، تلائمُ خطابَ العتمةِ وهي تعلنُ حضورَها وهيمنتَها.

ورغمَ هذا الثراءِ، فإنَّ النصَّ كانَ سيزدادُ إحكامًا لو خفّفَ الشاعرُ في بعضِ المواضعِ من تكرارِ الصورِ المتقاربةِ دلاليًّا، لأنَّ كثافةَ التعدادِ أحيانًا تؤخّرُ الحركةَ الدراميةَ للنصِّ، من غيرِ أن تنتقصَ من قيمتِه الفنيّةِ.

في مجملِها، تمثّلُ «حديث العتمة» قصيدةً ذاتَ منحى رمزيٍّ وتأمليٍّ، تمزجُ بينَ الخيالِ الشعري والرؤيةِ الفلسفيةِ، وتعيدُ تعريفَ الليلِ بوصفِه فضاءً نفسيًّا وإنسانيًّا، لا مجرّدَ زمنٍ لغيابِ الضوءِ. إنّها قصيدةٌ تستدرجُ القارئَ إلى مساءلةِ ذاتِه، وتدعوه إلى اكتشافِ تلك العتمةِ المقيمةِ في أعماقِه، حيثُ يلتقي الخوفُ بالحلمِ، والشرُّ بالخيرِ، والإنسانُ بظلِّه.

تغدوُ الكلمةُ أكثرَ اتساعًا حين تُحاورُ العتمةَ وتكشفُ ما تُخفيه من أسئلةٍ ووجعٍ إنسانيّ. كلُّ الشكرِ والتقديرِ للشاعرِ المبدعِ “جورج عازار” على قصيدتِه «حديثُ العتمة»، هذا النصُّ الذي جعلَ من الليلِ مرآةً للروحِ، ومن الصمتِ لغةً أخرى تُقالُ بين السطورِ.
دامَ قلمُكمُ مشعًّا بذلك الألقِ الذي يُحيلُ العتمةَ إلى مساحةٍ للتأمّلِ واكتشافِ الذاتِ.

القصيدةُ:

حَديثُ العَتمَةِ

يَفتحُ الَّليلُ أزرَارَ العَتمةِ
والقَمَرُ على اِستحياءٍ
من خَلفِ الغَمامِ يتلصَّصُ
كُلُّ الأَنامِ من سَطوتي تَنامُ
وبقبضتي أَحْكُمُ الكَونَ
والبحرُ أسودَ في ستائِري
يَصيرُ

أنا مَلكُ الألغازِ
ونَبعُ الأسرَارِ
حين تَغشى ظُلمتي الضِّياءَ
مَواثيقي تَسودُ
وحينمَا أبتغي
الرَّويَّةَ أنشرُ السَّكينةَ
والاختلالُ في المَعمورةِ يَحلُّ
عِندما أَريدُ

أنا الشَرُّ والخَيرُ
تارةً في العُقولِ أَكونُ
وتارةً في الصدورِ أستقرُّ
أنا الدَّمُ والمَاءُ
وأنا السَّيفُ والدَّواءُ
في كُلِّ الأيامِ آتيكُم
يَمقتُني البَعضُ
وغَيبَتي البَعضُ
يَفتقدُ
أنا لَحنُ الأساطيرِ
وتواترُالأشباحِ
ورَجعُ صَدَى الأطيافِ
أنا صَوتُ الظِّلالِ في النُّفوسِ
وأنا النِّصفُ الآخرُ مِنكُم
في الأرواحِ أستقرُ
وفي شظايا المِرآة أرتَسِمُ
أنا جَسَدُ الغِوايةِ
وسِحرُ الدُّنيا
وعُيونُ الحَياةِ
الَّتي سَمَلَتها ذاتَ مَرَّةٍ
مَلِكةُ الجَّانِ

أنا أنتمُ
وأنتمُ أنا
مِقياسٌ ومَكاييلُ
في أحضاني فِتنٌ ومُتعةٌ
وللمُجونِ أشكَالٌ وألوانٌ
أنا لِلرَّاغِبِ فِراشٌ
وللمَعاصي غِطاءٌ
هدأةٌ أنا حينَ تَموتُ العَواصِفُ
وعِند جُنونِ الزَّوابِعِ
احمرارٌ
تُخالِجني الخَيبةُ
لَمَّا النُّورُ للفَجرِ يَكونُ
وكُلُّ الأوزارِ باسمي تُرتَكَبُ
يَرتعدُ الصُّبحُ حين أجيءُ
ويَصمِتُ في كُلِّ الأرجاءِ
الضِّياءُ
للعُشَّاقِ سَميرٌ
ورَفيقٌ ورَجاءٌ
أنا أنتَ حين في وَحدتِكَ تَكونُ
أنا في فَيضِ أسرارِكَ
وأنا في صَدَى الكَلماتِ
حين الهَمسُ في الخَاطرِ يَجولُ

أنا للآهاتِ والحَسَراتِ مَرتعٌ
وللشُّجونِ عُنوانٌ
ولِلعَبراتِ مَثوىً
حين تُسفحُ في غَياهِبِ أعمَاقي
وفَيضُ نَبعٍ
مِن مآقي الحَزَانى
يَمتلِئُ
وجَحافلُ الزَّفراتِ أمواجٌ
قَهرٌ ولَيلٌ وصَبرٌ
عَسى النُّورُ في القُدومِ يُعجِّلُ
لَكنَّ أَعمى البَصيرةِ يَبقى
في كُلِّ الحقبَاتِ
هو الضَريرُ

بقلمي: جورج عازار
ا