Views: 4
أزمة المثقف العربي في ضوء التحدّيات المعاصرة
الدكتور صلاح جرّار
في خضم الأحداث والتطوّرات السياسية والأمنية والاقتصادية الخطيرة التي يشهدها الوطن العربي، وفي غمرة الأطماع والتدخّلات الأجنبية السافرة والمتنمّرة على النظام السياسي العربي وما يتمخّض عن ذلك من تمزّق واستقطابات وتحالفات وانفراط لعقد الأمّة يهدد أمنها واستقرارها ووجودها وبقاءها ويعيق تطوّرها وجهودها في سبيل تحقيق حياة حرّة كريمة، لا يستطيع المثقّف أن يقف على الحياد أو يتخلّى عن مسؤولياته الوطنية والقوميّة والإنسانية، غير أنّ ثمّة عوائق وتحدّيات كثيرة تؤدي إلى إرباكه وتعطيل أدائه لرسالته والتشويش على فكره ومواقفه، وهي عوائق وتحدّياتٌ ذات طابع ثقافي خالص في جوهرها وتقف وراءها أيادٍ ومخطّطات ومكائد دُبرّت في ليل وعلى مدى زمني طويل بهدف تقويض الأبنية الفكرية والأخلاقية والوطنية التي نشأت عليها هذه الأمّة وحققت من خلالها نجاحات مشهودة في البناء الحضاري.
وتتمثل التحديات والعوائق التي تقف في طريق المثقف العربي وتحول دون قيامه بأداء رسالته على الوجه المنشود والمأمول في آفاتٍ خطيرة تنخر في الروح العربيّة والعقل العربي وتتسبّب في كلّ ما تعيشه الأمّة من خلافٍ وتنافر وتدابر وتنازع وتباغض وغير ذلك.
ومن أشدّ ما يفتّ في عضد الأمّة ويفتك في روحها وجسدها وعقلها من هذه التحديات آفة الإفراط في التعصّب الطائفي والمذهبي والعرقي والعنصري والقبلي وغيره، فبدلاً من أن تنتفع الأمّة من هذا التنوّع وتوظّفه في نهضة حضارية فريدة، فقد جرى استغلاله استغلالاً خبيثا لتدمير الأمّة وتقويض أركانها وهدم أسباب منعتها وقوّتها، ولئن كان لأعداء الأمّة من الصهاينة وداعميهم في الغرب دوْرٌ لا يخفى في إثارة النعرات وتحريض كلّ فريق ضدّ الآخر بوسائل مختلفة، إلاّ أنّ الثقافة العربيّة تتحمل قدراً كبيراً من المسؤولية عن إتاحة الفرصة للأعداء لتشجيع هذه الانقسامات، فالثقافة العربيّة والمثقفون العرب لهم دورٌ سلبيٌّ خطير في ترسيخ هذه الآفة والترويج لها أحيانا وتبنّي عوراتها مع إدراكهم لعواقبها المدمّرة للأمّة، وهم بذلك كالمريض المصاب بمرض الزهايمر يتذكّرون الأحداث والصراعات الموغلة في الماضي ولا يتذكّرون الأحداث والأخطار المعاصرة، ولذلك يتذكرون صراعاتهم التاريخية بين قيس ويمن وبين عبس وذبيان وبين العباسيين والأمويين وبين الأيوبيين والفاطميين ويتعصّبون أشد التعصّب للأطراف التي يناصرونها من تلك الأزمنة، لكنّهم سريعو النسيان ضعيفو الذاكرة في ما يتصل بالصراع مع عدوّهم المعاصر الذي يبطش بهم ويحتلّ أراضيهم ويشرّد أبناءهم ويمزّق أوطانهم .. وفي هذا السياق أتساءل كيف استطاع الأوروبيون الاستفادة من التنوّع العرقي والثقافي في بلدانهم رغم ما بين مكوّنات مجتمعاتهم من اختلاف في الدين والمذهب والفكر واللغة وحتّى لون البشرة وغيرها دون أن نجد في تلك البلدان نعرات طائفية أو عرقيّة صارخة؟ وأتساءل أيضاً: كيف استطاعت دول أوروبا تناسي صراعاتها وحروبها الدموية السابقة التي وقعت بينها من أجل الحفاظ على مصالحها السياسية والاقتصادية؟
إنّ من أهمّ مسؤوليات المثقف العربي في ظلّ هذا التمزق العربي وأطماع الصهاينة وتهديداتهم للوطن العربي أن يتبنى الدعوة إلى الانطلاق في بناء علاقاتنا العربيّة وإستراتيجياتنا السياسية والقوميّة من مصالحنا القوميّة وليس من تاريخنا الغابر العائد إلى قرونٍ موغلة في القدم وأن يقوم المثقفون بالدعوة إلى بناء العلاقات الغربية على العناصر المشتركة.
أمّا الآفة الثانية التي تواجه الثقافة العربيّة والمثقّف العربي فهو الدور الخطير الذي تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي، وهي وسائل يستغلّها أعداء الأمة استغلالاً تدميرياً فاحشاً، ويستغلّها المتعصّبون تعصّباً أعمى لتشويه صور غيرهم من الطوائف والأعراق والمكوّنات الاجتماعية. وتمتلك هذه الوسائل قدرات فائقة وغير محدودة على تشويه الحقائق وإثارة الفتن وإفساد العقول وإجراء عمليات غسيل الدماع، ولا سيّما إذا كانت تقوم على هذه الأهداف مؤسّسات ممّولة وموجَّهة، وبذلك يصبح المثقف العربي في ورطة حقيقية في ضوء ضعف قدراته التكنولوجية والاستخبارية والإعلاميّة، وخاصّة إذا كان أعداء الأمّة من صهاينة وغيرهم يسيطرون على أقوى وسائل الإعلام العالمية من صحف وقنوات فضائية ووكالات أنباء، كما أنّهم يتحكّمون بأهمّ وسائل التواصل الاجتماعي يحركونها ويوجهونها كيف يشاؤون، ومن يملك هذه الوسائل ويملك أن يطوّرها ويتحكم فيها ويسيطر على طريقة استخدامها فهو أقدر من غيره على التأثير في من يتلقّون خدماتها.
ولا بدّ للمثقف في ظلّ هذه الآفة من مضاعفة انتباهه ويقظته لتمييز الصحيح من الزائف والعفوي من المقصود وإدراك المرامي القريبة والبعيدة لكلّ ما يصدر عن وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
وأمّا الآفة الثالثة، وهي أخطر هذه الآفات والتحدّيات، وتتمثّل في استلاب المثقف العربي للمنتج الثقافي الغربي مهما كان سطحياً أو عميقاً. ومن هذا الباب ما زال كلّ كلام غربيّ مصدّقاً لدينا ومسلّماً به دون نقاش، وذلك شكلٌ من أشكال التبعيّة الطوعيّة التي اختارها المثقف العربي لنفسه.
ومع أنّه قد ثبت من تجربة العدوان الصهيوني على غزّة فساد الفكر الغربيّ وفقدانه للمصداقية إلاّ أنّ هذا الفكر ما زال حتّى اليوم يتسبّب في صورٍ من تمزيق الأمّة وتفكّكها وتصادمها مع ذاتها.
وأمام هذه الآفات الثلاث فإنّه تقع على المثقف العربي مسؤوليات جسام لوقف انحدار الأمّة وتراجعها وضياع هوّيتها. وعليه أن يبدأ بمراجعة واقعه الذي درج عليه وأوصله إلى هذا المأزق، كما أنّ عليه أن يراجع ارتباطه الفكري بالمنتج الثقافي الغربي مراجعة عميقة ويزن الأمور بميزان العقل والعدل ومصلحة الأمّة، وأن يدفع بالأمّة نحو رفع شعار الإنتاج لا الاستهلاك، ذلك أن اعتماد الأمّة على كلّ ما ينتجه غيرنا، وأخصّ العالم الغربي المعادي لنا، من صناعات وأفكار ونظريات، هو أكثر ما أوصلنا إلى ما نحن عليه من الإفراط في العصبيّات والتفريط في الحقوق والواجبات.