Views: 2
( طرفة بن العبد )
الشاعر الشاب الذي قتله شعره ونبله
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””٠
1
منذ أن كنت طالبا في قسم اللغة العربية في جامعة دمشق وأنا أتحين الفرصة لدراسة هذا الشاعر البحريني اللافت والمدهش والشجاع .
خلال فترة قصيرة من عمره الذي لم يتجاوز السادسة والعشرين قدم للشعر العربي معلقته المشهورة ( لخولة اطلال ) المؤلفة من مئة وأربعة ابيات ، اعترف الدارسون والنقاد ان مرتبتها هي الثانية بين المعلقات بعد معلقة امرئ القيس ، مع أن بعضهم ذهب إلى عدها المعلقة الأولى .
لم تكن سيرة حياة هذا الشاب عادية ، بل هي مذهلة ومفاجئة بكل تفاصيلها .
عاش في أسرة ثرية رفيعة المستوى ، يأتيه الشعر فيها من كل الجهات ، كان أبوه وجده شاعرين ، وكان عمه الشاعر (المرقش الصغير) وخاله الشاعر( المتلمس) المشهور . مات أبوه وهو صغير ، فكفله أعمامه ، و لكنهم رفضوا أن يعطوه ميراثه من أبيه ، واحس بمظلوميته هو وأمه ، فعلا صوته في بيته الذي دوى في الجزيرة العربية ،وما تزال أصداؤه تتردد بإعجاب حتى يومنا هذا :
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهند
ترى أية مشاعر كانت تجتاحه حين يخلد إلى نفسه وهو يتيم الأب ، ومايزال فتى ، ويعيش معاناة ظلمه في ماله من أقرب الناس إلبه ؟ فلمن يشكو ؟ وماذا يفعل ؟
لابد أنه قصد أن يرمى في وجه قومه هذا البيت الذي تمتع بصدقية عالية ، فأخذ سيرورة لم يكونوا يتوقعونها ، وقد كلفتهم ثمنا غاليا ، فالكلمة هي السلاح الأمضى عند العرب ، وقد استخدمها طرفة للطعن بسمعة أقاربه ، فإن يكن استحقاقه من إرث والده قد أغمطه أعمامه حقه فيه ، فإن انتقامه كان في البيت ذاته الذي أوحى به إلى بقية القبائل أن أعمامه مارسوا مظلومية كبيرة على أحد ابنائها .
طوى طرفة هذه المشاعر مرغما ، وراح يلتمس الحياة عند خاله الشاعر الشهير المتلمس ، وأخذ يبدد مالديه من بقايا ثروة على ملذاته التي كانت تستهويه مع غيره من اصدقائه . ولكن طرفة من جهة أخرى ، لم يكن شابا لاهيا فقط ، بل كان ممتلئا رجولة وشجاعة ، ويحمل ٱراء في الوجود دافع عنها باجمل ما قيل من شعر . وربما كان وراء انقياده للهو سببان: :
— حرمان اعمامه له من ثروة والده .
— إخفاقه في حبه ، فقد أحب فتاة لم تبادله الحب ، ، فتعالت عليه واعرضت عنه ، وعاملته بدونية .
خلف ذلك في نفسه الما كبيرا ، وقد أدى إلى انصرافه للهو .
غير انه كما ذكرنا سابقا ، رفض أن تقتصر حياته على اللهو فقط ، فقد كان رائدا في الشعر ، ورائدا في الثقافة . تعرف ذلك منتديات قومه ، وكان شجاعا في الدفاع عنهم وقت الشدة ، بل هو أول من يلبي نداء القبيلة بكل بسالة غير هياب ولا وجل :
إذا القوم قالوا من فتى ؟خلت أنني
عنيت ، فلم أكسل ولم اتبلد
فإن تبغني في حلقة القوم تلقني
وإن تلتمسني في الحوانبت تصطد
فإذا بحثت عني ستجدني حاضرا بقوة وقت اجتماع القوم لامر ما يخص القبيلة ، كما انك ستجدني في حوانيت اللهو أيضا في اوقات اخرى .
لم يكن طرفة إذن منقادا تماما إلى لهوه وعبثه ، وإنما كان في ذات الوقت يسعى إلى المجد والكرامة . وقد أبدع في لفت انتباه قارئه إلى تلك القيم التي توجه حياته ، فهو الرجل الشهم حين يطلبه قومه للمنازلة فيبلي فيها بلاء حسنا ، وما أن تنتهي حتى يعرج على حوانيت قومه ويعب منها ماطاب له .
إ
فلسفة الموت والحياة عند طرفة
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
رغم حداثة سنه ، كان طرفة يدرك أن الحياة قصيرة ، وأنه من أجل ذلك يجب أن يستمتع بكل ملذاتها ، طالما أن الموت سيأتي حتما ، وحين يأتى لاراد له . وقد استخف بالبخلاء القادرين على التمتع بمباهج الحياة ولا يفعلون . اما هو فقد صمم على أن يرتوي من ملذات الدنيا ، وتحدى بخلاء قومه أن يفعلوا مثله ، وألا يموتوا متعطشين لمتع الحياة ، بينما يكون هو قد ارتوى منها :
كريم يروي نفسه في حياته
ستعلم إن متنا غدا ، اينا الصدي ؟
أرى قبر نحام بخيل بماله
كقبر غوي في البطالة مفسد
إذن هو يرى أن الموت يستوي فيه الغني والفقير ، والبخيل والكريم وقبراهما متجاوران .
و قد سخر من ذلك الشخص الذي لامه على انغماسه في الحرب من جهة ، والتماس المتع في محلاتها من جهة أخرى ، وناقشه موضحا أننا جميعا ننتظر الموت ، ولا تستطيع أنت ولا غيرك التحكم بموعده حين يأتي ، وبما انك عاجز عن ذلك فدعني اتعامل مع الحياة بإمكاناتي الخاصة :
الا ايها اللائمي أن أحضر الوغى
وإن اشهد اللذات هل أنت مخلدي
فإن كنت لاتسطيع دفع منيتي
فدعني ابادرها بما ملكت يدي
ولم يكتف بهذه العقيدة التي شرحها ووضحها ، وإنما راح يؤكد عليها ، مستذكرا أن الموت حتمي ، ويمسك بحبال الحياة ، ويشدها إلى القضاء على الحياة متى أراد :
لعمرك إن الموت ماأخطأ الفتى
لكالطول المرخى وثنياه باليد
تحدث طرفة عن الموت بهذه اليقينية الثابتة ، وتبلور إحساسه بقصر الأجل ، ولذلك راح يفر من هذه الحقيقة إلى ما يتلاءم مع ملذاته .ولكنه لم. يهمل إبداء رأيه وتعليله لما يفعل .
مقتل طرفة :
“”””””””””””””””
ضاقت السبل بالشاب طرفة ، وشح ماله الذي أنفقه دون أن يحسب حسابا ليوم اسود ، وقد أحس بانه بالغ في ملذاته حتى إنه اضطر لبيع كل ما يملك من القديم والجديد ، فكان ذلك مدعاة لازدراء قومه له فقاطعوه ، وأصبح كالبعير المطلي بالقار الذي يبتعد عنه الجميع ، .في ذلك قال :
ومازال تشرابي الخمور ولذتي
وبيغيى وإنفاقي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني العشيرة كلها
وأفردت إفراد البعير المعبد
فراح يبحث عن رزق له ، وسرعان مااستقر ترحاله لدى الملك عمرو بن هند أحد ملوك المناذرة في الحيرة ، وربما شجعه خاله المتلمس الذي كان هناك . وقد وجد الملك في طرفة شاعرية فذة ونديما للسهر مع خاله الشاعر المتلمس ..لقد كان هذا الملك اشهر ملوك العرب واقواهم ، إلا أنه كان متقلب المزاج ، ويعد نفس