Views: 16
عبق اليراع …..ليلاس زرزور : صحافة وإبداع
*بقلم سعد الله بركات
لافت أن يكون الشعر هواية ، ولافت أكثر ، ألاّ تغرق المهنة صاحبها في تفاصيلها والمشاغل ،فتئد بذرة الإبداع …،فكيف إذا احترف مهنة المتاعب ! أن تكون صحفيا حقيقيا ، فطموحك مركّب من طموحات الناس، أما أن تجمع بين الصحافة والإبداع الشعري ، فذاك يضاعف مهمتك ، ويلقي على منكبيك مسؤوليات جساما…..
لكنّها ازدواجية محببّة لا يستطيعهما أي إنسان ، إلا من امتلك أدواته الفكرية مع صفاء النفس الشاعرية ،. فالأدب والصحافة توأمان بحسب الشآمي عبد الغني العطري ، (أديب الصحفيين وصحفي الأدباء )،
حين حفزني الشاعر والزميل الإعلامي أبو ساري ، على متابعة موقع ليلك برس وزهرة الليلك ، أدركت قصده والثقة ، فوجدته واحة زاهية من فكر وأدب يشمخ من أمستردام لكل قرّاء العربية ،لأجناس الأدب ،بل لمست كيف يفوح عطر هذا الليلك الثقافي بعناية الشاعرة ليلاس زرزور ومساهمتها الرائعة ، بما منحته من جهد بل من اسمها لتكون ليلكته العابقة دوما بأريج رقيّ القيم ، محمول على رؤى نافذة ومنشودة . ذلك قبل ان تحفزني الصديقة المبدعة نازك مسوح على الكتابة في الليلك ، فكانت مقالتي عن قصيدها فاتحة أفق جديد حين منحت ثقة النشر ،ما يشي أنها متابعة من الطراز الرفيع .
يستمدّ اسم ليلاس معناه من الطبيعة؛ إذ يرتبط بزهرة بنفسجية نادرة تزهر في المناطق الجبلية، وتُعرَف هذه الزهرة بجمالها وشهرتها العالمية، ويُعَدُّ اسماً أعجمياً مؤنثاً انتشر بين العرب ، وهو يعكس حلاوة الفتاة وحنانها ، كما يشي بذكائها وحكمتها .
مابين أريج حلب الشهباء ، حيث ولدت ، وزهور أمستردام ، مشوار حافل بثقافة وعطاء ، معرّشا على ياسمين الشام ،تشرّب روح التراث ،ليمازج حداثة العصر ، فتجمع ليلاس طرفي مجد (الأدب وصاحبة الجلالة ) ، على نحو فريد ، كيف لا وقد غاصت في بحور الشعر ، فالتقطت لآلئ بحور الحب ، و راحت تقود سفن يراعها إلى شواطئ الأمان من عشق وتوق وتعلي أشرعة قصيدها بوفاء الحنين ، إنـِّي أَحنّ
إنـِّي أَحِـنُّ ومـا لـغـيرِكَ أَهْـمِسُ أنـفاسُ عِـشقِكَ في الهَوى أتَنَـفَّسُ
وذرفتُ من شوقي دموعَ صـبـابةٍ فعسى بـبـحركَ لو أعومُ وأُغْـمَـسُ
ولـكـمْ مـضـيـنا والوصالُ يَضُـمُّـنَا ماكـانَ فيـنا مَـن ْيـَضِنُّ ويَـبْخَـسُ
هذه القصيدة تذوّقها حبيب يعقوبي فقال ((قصيد يشجيه البوح ، وتتغنى به الضاد فتنشده ، بلاغة لفظ صبوح عذريّ المعنى، عذب الكلمة فصيح البيان، يرتشف خمر الحروف فتسكره بنشوى القوافي والروي، مشبوب بالعواطف والشعور ،عجز وصدور، هذا الجمال يغار منك ولم يزل ،وهذا الشعر يغار منك وسيبقى ، يقول إنك سيّدة العروض والقوافي نظما وصياغة وخلو صناعة، وإبداع جللته عرائس القصائد ))
أشرعة ليلاس حاكتها ببراعة وشغف ،ما زاد متانتها وألق النقاء ،فلا تمزّقها عواصف حقد بغضاء، هي التي ترى (للصمت في أحداق الضوء حكايا تبوح ) فتشدو (نفَحات الروح )
أَنِـرْ دُنياكَ دَومـاً بالنَـقاءِ فَما للخَلْقِ فيها مِنْ بَقاءِ
حَذاري أنْ تَرُدَّ على سَفيهٍ فَرَدُّكَ للسَفيهِ منَ الغَباء
سُرُورُ النفْسِ يَكمُنُ في رِضاها وترْكُ الشرِّ من كَرَمِ الإباءِ
وَإنْ تَزرَعْ بُذُورِ الحُبِّ يَوماً تُرَدُّ إليكَ مِن أهلِ الوَفاءِ
وعلى هذا النحو تضفي شاعرتنا على الحبّ بريقا جديدا ، حتى أنّ الديوان التاسع ، آخر دواوين الحبّ من قصيدها ، جاء بعنوان ((للحبّ بريق آخر ))ليستوقف مواطنها القس والشاعر جوزيف إيليا ، في قراءة خاصة فاعتبر ((العنوان مدخلًا لإعطاء القارئ فكرةً موجزةً عن فحواه )) وأضاف :فإنّي لأشهد بأنّ شاعرتنا المجيدة الأستاذة ليلاس زرزور قد أجادت حين عنونت ديوانها هذا “للحبّ بريقٌ آخر” وكأنّي بها تدعو قارئه لتقليبه بشغف ينسى معه دنيا أعطبت عجلاتِها مساميرُ البغضاء ، ويدخل بثيابٍ جديدةٍ قشيبةٍ حاكتها أنامل المحبّة من عباراتٍ الجمال الفكريّ ، ما يجعله ، أكثر قربًا من الآخر مفعمًا، بسلامٍ وحبّ حقيقيٍّ ، وهو يردد شِعرٍا غلب عليه جمال الصّياغة وسلاسة العبارة وعذوبة القافية ونقاء الفكر ،وقد انتقلت فيه بكفاءة من الوجدانيّ إلى الوطنّي والصّوفيّ )):
يا ثورةَ الحبِّ في نبضي وأيامي يا نفحةَ الشّعرِ في بستانِ إلهامي
لامست بالشّهقةِ الأولى أنامِلَهَا فانسابُ نهرُ الشّذا من تحتِ أقدامي
نمْ قربَ نافذةٍ للرّوحِ ياشَغَفي عطرْ منامكَ من أزهارِ أكمامي
بحرٌ من الشّوقِ في عينيكَ يغمرُني ها…نحن نغرقُ في بحرِ الهوى الشّامي
هذا الهوى الشآمي لفح الشاعر إيليا فقال (( لقد وجدت نفسي وأنا أقرأ مجموعتها الشِّعرية هذه منتصرًا على غربتي بالمشي في شوارع حلب والّلهو في حدائق دمشق و مقاهي الّلاذقيّة وإحياء أمسيةٍ شِعريّةٍ في الحسكة، وقد أسرني حنينٌ موجعٌ وشدّني إلى كلّ شبرٍ من أرض الشّام وأنا أتلو لها البيت :
إلى أرض الشّآمِ تحنُّ روحي فيا وجعي وقد طال ابتعادي ))
كيمياء الحب عند ليلاس فريدة ، ومعشقة من توق وحنين لوطن تتنسم هواءه وإن عن بعد ، كما هو عشق لإنسان والقيم :
يا أقرب النبض في كُلِّي وإحساسي يا مؤنسا .. عابقا .. يا أَقربَ الناس ِ
ذكراي أَنت َ وليل ُ الشعر ِ في شغب ومشربي إذ صفا في طافح الكاس ِ
وهجاً حَللت َ فدعني فيك َ مُتَّحداً كومضة ٍ في فضا الياقوت ِ والماس.
و شاعرتنا من روّاد أدب الاغتراب الحديث ، وتراه في حوار مع القبس الكويتية ((،أنّ مبدعيه يشبهون بافكارهم، شعراء جيل جبران ورفاقه ))،ومن مغتربها الهولندي شدت لتحرير الشام ، عبر قصيدة مشتركة لشعراء منبر أدباء الشام 16 آذار 2025 موحّدة الوزن والقافية :
رصّوا الصُفوفَ فأرضُ الشامِ واحِـدةٌ وَلــن يُقَسِّمَهـــا الباغـــي لأقســامِ
تبــاركَ اللهُ مــا أحلــى مَدائننـــــــا كأنّهــا رُسِمَــتْ من وَحْــيِ رَسّــامِ
كما هي رائدة أنصار القصيدة العمودية التي تبرع فيها كتابة وإلقاء، مساجلة منبرية ، عدا عن كونها محاورة ماهرة ،تخصص برنامج نوابغ الشعر العربي وملفات عدة من المجلة للقصيدة الفراهيدية ، وترى (( أسلوبها الشاعري والتعبير الفني العميق، يمكنها من التعبير بشكل مؤثر . وتميّز ها عن النثر ب:((بتنظيم هيكلي محكم، ما يعزّز الإيقاع عبر القافية والوزن ، كما أن لغتها الفنية تمنحها عمقًا أدبيًا))
نقاء فكر ليلاس ،ليس برفعها لواء الحبّ فقط ، بل بتكريسها قيما مجتمعية سامية ، ليس في ديوان ،،حكم المواعظ ،، وحسب بل بنصائح للأيام :
صَديقُكَ قد تُقاسُ بهِ لهذا تأنّى باختيارِ الأصدقاءِ
هُدوءُ البَحرِ لايَعْني أمانٌ فَلو قد هاجَ يُنذِرُ بالفَناءَِ
شُعُورُكَ أنّكَ الأعلى غُرُورٌ فكُنْ مُتواضعاَ جَمّ العَطاءِ
جَمالُ الشَكْلِ تأخُذُهُ الليالي وَحُسْنُ الرُوحِ مِن غَيرِ انتِهاءِ
# الأديب د.أنور ساطع أصفري . قرأ الحب لدى ليلاس زرزور ، في قصيدتها ” يا لائمي في الهوى ” فوجدها لوحةٍ سريالية تتشابك بها معطياتها مع الزمان والمكان :
” فالروح بالروح من أشواقنا انصهرت ” ” والقلب بالقلب من سحر الهوى خُلطا ”
ويقول: ((يلمسك برقة النسيم فيدغدغ جوارحك كلها ، وينساب منك عطر يفوح يملأ المكان ، عشق ، ، ليس له سبب معروف ، ولكنه دائماً له نفس المذاق ، ” يا لائمي في الهوى ” البداية توحي بعمق المعنى الذي تريده الشاعرة .
“” فكل ما فيك من سحر ومن عجبٍ * كأنه من جنان الخلد قد هبطا “”
فحبّنا الشمس إن طلّت بروعتها * وحبّنا الورد لو قطر الندى سقطا “” .))
قبل أن يستنتج :((أن للحب اللامتناهي مساحة كبيرة في حياة الأديبة ليلاس ،.. مساحة وجدانية تكوّن شخصية الشاعرة التي استخدمت في قصيدتها كلمة ” قلب ” ست مرّات ، وكأنها أرادت أن تقول إن القلب يبصر ،ببصيرة تتخطّى حدود البصر ،
والقلب يفقه ،بما يعني أن يُدرك ما وراء الظاهر ، ويغوص في الأعماق ليستنبط ما خفي ويكشف ما استتر . فيراعها يزرع الحب في كل مكان ،،الشمس والورد والعيون والمرايا ، والطير والنجوم و….بلغة تُميّزها ،.وقد أبهرتنا بسحر كلماتها :
نَطيرُ بينَ نُجومِ الليلِ يحْمِلُنا عشقٌ يحثُّ بنا نحْوَ الخُلودِ خُطى
فحينَ شابَكَ قلبينا بروعَتهِ ما أخطأَ الحبُّ ياعُمري وَما غَلِطا
فرشْتُ رِمشاً بعَيني كي تنامَ بهِا ورِمشُها الآخرُ الأعلى إليكَ غِطا
فأنتَ بين عُيوني لاتُفارقُها فنَمْ هَنيئاً قَريرَ العَينِ مُغتَبِطا
وليلاس بارعة في فن الموشّح بشهادة تكفيها فخرا من الشاعر خالد خبازة ،، مرفقة بصورة ،،
الشاعر والناقد حسين علي الهنداوي ، قارن قصيدتها ( سيّد الهوى ) المرفقة بصورة أعلاه ،مع قصيدة أبو فراس الحمداني ،،أراك عصي الدمع،، وغاص في معانيها :((إنها معاني لا يدرك كنهها إلا من غزته أشواق الحب ،وسافرت به على بساط ريح متميز ،فهي ١- معاني سامية ، والشاعرة من اصل كريم ،تحب بصدق ، ومعانيها ترتقي بالمرأة روحاً ، وإن كان للجمال الجسدي أثره على نفوس الآخرين، وليت كل المحبين يؤثرون الروح على الجسد، لأن الحب الحقيقي ملائمة به الروح …٢-.وأمّا العاطفة ، فحملت النص إلى أعلى عليّين، وكما كنت أردد دائما أن عاطفة الحب عند الشاعرات المجلّات أكثر عمقاً من الشعراء المحبين،
٣_و بموسيقى البحر الطويل الذي يستوعب المعاني ، وتتفرّد به ليلاس وهي تشدو قصيد الحب ، وما كلّ شاعر يستطيع هذا ، إضافة إلى استخدام قافية الراء المضمومة المعبّرة .
٤_ والنص يعجّ بالخيال الشعري والصور التي نحتتها الذاكرة بأسلوبية لافتة :
(( فنحْنُ طُيورٌ والهوى سنديانَةٌ تُظللّنا بالحُبِّ أوراقُها الخُضْرُ))
عبر لوحة فنية رسمها خيال الشاعرة الثرّ. حملتنا ليلاس إلى أخيلة الحبّ في الطبيعة ، ليعجّ النص بقيم الشوق ، من يراع شاعرة تسابق النجوم في سماء الحب.))
………………………