،، أربعون عاما يادمشق،، *بقلم سعدالله بركات

Share

 

&& من عبق الشام نفحتني نسمة

ياسمينة هزت كياني  … وأضاءت في النفس عتمة && والشام  أحتضنها على شغاف القلب وبين الجفون ، كما احتضنتني فتى لأدرج في مرابعها على دروب علم وعمل ، بل وفتحت أمامي آفاقا من رحاب  العالم واكتناز تجربة حياة من المعارف والصداقات  من غير بيئة ومشرب ، كما النجاحات على ما تخللها من عرقلة وخيبات .

 وأما قاسيونها ، وما يكتنز من شموخ حضارتها والتاريخ   فقد تكحّلت  بمرآه  عيناي حين يعانق الشمس صباح مساء ،مذ جاورته عملا ثمّ سكنا ، فتنشّقت نسيمات الربوة وعذوبة بردى ، على مدى عقود وسنوات .  

   ونفع دمشق عميم وأثره في نفسي مقيم ، لقد احتوتني مطالع الشباب وفتحت أمامي على مصاريعها  الأبواب ، لعلم وعمل   ثم ماتع على مافيه من صعاب ،،  .

لم أكن أحسب  – ولا دولاب أمّي – أن أستقر في دمشق وقد زرت أخي مطرب صغيرا وعرّفني على جامعتها حين قال ( هذه التي ستدخلها يوما)  قبل اجتيازي فيها  امتحاني  الإعدادية  والثانوية  بتفوق نسبي  ، ، وقبل أن يتيح  عملي فيها   فرصا  لمتابعة  الدراسة فألج جامعتها العريقة  وأغادرها بإجازتين ودبلوم  ، على يد أساطين علم وقيم ،الدكاترة : مازن مبارك ، شكري فيصل ، عاصم بيطار نايف بلّوز ، طيب تزييني ، اسكندر  لوقا، ميشيل كيلو ،حسين العودات ، محمود فاخوري , محمود السيد ومنى الياس ، قبل أن يتخرج منها أبناؤنا الأربعة في علوم الطب والاقتصاد والحاسوب .

(( من عبق الشام نفحتني نسمة..  أضاءت في النفس عتمة …
ياسمينة هزّت كياني        وفي القلب عزفت نغمة …،))

في دمشق ، وبمصادفاتها الحسنى والفريدة،   نفحني عشق أسعدني بشريكة عمر ورفيقة  درب  ومعاناة ،وبلوغنا  من الطموح غايات،  عززتها ووسعت آفاقها   ، فلولا صدفة قادتني للعمل في مدرسة المنصور – باب توما ، لما تعرّفت على أنسباء قربى فأكون النسيب الأقرب  و ألتصق بدمشق التصاقا حميميّا لأربعة عقود ، وهذا ما لم تكن تحسبه أمي، وقد عاد أغلب  زملائي للتعليم  في البلدة عند أهاليهم .

وحين بادر صديقي الزبداني ، لنقلي موجها في معهد ، يؤمّن السكن والطعام  ، فرحت أمي  كما فرح دولابها مذ باشرت بناء دارطينية حيث وجد لنفسه متسعا ،ولأمي متنفسا كما لأبي ونوله ، في غرفة مشمسة طالما تشهّياها  . 

كانت فاتحة مبادرات الصداقة نحوي ، وكيف أنسى  مبادرة صديقي الطرطوسي العتيق  ومثله الشآمي الرقيق ،و من دير الزور  وإدلب  و درعا  والسويداء والقلمون ومن..ومن …، وأحسب أني ما نكرت جميلا  ، بل وبادرت بمثلها لعديد من زاملت،  ولا تسألوني عمّن غدر أونكر  من ذوي قربى أو صلة ! 

 فرحت كما أمّي بما فتحت لي الشام من آفاق خبرة تعليم وإدارة أو في مهنة المتاعب ، وما أتاحت لي من  فرص  وصداقات زمالة وجيرة ، سرّت بها أمي وتفاخرت،   وهي تغنّي لدولابها فيسرع دورانا بلا توقّف حتى عتبة الثمانين  . 

 كان منى العين والقلب ، التمتّع  بفسحات ( صحراء ) ،،صدد،،، حيث تتناغم نواقيسها مع مآذن الجوار ، وحيث أماسي مرابع الطفولة وصباحاتها وقد حملتني  من إعداداتها  رياح العلم إلى حمص  ، فلا أنا ارتويت يافعا ، ولا حين  راحت تحتضن من جديد  جيلنا الذي باعدته مسالك الحياة،لكن  الأمل ما يزال  وإن في ثراها.        

  وحين تخفّفنا من ضغط  العمل  ،و رحنا  نستعيد تلك الأيام ، أو نتذوّق نكهة  أوابد  ومناشط الشام  ، سرعان ما  قذفتنا رياح غربة اختارتنا عبر المحيط ، وها نحن نردّد مع  الشاعر الموريتاني :                                           =======

** من رواية دولاب أمّي-١٢-

 MD 15-12-2025  ** ذكرى مولد آخر العنقود

  

      *** اللوحة بريشة الشاعر الفنان غانم عبدو الخوري