Views: 46
المعرفة والتقدّم
د. صلاح جرّار
يعدُّ بناء مجتمع المعرفة السبيل الأضمن لتجاوز جميع الأزمات التي تمرّ بها الأمّة، ويبدأ بناء هذا المجتمع من خلال تكريس الجهود التي ترمي إلى محو الأميّة بمختلف صورها بدءاً من أميّة الحرف ومروراً بأميّة الحاسوب والعلوم وانتهاءً بأميّة العقل. ويلي ذلك دعم المؤسّسات التعليمية من رياض الأطفال إلى المدارس والمعاهد والجامعات ومراكز الأبحاث، وكذلك دعم المؤسسات الثقافية من نوادٍ وجمعيات ثقافية ومراكز ثقافية ودور عرض ودور نشر ومجلّات وصحف وغير ذلك.
وما يُقال عن المجتمعات في هذا المجال يقال عن الأفراد، فإنّ الإنسان العارف والمتعلم يكون في العادة مسلّحاً بالمعرفة والعلم في التصدّي لما يواجهه من أزمات وعقبات في مسيرة حياته، لأنّ المعرفة شرط للحكمة، والحكمة – كما يراها السلف- رأس التدبير وسلاح النفس ومرآة العقل، وبها تذلُّ المكروهات.
وشتّان ما بين مجتمع يتسلّح أهله بالمعرفة ومجتمع يستكين أبناؤه إلى الجهل، وشتّان ما بين امرئ يتحلّى بالمعرفة وآخر غارق في الجهل، فمجتمع المعرفة يتخذ من معرفته نوراً يضيء له سبل التقدم والنجاح والتفوّق، ومجتمع الجهل يزداد أبناؤه خمولاً يوماً عن يوم وتخلّفاً عن سائر الأمم، ويصبح عرضةً للاضمحلال ومهدّداً بطمع الآخرين فيه والتطاول عليه واستضعافه.
وكذلك الإنسان المتبحّر في المعرفة يكون أقدر من غيره على شقّ طريقه إلى النجاح والتفوّق وتحقيق الطموحات والقيام بدور قياديّ في المجتمعات، لأنّ المعرفة تنير له مسالك الحياة صعبها وسهلها، وأمّا من يرضى لنفسه بالجهل فإنّ الجهل يقعد به عن النجاح والتقدّم واكتساب مكانة رفيعة بين أبناء مجتمعه، لذلك قال تعالى:” يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ” وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم “فقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشَّيطانِ من ألف عابد” وقال عليه السلام: “إنَّ مَثَلَ العُلَماءِ في الأرضِ، كمَثَلِ النُّجومِ في السَّماءِ، يُهتَدى بها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، فإذا انطَمَسَتِ النُّجومُ، أَوشَكَ أنْ تَضِلَّ الهُداةُ”.
وما ذلك إلاّ لمكانة المعرفة ودَوْرها في بناء الأفراد والمجتمعات وتقويتها وتحصينها وتطويرها، فإمّا على مستوى الأفراد فإنّ المعرفة أداة بالغة الأهمية في بناء العقل الفاعل وإمداده بالحيوية والنشاط وتمكينه من الإبداع وإنتاج معرفة متجدّدة، وبالمعرفة يستطيع المرء أن يتعامل مع محيطه تارة باللين وتارة بالشدّة وفق مقتضيات ذلك المحيط، إذ توفر له المعرفة أدوات التخطيط السليم وشروطَهُ للتعامل مع كلّ ما يحيط به وما يتطلع إلى تحقيقه، كما تزوّده بالغذاء العقلي والروحي، وتضمن له السلامة العقلية والنفسية والوجدانية، وتجعله قادراً على تذليل المصاعب التي يواجهها. والمعرفة سلاحُ المرء في مواجهته للمخاطر التي تلحقه أو تهدده سواء أكانت مصادرها الطبيعة بكوارثها وزلازلها وتقلّباتها أم الأمراض والمخلوقات والإنسان أم غير ذلك. وكلّما ازدادت مساحة المعرفة ورصيدها لدى الإنسان زادت فاعليته وفاعلية عقله وزادت فرصه للتكيّف مع محيطه الاجتماعي والإنساني والبيئي. كما أنّ أرقى درجات المعرفة لدى الإنسان هي تلك التي تساعده على إنتاج المعرفة وتوليدها، وتلك التي تعنى بالإنسان وتسهم في توفير حياة فضلى له وظروف أكثر ملاءمة لعيشه، ولذلك فإن المعرفة الصافية هي التي تخلو من شوائب الفضول وتتجه إلى ما يرقى بالإنسان: ظروفه وسلوكه ووجدانه وضميره وذوقه ووعيه وعقله. والمعرفة وسيلة للتمايز بين بني البشر، والمركب الأكثر ضماناً لتحقيق الطموحات والتطلّعات والاحتياجات.
وأمّا على مستوى المجتمعات والأمم، فإن المعرفة معيارٌ للتمايز بين الأمم وهي السلاح الذي تلوذ به الشعوب لبناء ذاتها وتطوير قدراتها ومواجهة أعدائها، ولا يستطيع أحدٌ أن ينكر أن التفوّق الذي يشهده الغرب في مختلف مجالات الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والصناعية أساسه التفوق في المعرفة، وأنّ التخلف الذي ترزأ كثير من دول المشرق تحته أساسه الفقر المعرفي، كما أن اقتدار دول الغرب والدول المتقدمّة على بسط سيطرتها على الشعوب الأضعف وإملاء إرادتها عليها أساسه القوّة المكتسبة من المعرفة، وأن عجز الدول الضعيفة عن مواجهة المخاطر والتحدّيات التي تواجهها مصدره قلة إيلاء المعرفة ما تستحقه من العناية والاهتمام. وقد ثبت من خلال أحداث التاريخ ووقائعه أنّ العصور التي ساد فيه العرب هي العصور التي شهدت فيها أسواق المعرفة رواجاً عظيماً في بلدانهم، واقتران حجم الإنجاز العقلي والفكري والمعرفي لديهم بدرجة تفوّقهم على سائر الأمم، ولمــّا تراجعت مكانة العلم والمعرفة لديهم تراجعت معها مكانتهم السياسيّة وأصبحوا مستهدفين حتّى من الأمم والشعوب الضعيفة واستنسر عليهم بغاث الطير ممّن لم يكن له شأن في يوم من الأيام، والشواهد على ذلك كثيرة.
إنّ الحروب المعاصرة هي حروب علم ومعرفة، والأكثر معرفة وعلماً هو الأقدر على الصبر والمواجهة، والمعرفة في هذه الحروب قوامها معرفة الآخر معرفةً تمكّن الخصم من التعامل معه، بمعنى معرفة نقاط القوّة ومواطن الضعف لديه، ولايتأتّى ذلك إلاّ بدراسة جوانب حياته كافّة: الاجتماعية والعقلية والثقافية والاقتصادية والسياسيةـ وقد يستخدم للوصول إلى هذه المعرفة علماء متخصّصون أو جواسيس متخصّصون. كما أنّ المعرفة المستخدمة في هذه الحروب (حروب العصر) هي معرفة أسرار العلم والتكنولوجيا، وهي التي يمتلكها الغربيّون والأمم المتقدمة بالفعل ويستخدمونها في تطوير الأسلحة أو الدفاعات، سواءً أكانت أسلحة تقليدية أم حديثة أم نووية أم جرثومية أم كيماوية أم غيرها. وهذا ما يفسّر قدرة بعض الدول على تحدّي التهديدات والمخاطر التي تشكلها الدول العظمى وعجز بعض الدول عن مواجهة تلك الأخطار، فتستسلم لإدارة الدول العظمى وتذعن لرغباتها وإملاءاتها. ومعنى ذلك أنّ الفقر المعرفي يؤدّي إلى ضعف المناعة السياسية والعسكرية ويؤدي إلى تنازل الدول الفقيرة معرفياً عن جزء من إرادتها وربما كلّها فضلاً عن ثرواتها وأراضيها. فقلة المعرفة هي أعظم خطر يهدّد الشعوب والأمم.
وعلى ذلك فإنّ قوّة الأمم وتقدّمها تبدأ من المعرفة وتستمر باستمرار المعرفة وتتجدّد بتجدّد المعرفة، ولذلك فإنّ مجتمع المعرفة هو مجتمع التقدم والتطورّ وهو المجتمع القوّي.
ولكي يتحقق مجتمع المعرفة لا بدّ من توفير فرص التعلّم لأفراد المجتمع كافّة وإزالة جميع العراقيل التي تقف في طريق التعليم ولا سيّما العراقيل الاقتصادية، فالدول المتقدّمة لا تثقل كاهل الطلبة وذويهم برسوم التعليم، لأنّ المعرفة والتعليم في نظر تلك المجتمعات المتقدمة هو استثمار وطني بالغ الأهمية يجب الإنفاق عليه من الدولة لإنجاحه، على خلاف ما يحدث في دول العالم الثالث التي تتخذ من التعليم وسيلة لتحسين إيرادات الدولة من خلال رسوم التعليم الباهظة.
وإلى جانب ضرورة العمل على محو أميّة الحرف وأميّة الحاسوب، لا بدّ للدول التي تتطلع للنهضة والتقدم من مراعاة التوازن بين أشكال المعرفة المختلفة والتركيز على الجوانب المعرفية التي تتّفق وخصوصية المجتمع.
ومن الشروط المهمّة في بناء مجتمع المعرفة إشاعة مهارة استخدام مصادر المعرفة ووسائلها كالمكتبات والحواسيب، وتدريب أبناء المجتمع على الوصول إلى المعرفة، لأنّ مهارة الوصول إلى المعرفة لا تقل أهمية عن المعرفة ذاتها.
إنّ المعرفة المطلوبة للمجتمعات التي تتطلّع إلى التقدّم يجب أن تشمل معرفة هويّة الأمّة وشخصيتها وتاريخها وجغرافيتها ولغتها وحضارتها، ثم يلي ذلك معرفة الآخر الذي يمثَّل الخصم أو النقيض للأمّة معرفة تساعد على فهم سلوكه وتفسير مواقفه والتعامل معه، ثم معرفة وسائل تحصين المرء نفسه ضدّ الأمراض والطبيعة والأعداء، ومعرفة تجارب الأمم للاستفادة منها، ومعرفة كلّ ما يحيط بالإنسان ويتعامل معه بشكل يوميّ متكرر، ومعرفة كيف يطوّر المرء نفسه ومحيطه وظروفه نحو الأفضل، ومعرفة التكنولوجيا وأسرارها واستعمالها.
إنّ من مظاهر أزمة المعرفة عند العرب أنها معرفة لا تحقق التوازن بين أشكال المعرفة المختلفة، فقد أغفل أبناء هذه الأمّة كثيراً التكنولوجيا والصناعات، وصرفوا أنظارهم كثيراً نحو الدراسات الإنسانية والطبّ والهندسة المدنية، ولم يراعوا متطلبات العصر ومقتضيات الظروف إلاّ قليلاً. إنّنا لا ننكر على أبناء الأمّة انصرافهم إلى تحصيل المعرفة الأدبية واللغوية والتاريخية والدينية، ولكننا ندعوهم إلى جانب ذلك للاهتمام بالمعارف العصرية والمعارف العلمية والصناعية والتكنولوجيا وغيرها من المعارف التي تساعدهم على مواكبة تطوّرات العصر في المجالات العلمية المختلفة وتساعدهم في تحقيق مكانة لهم بين الدول المتقدّمة.
إنّ مسؤولية تحقق مثل هذا التوازن تقع على عاتق المؤسسات التربوية والتعليمية من مدارس ومعاهد وجامعات مثلما تقع على عاتق راسمي السياسات الوطنية العليا مثل وزارات التخطيط والصناعة والتجارة وغيرها، كما تقع هذه المسؤولية على عاتق الأسرة والوالدين على وجه الخصوص.
وأخيراً فإنني قد لا أكون مبالغاً إذا قلت إنّ معظم صور الجمال في الحياة مردّها إلى المعرفة، ومعظم صور القبح مردّها إلى الجهل وفقر المعرفة، فالنظام والنظافة والعدل والمحافظة على البيئة والإنسان والمظهر والجوهر كلّ ذلك عائدٌ إلى المعرفة، وفي مقابل ذلك فإنّ الفوضى والظلم والقبح والقذارة والمرض كلّ ذلك من علامات فقر المعرفة.
وكذلك نقول إنّ المجتمعات الراقية هي مجتمعات المعرفة، والمجتمعات المختلّفة هي مجتمعات الجهل. فبالمعرفة نضمن التقدم والرقيّ والازدهار والمنعة، ومن دونها سوف نظلّ نتخبط في إشراك التخلّف.

































