Views: 2
«بلاغة الفقد ونقاء الذاكرة: قراءة نقدية في مرثية ليلاس زرزور للسيدة فريال النشاش»
د/ أميمة منير جادو
باحثة وناقدة اكاديمية- عضو اتحاد كتاب
مدخل تمهيدي
ينتمي الرثاء إلى أصفى الأغراض الشعرية، إذ يُختبر فيه صدق التجربة وعمق الانفعال قبل أي حيلة فنية. وفي قصيدة «إلى روض الخلود» للشاعرة ليلاس زرزور، لا نقف أمام رثاء تقليدي يكتفي بالبكاء أو تعداد المناقب، بل أمام خطاب شعري مزدوج: رثاء للراحلة، ومواساة للحي، وتثبيت لقيم أخلاقية وإنسانية تتجاوز الفرد إلى المثال.
القصيدة تُقال «بخشوع»، كما صرّحت الشاعرة، وهذا الخشوع يتسرّب إلى اللغة والإيقاع والصورة، فيغدو النص أشبه بـ مرثية أخلاقية روحية تُشيِّع الجسد، وتؤبِّد الأثر.
أولًا: البنية العامة والنسق الدلالي
تتوزع القصيدة على ثلاثة محاور كبرى متداخلة:
صدمة الفقد وانكسار الداخل
تمجيد الراحلة بوصفها قيمة إنسانية
الانتقال من الرثاء إلى التسليم الإيماني والمواساة
ويظهر هذا النسق منذ المطلع:
«تداعى الصبرُ فانفجرَ البكاءُ
وحلَّ اليأسُ وارتحلَ الرجاءُ»
هنا يبدأ النص بانهيار ثنائية الاحتمال (الصبر/الرجاء)، وهو مدخل نفسي صادق يعكس لحظة الفقد الأولى، حيث تتعطّل آليات التماسك.
ثانيًا: المعنى (الدلالة والرؤية)
1. الفقد بوصفه خللًا كونيًا
لا يُصوَّر الموت كحدث فردي، بل كاختلال في منظومة القيم:
«لقد فقدَ الوفاءُ أجلَّ نفسٍ
بها قد حلَّ، فاضطربَ الوفاءُ»
الوفاء هنا كائن معنوي يهتز بغياب صاحبة الوفاء، فيتحول الرثاء إلى محاكمة رمزية للعالم بعد فقد النقي.
2. صورة المرأة المثال
ترسم الشاعرة للراحلة صورة المرأة الجامعة بين الأخلاق والعطاء:
«وإنكِ للمكارمِ كنتِ أهلاً
ومن كفّيكِ تمتلئُ الدلاءُ»
العطاء هنا ليس معنويًا فقط، بل يوميٌّ حياتيٌّ، مما يرسّخ صورة المرأة المربية، الحاضنة، المعطاءة.
ويبلغ هذا المعنى ذروته في البيت المفصلي:
«ففيكِ أقولُ يا فريالُ صدقًا
إذا ما قلتُ تُختصرُ النساءُ»
وهو بيت دلالي مركزي يجعل من الراحلة خلاصة رمزية للأنوثة القيمية، لا الجسدية.
ثالثًا: المبنى الفني (اللغة والصورة والبلاغة)
1. اللغة
لغة القصيدة جزلة فصيحة، تميل إلى القاموس الكلاسيكي للرثاء، دون افتعال أو غموض. الألفاظ الكبرى (النقاء، الوفاء، السماحة، العطاء، الضياء) تنتمي لحقل القيم العليا.
2. الصورة الشعرية
تتنوّع الصور بين:
تشخيص:
«تداعى الصبر» – «ارتَحل الرجاء» – «تموت الحروف صبرًا»
تشبيه تمثيلي:
«ومثلُ الشمسِ كنتِ إذا تجلّتْ
يلوحُ الدفءُ منها والسناءُ»
استعارة مركبة:
«وتنهشني المواجعُ حين صارت
ذئابًا في الخيال لها عواءُ»
وهذه الصورة الأخيرة تُجسّد الحزن كقوة مفترسة، وهو انتقال من الانفعال الداخلي إلى المشهد التخييلي.
رابعًا: الموسيقى والبحر
البحر الشعري
القصيدة مكتوبة على البحر الوافر:
مُفاعَلَتُنْ مُفاعَلَتُنْ فَعولُنْ
وهو بحر مناسب لمقام الرثاء، لما فيه من اتساع نفسي وقدرة على احتواء الانفعال الممتد.
الموسيقى
القافية الموحدة بالألف الممدودة والهمزة (ـاء) تمنح القصيدة نبرة نواح طويلة.
التكرار الصوتي (الصاد، الراء، الهمزة) يعمّق الإحساس بالانكسار والأنين.
خامسًا: البعد الإيماني والتحول الختامي
تنتقل القصيدة في خواتيمها من الانفعال إلى التسليم:
«تسيرُ لربِّها كلُّ البرايا
من الدنيا ولله البقاءُ»
ويُختتم النص بنداء المواساة للشاعر سعيد يعقوب:
«فكن جلدًا لتسعدَها فمنها
توافيكَ المحبةُ والصفاءُ»
وهنا يتحول الرثاء إلى وصية أخلاقية، ويغدو الصبر فعل حبٍّ لا مجرد احتمال.
خاتمة
تقدّم قصيدة «إلى روض الخلود» نموذجًا للرثاء النبيل الذي يجمع بين صدق العاطفة، ورصانة اللغة، واستقامة الرؤية. إنها قصيدة لا تبكي الموت بقدر ما تحتفي بالحياة التي كانت، وتُبقي الراحلة حاضرة بوصفها أثرًا وقيمة.
ليلاس زرزور لا ترثي جسدًا غائبًا، بل تؤرّخ لمعنى إنساني باقٍ.



































