Views: 1
العشق والمطر
رؤية نقدية في قصيدة ليلة مطر للشاعرة ليلاس زرزور
اعداد د أميمة منير جادو
أولاً: البنية الموضوعية (ثيمة القصيدة)
القصيدة تقوم على ثيمة الشوق العاطفي في إطار مشهدي يعتمد على المطر والعناصر الطبيعية لبناء علاقة عاطفية مكثّفة. المطر هنا ليس خلفية فقط، بل محرّك شعوري أول:
«لَكَ رَفَّ قلبي عندَ زَخّاتِ المَطَرْ»
وهذه الجملة تحدد نبرة القصيدة منذ البداية: الحب ينهض بفعل الطبيعة.
كما يتكرر محور الغياب / الحضور:
«قَلقي وَمنْ بُعْدي وَمِن طُول السَهَرْ»
«مَهْما تَغِبْ عنّي فَطَيفُكَ حاضرٌ».
يُبنى الخطاب العاطفي على تصوير الحبيب كقوة طمأنينة، في مقابل الذات القلقة الواجدة.
ثانياً: البناء السردي – التطور الداخلي للنص
القصيدة ليست لوحات منفصلة؛ هناك تصاعد واضح:
الاستدعاء الأول للحبيب عند المطر.
اهتزاز الذاكرة:
«وَالذكرياتُ تَهُزُّ قَلبي مثلَما
هزّتْ رياحُ الليلِ أوراقَ الشَجَرْ»
الانفعال العاطفي المشتعل:
«وَكموقِدِ النيرانِ قلبي صارَ».
لحظة الحلم – الرغبة في المشاركة:
«كم اشتهي تَحتَ انهمارِ الغيثِ أنْ
نَعْدو…»
التجلي الأسطوري للحبيب:
«أراكَ في ضَوءِ الصواعِقِ باسماً».
الخاتمة باليقين الوجداني:
«ياعشْقيَ الباقي لآخرِ دَقّةٍ».
هذا التدرج يحقق سردًا عاطفيًا متماسكًا، حيث ينتقل النص من “الاستدعاء” إلى “اليقين”.
ثالثاً: الصورة الشعرية
المسيطر على النص هو الاستعارة الحسية، بخاصة الربط بين الانفعال الداخلي وعناصر الطبيعة.
أمثلة دقيقة:
– القلب كموقد:
«وَكموقِدِ النيرانِ قلبي صارَ»
وهذه صورة تمنح العاطفة حرارة واضحة بعيدة عن المألوف.
– الاسم في الضباب:
«فأخُطُّ إسْمَكَ في ضَبابِ نَوافذي»
صورة بصرية مؤثرة تجمع اللمس والرؤية والغياب.
– الصاعقة كإطار ضوئي للحبيب:
«وأراكَ في ضَوءِ الصواعِقِ باسماً»
صورة قوية تتجاوز الرومانسية التقليدية إلى بعد شبه أسطوري.
– الاختلاط الروحي:
«خلطَ الهَوى رُوحي برُوحكَ»
هذه من أنقى صور الاتحاد العاطفي في النص.
رابعاً: الإيقاع والبحر
القصيدة على البحر الكامل غالبًا (متفاعلن متفاعلن متفاعلن)، مع مرونة في الحشو المقبول في الشعر الحديث الموزون.
الإيقاع الداخلي أبرزه تكرار الأصوات الرخوة (الميم، النون، الراء)، وهو ما يناسب موضوع الشوق.
خامساً: اللغة
اللغة مباشرة، واضحة، تعتمد على:
– المعجم العاطفي: حب، شوق، قلق، ضباب، خطر، دقة القلب.
– المعجم الطبيعي: المطر، الرياح، ضوء الصواعق، الغيث، الزهرة، السحر.
لا تُكثِر الشاعرة من الغرابة اللفظية، بل تعتمد لغة سلسة تخدم العاطفة دون إثقال.
سادساً: الرموز ودلالاتها
المطر = بداية الشعور – تطهير – بعث اللقاء.
الصاعقة = كشف الحقيقة فجأة، لحظة تجلّي.
الزهرة البرية = الحب الطبيعي العفوي غير المصنّع.
الضباب = الغياب والوجود المؤجل.
السفر = احتمال الفقد الدائم.
الرابط بين هذه الرموز يصنع رؤية: الحب فوق ظروف الحياة، مهما تباعد الزمان والمكان.
سابعاً: البنية العاطفية (الخطاب)
القصيدة خطاب مباشر للحبيب، لكنه خطاب ذو اتجاه واحد:
الذات هي المتكلمة دومًا، الحبيب موجود “كطيف” لا يتكلم.
مثال:
«مَهْما تَغِبْ عنّي فَطَيفُكَ حاضرٌ».
هذا يعمّق فكرة أن القصيدة ليست حوارًا، بل اعترافًا.
ثامناً: الخاتمة – محورية البيت الأخير
«إنْ كُنتَ تَسألُ عن هَوايَ فإنّني
مَجنونـةٌ بكَ يا أنا ..بالمُخْتَصَرْ»
هذا البيت مفصلي لأنه:
– يلخّص التجربة.
– يصنع وحدة بين “الأنا” و”الآخر” (يا أنا).
– يقدّم اعترافًا بلا مراوغة أو حذر.
تقييم شامل
القصيدة رومانسية صافية، بناؤها محكم، واعتمادها على الطبيعة يعمّق التجربة الوجدانية دون زخرفة مفتعلة. الصور قوية في مواضع، والتماسك العاطفي جيد، والخاتمة تؤسس وحدة الشعور والانصهار.
النص يقدّم حبًا يتجاوز الحضور المادي إلى حضور بالخيال واليقين الروحي، وهو خط يميز شعر العاطفة الحديثة.
—-
مع تحياتي ومحبتي


































