Views: 10
« إبداع ومبدعون»…حين تتحوّل القراءة إلى رسالة
*بقلم كروانة النيل شروق لطيف –
سرّني – و أسباب السرور في هذا الزمن شحيحة – أن أعلم أنّ
الصحفي الأديب سعد الله بركات لم تدفعه الغربة إلى الصمت، ولم تُقعد قلمه عن المسير، بل رأيته يمضي في درب الكتابة مطمئنًّا إلى عافيته، مشدودًا إلى الفكر كما يُشدُّ الغريق إلى لوح النجاة. وقد كان قد بشّرني، قبل حين بكتابه «أوراق من وجع الغربة»، ثم ما لبث أن فاجأ القارئ بمنجزه الجديد «إبداع ومبدعون»، وقد أطلقه في الفضاء الإلكتروني كمن يرسل رسالة في زجاجة إلى بحر القرّاء.
وليس هذا الكتاب جمعًا اعتباطيًا لمقالات متفرّقة، ولا حشدًا لأسماء تُستدعى على عجل، بل هو جهد قارئٍ صبور، آثر أن يُقيم مع النصوص، ويُصغي إلى أصحابها، ويقدّمهم للناس في ثوب التعريف الوديع، لا في مقام القاضي ولا في هيئة الخصم. فقد طاف بنا بين مبدعين ومبدعات من سورية، ومن ضفاف النيل والفرات، ومن أعالي الأوراس، جامعًا بين الشعر والرواية والبحث والنقد، كأنما أراد أن يرسم خريطةً روحيةً للإبداع العربي في تنوّعه واتساعه.
و يستوقفك في هذا المصنّف ذلك المزج اللطيف بين المهنة والإبداع؛ إذ يعرّفنا الكاتب على صحفيين وأطباء ومربين لم تمنعهم مشاغل الحياة من أن يُنصتوا لنداء القصيدة، أو يفتحوا نوافذ النثر على أرواحهم، ثم يمضي بنا إلى أدب الاغتراب، ذلك الأدب الذي لا يُكتب بالحبر وحده، بل يُنزف من شقوق القلب نزفً .
وفي قسمه الموسوم بـ «كاتب وكتاب»، يقف بركات عند مؤلفات أدبي وتراجم لقامات ثقافية، لا ليُحصي الصفحات، ولا ليعدّد العناوين، بل ليقول للقارئ: هنا تجربة تستحق الوقوف، وهنا صوت جدير بأن يُسمَع.
وإذا كان بعض من هذا الجهد قد نُشر من قبل، فإن جمعها في كتاب واحد إنقاذٌ لها من التبعثر، وحفظٌ لها من النسيان؛ وما ذاك ببدعٍ في تاريخ الأدب، فقد سبق إلى هذا النهج أعلام كبار، كطه حسين في «حديث الأربعاء»، وميخائيل نعيمة في «الغربال»، وغيرهم ممن آمنوا بأن المقالة إذا لم تُضمّ إلى أخواتها ضاعت كما تضيع اللآلئ في الرمل.
على أن الكاتب لا يقدّم نفسه ناقدًا متسلّحًا بالمصطلحات، بل قارئًا متذوّقًا، يُقبل على النص بمحبة، ويعرّف به بلطف، حتى ليخيّل إلى القارئ أنه يمسك بيديه، ويقول له: اقرأ معي، ولا تخشَ وعورة الطريق. وربما لهذا غلبت نبرة الودّ على أحكامه، فغابت الإشارة إلى المثالب، مع أنّ الإبداع – أيّ إبداع – لا يعلو عن السؤال ولا ينجو من المناقشة.
ومع ذلك، تبقى للكتاب جدواه وقيمته، لا سيما حين أفرد الكاتب حيّزًا خاصًا لأدباء بلدته صَدَد قرب حمص، أولئك الذين لم يكن لهم حضورٌ واسع في الذاكرة الثقافية، فإذا بالكتاب يزيح عنهم ستار الغياب، ويقدّم لنا أسماء أغنت المكتبة العربية بعلمها وأدبها، من أكاديميين وشعراء وشاعرات.
وختامًا، لا يسع القارئ إلا أن يُحيّي جهد الإعلامي الأديب سعد الله بركات، الذي أفنى عقودًا في الصحافة والكتابة، ثم حمل وطنه معه إلى المنافي، يكتب عنه ومنه، وكأن الغربة لم تنتزع الجذور، بل عمّقت الإحساس بها. ولعلّ أجمل ما نرجوه أن تعود الأوطان إلى أبنائها، أو يعود الأبناء إليها، وقد أدركوا أن الكلمة – حين تُخلص – تصبح وطنًا مؤقّتًا لا يُنفى .
- كاتبة وشاعرة مصرية من أريج اسكندرية






























