Views: 11
مزامير على ثغورِ الصباح”: باكورة الشاعرة نازك مسُّوح
*قراءة ملك محمود – صحفية سورية
في لحظة من لحظاتِ الفجر التي تطلُّ فيها الحياة بتفاصيلها الدقيقة، تفتحُ الشاعرة نازك مسّوح قلبها على الكون، فتبعث فينا من خلالِ كلماتها شعاعاً من الأمل والجمال. “مزامير على ثغورِ الصباح” هو عنوان مجموعتها الشعريّة الأولى التي شهدت ميلادَها في كانون الأول 2025 عن دار الينابيع للنشر والتوزيع في دمشق، لتكون بداية جديدة في مسيرةِ شاعرة استطاعت أن تملأ فضاء الأدبِ العربيّ بصوتها الرقيق والحالم.
تستهلُّ الشاعرة نازك مسّوح مجموعتها بهذه الومضة الرائعة: “ولمّا افترَّ ثغرُ خريفِنا تفتَّحَت زهورُنا..”، معبّرة عن لحظة تحوّل وجمال ينبثقُ من قلبِ الزمن، لتكون تلك الزهورُ هي قصائدُها التي تفتّحت لتلامسَ الأرواح. في هذه المجموعة، نجدُ أنفسنا أمام نصوصٍ شديدةِ الصدق والعذوبة، تستحضر بذكاء الذاكرة والحنين، كما تقول الشاعرة نفسها: “كتبتُها بطمأنينةٍ تشبه خطوات الندى، وببطءٍ يعرفه القلبُ حين ينضجُ الكلامُ على نارِ الحنين”.
قلبُ الشاعرة ينبضُ بالكلمة
تمثّل هذه المجموعة رحلة شاعريّةً تستعرض فيها الشاعرة مراحلَ من الحياة والوجد، محمّلة بالكثير من الحب، الشوق، والحنين. ومن خلال الـ45 قصيدة التي تزيّن هذه المجموعة، تنسج نازك مسّوح صروحاً من الكلمات التي تتنفّسُ من وجدانها العميق، وتحملُ بين سطورها حبّها للإنسان والطبيعة. من خلال هذه القصائد، تأخذنا الشاعرة إلى عالم شاعريّ يتناغم فيه الحنين مع الأمل، لترسم لنا ملامح الروحِ في لحظاتِ صفائها، تلك اللحظاتُ التي تتألّق فيها الفكرةُ وترتقي الكلمةُ لتصلَ إلى أفقِ الإبداع.
ما بين الذاكرةِ والموسيقا
في تقديمه للمجموعة، يشير الشاعرُ العراقيُّ حسين السياب إلى ما تحمله كلمات نازك مسّوح من موسيقى داخليّة تتناغمُ مع وجدانها، فيقول: “نفحاتٌ من الشِّعرِ المتدفِّقِ بانسيابيَّةٍ رائعة، تدلُّ على حِرَفيَّتها في صياغةِ الجملِ وإتقانِ صنعِ الدَّهشةِ المهمَّةِ في قصيدةِ النَّثر..”، مؤكّداً على قدرة الشاعرة في صياغة قصائدِها بأسلوبٍ فنّيٍّ فريد، يعكسُ اتّساعَ تجربتها وعميق إحساسها بالكلمة. في إحدى قصائدها التي نقلها السيّاب، نجد الشاعرة تقول:
“أتهجَّى كرومَ العنبِ برِئةِ النَّبيذ، أتهجَّاها حرفاً حرفاً.. كي تُذعنَ لي ملائكةُ الكلمة…”* وهذه الكلمات هي شاهدُ على قدرة نازك في توظيفِ الصورِ البلاغيّة والصوت الموسيقيّ في التعبير عن مشاعرها العميقة.
الطبيعة: الحاضرة الغائبة
لا يخفى على قارئ قصائد نازك مسّوح التفاعل الجماليّ بين الشاعرة والطبيعة، التي تمثّل مصدر إلهامٍ مستمراً لها. ففي قلب هذه المجموعة نجد الطبيعةَ بأشجارها وزهورها ومواسمها، تعيشُ وتتنفس في قلب كلِّ كلمة وكلِّ جملة. تتجلى هذه العلاقةُ في قولها: “أنا شجرةُ سنديانٍ برِّيَّة، رضعْتُ الشّمَمَ مع حليبِ جبلِ السائح…”، حيث ترتبط الشاعرة بالأرض والجبال ارتباطاً مقدّساً، كأنّها جزء لا يتجزَّأ منها، تروي حكاياتها مع هذه الأرضِ في كلِّ سطرٍ من أسطرها.
الومضة الشعريّة: سيّدة الكلمات
لا شكّ أنّ الشاعرة نازك مسّوح تملكُ قدرةَ على التعبيرِ في شكلِ الومضةِ الشعريّة، وهي الشكلُ الذي يتيحُ لها اختزالَ الحياة والمشاعرِ في كلمات معدودة، لكنّها مشبعةٌ بالمعاني والرموز. فهذه الومضات التي كتبتها في مواقفَ مختلفة، أظهرت قدرتها الفائقةَ على صياغة لحظاتِ الشجن والحبِّ والفرح، حتى صارت كلُّ ومضةٍ من هذه الومضاتِ جملةً مكتوبة بحبٍّ وفكرٍ عميق.
شعر يتجذّر في أرضهِ
لم يقتصر تأثيرُ نازك مسّوح على الساحةِ الأدبيّة المحليّة فقط، بل تجاوز ذلك ليشملَ الساحة العربية والعالميّة من خلال مشاركتها في العديدِ من المجاميع الشعريّة منها -ديوان عشتار الجزء الثالث -موسوعة وادي النضارة للشعر الفصيح — ديوان شعراء وأدباء من العالم الأزرق وغيرها وظهورها في المنابرِ الأدبيّة الإلكترونيّة. ترجمت بعضُ قصائدِها إلى الفرنسيّة و الإنكليزيّة و الإسبانيّة، ممّا أتاحَ لها تقديم صوت الأدبِ السوريِّ إلى العالم.
الكتابة عند نازك مسّوح ليست قرارًا واعيًا، بل هي حالة وجدانية تأتي كفيض عاطفي يتفجر من أعماقها. لا تسعى إلى مكافأة أو تقدير، ولا هي ملاذ للهروب من صعوبات الحياة. بل هي لحظات من الاندفاع الداخلي، حين تفيض الذاكرة بالصور والتجارب التي تترك أثراً عميقاً في اللاوعي. الكتابة، بالنسبة لها، هي لحظة ولادة فكر، تخرج مع العاصفة التي تهب على الذاكرة، ولادة قد تكون عسيرة أحيانًا، ولكنها بالتأكيد ستبصر النور، لتجد من يعتني بها ويرعاها حتى تنضج وتثمر.
سعد الله بركات يبرز نازك مسوح من خلال حوارها الأول معه
منذ الطفولة، كانت الكتابة تسكن نازك مسّوح، لكنها لم تكن تجد لها مكانًا بارزًا في حياتها بسبب انشغالها العميق بتربية الأجيال وشؤون أسرتها. مع مرور الوقت،
وعندما أصبح لديها المجال، خرجت كتاباتها إلى النور، لتلقى الاهتمام من أول ناقد حاورها وكتب عن تجربتها الأدبية، وهو الإعلامي والصحفي سعد الله بركات، الذي وجّهت له كلمات الشكر والامتنان على اهتمامه بموهبتها منذ البداية وقراءته الواعية لنتاجها والتعريف به في كثير من المنصّات كما وثّقه في كتابه “إبداع و مبدعون” له التقدير والاحترام .
نشأت نازك في قرية حبنمرة، بين أحضان جبل السائح، حيث الطبيعة كانت الملهمة الأولى. وترعرعت بين الحقول، متأثرة بوالدها الذي كان له دور كبير في توجهاتها التربوية والأدبية. وبالرغم من صعوبة المهمة، إلا أن نازك آمنت بأنها قدرها الذي يجب أن تسير فيه. تزوجت وأنشأت عائلة صغيرة، ولكن الكتابة ظلّت تهمس في قلبها بصمت، حتى أصبح لها مكانها في حياتها الأدبية. “من هي نازك؟”
عرفت نازك بنفسها بتعبير شعري ينضح بالصدق والجمال: آياتي… دُروبي مرايا بلا أسوارٍ تكبح تمرّدها، ولا تعرف وجوه من كسّرت خطاهم رياح الهوى… مضيتُ مسحورةً، أحفر رحلتي، أقلّم نهاياتٍ عليها انتحب يقيني وتمدّد كظلٍّ هارب… طفلةٌ أنا، أعضّ أنامل شغفي بثغر رضيع، أحبو مردّدة ورد اللقاء، أطلق هديل المسافات غير هيّابة فطاماً ولا أفولاً ولا عجزًا يلوح… الحلم رفيق دروبي، وأكمام خافقي مزّقتها رياح الشوق، ورقع فؤادي ما عادت تستر هياماً تملّك ناري… هُمتُ أرصد وجه الحقيقة، وأقصد صحراء كثيرة الأمنيات، يأخذني سراب ويعيدني هجير، وحين بزغ قلبي انهمر غيث الجوى يقبّل ثغور العشق ويرتّل نبضه آياتي. في هذه الكلمات، تجسد نازك مسّوح رؤيتها الخاصة لعالمها الداخلي، لتصف نفسها كمزيج من الطفولة والشغف والحلم، حيث تتحرك بين الحقيقة والوهم، باحثة عن جوهرها في بحر من الأمنيات والآلام.
ختامًا نازك مسّوح ليست فقط شاعرة، بل هي سيّدة الحرف الذي يروي خبايا الروحِ ويطوفُ بأفكارِنا عبرَ الزمن والمكان. وقد أثبتت مجموعتُها “مزامير على ثغورِ الصباح” أنّ الشاعر إذا كان يحملُ في قلبه حبّاً للإنسانِ والأرض، فإنّ كلماته ستكون دائماً وسيلةً لتجسيد هذا الحبِّ في صورٍ شعريّة ساحرة، فتكون بذلك قادرةَ على أن تلامسَ كلَّ قلبٍ ينبضُ بالمشاعرِ والأفكار.
*مجلة زهرة السوسن – مجلة زهرة الليلك
&&سيرة ذاتيّة:-&&
■ نازك فرح مسُّوح
■ شاعرة وكاتبة سوريّة، مواليد حبنمرة(ريف حمص الغربيّ)١٩٧٢.
■ خرّيجة معهد إعداد المدرّسين/ قسم اللغة العربيّة.
■ عملت في مجال التدريس ٢٨ سنة.
■ متزوّجة من ( الأستاذ جميل مسُّوح
ماجستير آثار)، ولديها ثلاثة أبناء ( رند طبيب يختصّ، مجد طبيب يختصّ وشاعر محكي، ولجين صيدلانيّة )
■ منذ نعومة أظفارها كانت المطالعة وقراءة القصص والروايات ودواوين الشعر هوايتها المفضّلة، بتشجيع من والدها رحمه الله.
■ نشرت لها الكثير من النصوص الشعريّة الحديثة في الصحف والمجلات السورية والعربيّة.
■ ترجمت لها العديد من القصائد للغات مختلفة
منها (الفرنسيّة، الانجليزيّة، الإسبانيّة)
■ شاركت في عدّة دواوين و كتب مشتركة
منها:
١ – ديوان أغاني عشتار الجزء الثالث.
٢- موسوعة وادي النضارة للشعر الفصيح.
٣- ديوان أدباء وشعراء من العالم الأزرق.
٤- إبداع و مبدعون (إلكتروني )
صدرت مجموعتها الأولى “مزامير على ثغور الصباح” عام ٢٠٢٥
■ لديها تحت الطبع، مجموعة شعريّة ستصدر قريبًا ومجموعة ثالثة تحضّر لها.
_عضو في قيادة رابطة وادي النضارة للثقافة والفنون ٢٠٢٦
نصّها “لم تسقطْ إلّا مطراً” يف
































