Views: 1
حكاية 13 رمضان 1447 هجري
تحت السّواهي:
في خضمّ الحربِ وترقّبِ الأخبار، والأجواءِ المليئة بالدّخان، والبِحار المائجة ببوارجِ النار، ومعَ تعبِ العيونِ من مُطاردةِ عواجلِ الأخبارِ على الشّاشات، سأزرعُ ورداً، وأعود معَ عَينيها 26 سنةً إلى الوَراء، كي أستريحَ في جوّ الذكرياتِ الناعمة.
فقَد كانَ جمالُها جذّاباً وأناقتُها لافِتة، وكانَ حبّها يحفرُ مجراهُ بهدوء، حتّى أصبحَ ساقيةً ثمّ نهراً، لكنّي أتعاملُ معَها بشكلٍ رسميّ صامِت دونَ إبداءِ المَشاعر، وفي إِحدى المَرّات، لم أجدْها مكانَها الذي اعتَدْتُ رُؤيتَها فيه، فلم أكترِثْ ببقيّةِ الحاضِرين والحاضِرات، وأَدرْتُ ظَهري عائِداً مِن حيثُ أَتَيْتُ، ولكنّي سمعتُ صوتَها – الذي أعرفُهُ – يُناديني:
أستاذ عبد الرّزاق..
دقّقْتُ النّظرِ في عيونِ صاحبةِ الصوتِ التي تضعُ لِثاماً على بدرِ وجهِها، فأَدهشَني ذاكَ اللّثام، وبعدَ حديثٍ معهودٍ، سألتُ عن سببِ التغييرِ، فقالتْ: تَجربة.
غادرْتُ وأنا ناقمٌ على ذاكَ القِماشِ الأَسود، ويومَها تَجرّأتُ وكتَبْتُ من حنايا الخاطرِ أبياتاً حولَ ذاكَ الموقِف، وحينَ أَهديتُها لها بعدَ هدوءِ العاصفة، قالتْ لي، ما كنتُ أتوقّع أنَّ (تحت السّواهي دواهي)، وأنّ وراءَ صمتِكَ كلّ هذا الكلام.
مضتْ من الأيّامِ بعدَ ذلكَ ستُّ سنواتٍ، وطبَعتُ ديواني الشعريّ الرابعَ في حلب عام 2006 تحتَ وَسم (أجنحةُ الكلام) وكانتِ القصيدةُ مُثبتَةً فيهِ تحتَ عنوان (تقاسيم على نصفِ وَجه)، حيثُ قلتُ يومَها:
أَميطي عنِ الحُسْنِ هذا اللِّثامْ
أَما حانَ للطّفلِ عَهدُ الفِطامْ؟
إِلى وَجهِكِ الحُلوِ تَرنو القَوافي
وَيَحبو عَلى وَجنتَيكِ الكَلامْ
فَلَنْ يَسَعَ البَحرَ كوبٌ صَغيرٌ
وَلَنْ يَحجُبَ الشَّمسَ ذاكَ الغَمامْ
لِماذا تُغَطّينَ نِصفاً لوَجْهٍ؟
أَليسَ الكَمالُ بِبَدرِ التَّمامْ؟
أُلامُ بِحُبّكِ إِنْ بُحْتُ يَوماً
وَجُلُّ هَوايَ جَوىً واِكْتِتامْ
سَأُشعِلُ نارَ القَريضِ وَأَمضي
لِأَهزمَ في الأَرضِ جَيْشَ الظّلامْ
وَأزرَعُ وَردَ الهَوى في الصَّحاري
إِذا الرَّملُ يَوماً تَمَطّى وَنامْ
سَيَذبلُ وردُكِ يَوماً بِدوني
وَتَستَعِرُ الحَربُ في كلِّ عامْ
فَإِنْ فاضَ نَهري سَقاكِ زُلالاً
وَعمَّ عَلى ضِفّتَيكِ السَّلامْ
وَإِنْ ماجَ بَحرُكِ مالَتْ سَفيني
وَغَرَّدَ في الأُفْقِ صَوتُ اِرتِطامْ
أَمِيطي، فَعِنْدَكِ تَزهو الأَماني
وَلَولاكِ تِلكَ الأَماني حُطامْ
=====


































