Views: 14
مِن عبِقِ المَاضي : دراسة لقصَّة “دُولابُ أُمي” للأديب سعدالله بركات
*بقلم الشاعر جورج عازار

تلعبُ الذِّكرى في النِّتاجاتِ الأدبية للأديب السوري سعد الله بركات دوراً كبيراً ومهماً، وتترك أثراً متميزاً ينعكسُ في حنايا قصصهِ وثناياها، ويَجعلها تَموجُ في الوجدان فتترك أثاراً لا تُمحى في عبقِ الماضي، كيفَ لا وهذه المرَّة يَروي لَنا قصةَ: “دُولابُ أمي” وفيها يَتحدثُ لنا عَن ألة الغزل الأثيرةِ والَّتي كانت تَعود إلى والدتُهُ. “رَحمها الله”، حيث كانت تعملُ عليه لغزلِ الصُّوفِ وتُحولَّهُ إلى خُيوطٍ دقيقةٍ ليسهُلَ فيما بعد تصنيعه إلى عَباءاتٍ وبُسطٍ مَنقوشةٍ يَتولى حينذاك حياكتها الوالدُ رحمه الله، وكان للعملِ الجليلِ الَّذي كانت تؤديهُ الوالدةُ بالغَ الأثرِ في تأمينِ لُقمةِ العيشِ ومُساعدةِ ربِ الأسرةِ في الكَسبِ من خلال الحَياكة، وهكذا كان لدُولابِ غَزلِ الصُّوفِ ذِّكرى جميلةٍ لَم تفارقْ مُخيلتُهُ أبداً.
دولابُ الغزلِ بالنسبةِ لِسعدِ الله، لم يكن مُجردَ ألة خَشبية خاصة بالغزل ، وإنَّما اكتسب هنا ذِكرى جَميلة تَعبق بذكرياتِ الماضي التليدِ. ففي ذلك الدولاب رائحةُ أمِّهِ المَعجونةِ بِسحرِ تِلك الأيامِ، وفيه شَذا المَاضي الجميلِ، وفيه أيضاً أريجُ الحَنينِ وبَهجةُ الأُمِ و طيبتها الَّتي ما كانت تفارقه مُطلقاً في تلك الأيامِ، إنَّه دولابٌ يَحمِلُ كُلُّ الدَّلالاتِ ووهجُ الإيحاءاتِ، من لَحمٍ ودمٍ يموجُ على سطحِ الذِّكرى ويُداعِبُها كلَّمَا خَطرَت على وجدانهِ تِلكَ الأيامِ الغابرة.
سَاهمَ ذَلك الدولابُ والعملُ المُضني عليه في تَربيتِه و تنشئةِ أخواتِه، ولم ينلْ من الأمِ أيُّ تعبٍ ولا جهدٍ، ماكانت تتأفَّفُ مُطلقاً، وهي تقوم بِعملها بِكلِّ مُثابرةٍ واجتهادٍ، ولعل ذلك الشُّعورُ من جَميلِ ما كانت تفعلهُ في سبيلِ الأسرةِ وتربيتِها والمسَاهمةِ الفعالةِ الَّتي كانت تُقدمُها. كان ذلك الكدُّ والجهدُ يزولان تلقائياً كلَّما أوشَكت على اِنجازِ واِنهاءِ عَملها بِشكلٍ كاملٍ، رُغم كل قَسوته وكذلك التعبُ المبذولُ في سبيلِ تَحقيقهِ.
فكانَ ما يأتيها من دَخلٍ ومواردَ مَاليةٍ من خلالِ ما تُنجزه من أعمالٍ آخاذةٍ، يُشكلُ الدَخل المُناسب لتربيةِ تلك الأجسادِ الصغيرةِ وذلك عوناً ومساندةً لمجهوداتِ الأبِ الَّذي ما كان يألوا جهداً للقيامِ بمهامِه كربٍّ للأسرةِ ومواصلة عمله في مجال الحياكةِ.
لعلَّ المُفارقة الَّتي حَفلِت بِها هذه القصَّة، أنَّ الأمَّ ما كانت تَعتبرُ أيام العُطلِ والأعيادِ مُجردَ أوقاتِ فراغٍ، وإنَّما حتَّى في تِلكَ الأيامِ، ما كانت لتُوفرَ جِهداً لكي تَستغلَ الأوقاتِ أيضاً وصُنع الكثيرِ من النتاجات المُفيدةِ والرَّائعةِ، الَّتي تَنعكسُ على الأسرةِ بحدِ ذاتها، إن كانَ في مجالِ البيعِ أو لإبداع ألعابٍ مُختلفةٍ لأبنائها وغيرذلك، وبالتالي ما كانت لتُضيِّعَ أبداً أوقاتِ الأعيادِ والفراغِ ولا تَترك بكلِ الأحوالِ تلك الأيام تَمضي دون الِاستفادة مِنها أيضاً.
يقول المثل الشعبي “بعد الأم كل الأهلِ جيران” من أجل هذا يقول سعدالله: حرصت أمي على أن تبقي بِساطاً من صنع يديها في بيت كل واحد منّا ذِّكرى أثيرةٍ وثمينةٍ مِنها من رمز العطاءِ.
ولعلَّ سعد الله بركات استطاعَ أن يَجدَ الجُملة المناسبة، فيقول: كانت أَمي تُسابِقُ الفَجرَ، و في هذه الجُملة تلخيصاً لكلِ ما كانت تقوم به أمهاتُ ذلكَ الزَّمان. لماذا كانت تُسابقُ الفجرَ؟ لأنَّ الفجرَ كان سيسبقُها إن لم تسبقْه، فهي مُطالبٌ مِنها أن تقومَ بالأعمالِ البيتيةِ المُرهقةِ والمُتعبةِ، وبعد ذلك ستقومُ بِمهامِ التَّربية، وكذلك ستقومُ بالأعمالِ الَّتي تُخولها الحصولَ على مبلغٍ يُساعد زَوجها في تربيته هذه الأسرة الَّتي كانت في كنفها، من أجل هذا كانت تُسابقُ الفجرَ، وتسبقُ الفجرَ، حتَّى يُمكن أن تُنجزَ كافَةِ أعمالِها قبل أن يُداهمَها قُدومِ الصَّباح ِالمُفاجئ.
هي الأم مَنبعُ الحَنانِ والطيبةِ والعملِ الدؤوبِ الَّذي أبداً لا ينتهي. والَّتي تَستغلُ فيهِ حتَّى أوقاتَ الأعيادِ، من أجلِ صُنعِ كُلِّ ما هو مفيدٌ ومهمٌ ولازمٌ، فالمُطرزاتُ والأرائكَ والوَسائدُ وكُل ذلك، والَّذي يُعتبر في مقاييسَ هذا اليومِ من الأعمالِ الشَّاقةِ، إنَّما كانت تقومُ به وتَعملُه كَأنَّها تقومُ بأعمالٍ بَسيطةٍ. يمكن أن تُنجزها حتَّى في أوقاتِ الفَراغِ، رُغم كُلِّ ما كانت تفعله من فنٍ جميلٍ وعملٍ دؤوبٍ مليئ بالموهبةِ والسِّحر في غابرتلك الأيامِ.
يظن البعض مُخطئاً أنَّ المرأةَ سَابقاً لم تساهمْ مُساهمةً فعالةً في مُشاركةِ الزُّوجِ في تَأمينِ مَواردِ الرُّزقِ والعيشِ، وأن مهمَّتها اقتصرت على تربيةِ الأطفالِ والاعتناءِ بهم ورعايةِ الأسرةِ وتأمينِها، وهذا في الحقيقة لم يكن صحيحاً كَما نجده في قصَّة “دولاب أمي” والَّذي تَحدَّث فيها الأديب سعدالله بركات مُطولاً عن المُساعدةِ الجُمَّة الَّتي كانت تقدمها والدتُه من خلالِ عَملها في مهنة غزلِ الصُّوفِ ومُساهمتها الفَعَّالةِ في تأمينِ لقمةِ العيشِ لأسرتهِا ومساعدتِها الكبيرة لزوجها في زمنِ الضيّقةِ والعَوزِ والحَاجةِ.
تميَّزت والدةُ سعد الله بركات بالذَكاءِ، واستطاعت أن تضعَ لنِفسها برنامج عملٍ متكاملٍ، فهي تضع لنفسها شَرطاً، يَتضمن الكَمية الَّتي ترى أنَّها سوف تقوم بِغزلها أو بِصنعها في ذلك اليوم، و لكي لا تَحيد عنِ البرنامجِ الموضوعِ من قِبلها لعمل ذلك النَّهار وبطبيعة الحالِ، كان ذلك يأتي جَنباً إلى جنبٍ مع الأعمالِ البيتية الدائمة والتربوية المستمرة، والقيام بالأعباءِ المُتكررةِ والمُتضمّنَة كُل حاجيات البيت وأموره وأشغالهِ.
كانت تقوم بأعمالِ غزلِ الصُّوفِ وتمشيطه بِكلِّ مَهارةٍ وموهبةٍ، و بشكلٍ جَميلٍ وأخاذٍ ينطوي على الكثيرِ من الحَنانِ المُضمَخِ بِعطرِ ذلكَ الزَّمانِ، كيف لا والحديثُ هنا يكونُ عنِ الأمِّ.
والأمُّ نَبعُ الحَنانِ، وضِحكةُ الفَجرِ، الَّتي تُلازم أمهاتِ الدُنيا، ولا تفارقُ ابتسامة الرضا على الشِفاهِ ،الَّتي تَرسمُ للدُنيا ملامِح الفرحِ. كلَّما دَغدَغت الَّلمساتُ أفرادَ أسرتِها واستطاعت أن تُوزع مقاديرَ السَّعادةِ بين أبنائِها وأولاد زوجها ،وأن تَحملَ لَهم كل مَعاني الخيرِ والحياة في زَمنِ عسير.
ترحل الامهات ويبقى عِطرها بَلسمَاً للجراحاتِ وأنشودةَ حنينٍ من غيرِ نهاياتٍ، و قصَّةَ شوقٍ لا تبرحُ أبداً حَنايا الوجدانِ، تموجُ في أفاقِ المَدى وتنتثرُ مثل حبَّات المَطر فوقَ ضَوعِ الريحان في الوديان القصيَّةِ.
*شاعر وقاص سوري – سويدي



































