Views: 20
من وادي النضارة ..عبق الياسمين يفوح شعرا
*بقلم سعدالله بركات
أواسط الثمانينات ، حين كنت أسجل حوارا لبرنامجي التربوي الإذاعي ،، شموع مضيئة ،،التقيت المربّي عادل ناصيف ، على هامش الحوار جرى حديث مقتضب ، لفتني وهو يسرد أفكاره ،بهدوء الواثق ، وبلغة أقرب إلى الفصحى ، دون أن أعرفه شاعرا ، حتى التقينا في جيرة سكن ، وصداقة عائلية لعقود ،تشابكت مع رفقة الأبناء ، قبل أن تشحذها غربة ما اشتهيناها ، ولطالما تنفّسنا عبر الهاتف هواء الوطن ، بتواصل شجن ،عن ضيعة ، وسحر قصيده عن الشام وياسمينها .
حين زفّني البشرى ، عن باكورة نشر إبداعه،،عبق الياسمين ،، – صدر بدمشق 2021 – ، لمست فرحته بصدوره ،حيث حمله الشعر بعد حجر كورونا ،،إلى حضن أمّه وبيت أبيه ،، ، فرحة خفّفت عن صدره كثيرا من وجع غربة و وطن ، عبر ما باح في ثنايا صفحاته من زفرات ، ووجد وآيات عشق، لربوع الصبا والدراسة والعمل ، على اتساعها من ،،وادي النضارة ، إلى دمشق الفيحاء :
((أنا يا شام لم أهجرك طوعا. أنا السوري في برديك رابي
شربت المجد من برداك صرفا. ومنك ومن سواقيه العذاب ))ص78
وهو لا يرى لشعره معنى إذا لم يلامس دمشق وقاسيونها :
(( فكل قصائدي خشب إذا لم. تداعبها أصابع قاسيون ))ص 95
تراه يزفر الآه عبر الشعر ، فيزيح الغمّ عن صدره :
(( ما كنت أحسب أن الشعر يتعبني. والشعر راحة نفس المرء في السفر ))ص19
قراءة الديوان ماتعة ،بعذوبة لغة ، وجرس إيقاع ، وبأخيلة رحبة ، سداها شوق ، ولحمتها تراب ونشيد عصافير تتطاير على شغاف القلب ،حسب الناقد عصام قبلان :
(( سحرنا بشعره العميق ، وفكره المتّقد وبحره المتّزن ، وإحساسه الرقيق ، وصوره البيانية والبديعية المنسجمة مع الغرض الشعري .. )).
لكن لسماع قصائد العبق والياسمين ، نكهة فوّاحة ، يدهشك أبو بشار ،وهو يلقي أشعاره بكل جوارحه ، وخاصة المرتجلة ، فيعطيها ألقا ، وهي تنساب بعذوبة إلى النفس قبل الأذن ، وحين تعايشنا عن قرب في مطبخ أخبار التلفزيون ، حيث انتدب وثلّة لغويين من وزارة التربية ،لتدقيق النشرات ، كثيرا ما كان يطربنا بأبيات بنت لحظتها ، تأخذنا قليلا من جو العمل ، إلى فضاء الشعر الساحر .
من البداية وعبر الإهداء يأخذنا هذا الشاعر المعتّق إلي سحر القصيد ، وهو يهدي عصارة فكر وجهد ،،إلى حيث اكتحلت عيونه ، إلى ضيعته، ،، فرتّل الإهداء شعرا :
(( يا كيمة الوادي ،فؤادي مثقل. حمّلت ما لا يستطيع جوادي))
فإذا المقادير استساغت غربتي. وقضت بما لا يشتهيه فؤادي )) ص1

في تقديمه للديوان ، يسرد الدكتور جودت ابراهيم ، سيرة مهنية ومجتمعية حافلة للشاعر ، متوقّفا عند بعض المحطات والمهام التربوية التي أنيطت به في دمشق والمنامة ، قبل أن يصف بعض قصائده بالمعلّقات ، ويقول بعد ما راجع الديوان ودقّقه : (( شعره ينضح وطنية وإنسانية ، ويرقى إلى مصاف الشعراء الكبار في عصورنا الأدبية . .. ينظمه بالطريقة الخليلية ،مليئا بالخواطر والقصص المنتقاة ..من واقع الناس …عبر ذاكرة مدهشة …)) ثم يتوقّف د. ابراهيم عند ما فاضت به قريحة أبي بشار، عبر حوار لطيف بين الشاعر وشعره ، حين حاول الأخير ثنيه عن بوح أشجانه كلّما حلّ عيد ميلاده ، وهو بعيد عبر المحيط ،فلا يتنفّس إلا بنسيم الكيمة :
(( هي كيّمة الوادي عشقت ترابها. والقلب فيها لم يزل متبولا )) ص10
…لك أن تقرأ،، الكيمة ضيعتي ،، ص41 ثمّ ،، أحبّها الشام،، ص56 وغيرها و :
((ياجلّق الشام ردي الآه عن وتري. وجنّبيني دموع الشيب في كبري
من ياسمينك لي في الدار واحدة. نديمة الروح عند الصحو في السحر ))ص 19
عادل ناصيف ، لايسرد شعره خطابا لمتلق ، تراه يستنطق محاورين ، فيشدّك بل يشركك بحكاياته الحواريّة مع ،، عقارب الدهر،، ص44 ،، أنا والثمانون ،، أنا والروض ،، أنا والشعر،، أنا وهي ،،ص 203-216
تتصدر الديوان أيضا ،كلمة بقلم الدكتور فيليب عبد الحق من دير البلمند – بيروت ، حيث يقول :(( نحن مع شاعر مبدع ،رومنسي وجداني …بدفق عواطفه.. وقوة خياله .وجديد صوره ..،وبعشقه للأرض والشمس والنسيم…))
ويخاطب د، عبد الحق الشاعر :(( شعرك الغنيّ بالألفاظ المتألقة مع المعاني والمقاصد، مواكب موسيقية …تعبّر عن رهافتك وعمق تجربتك ..الفكرية ..قصيدة ،، بنات فمي ،، ص 121 ، تفوق المعلّقات …نابعة من غزارة ثقافيّة ..وقوة شاعريتك ..
أيا وطني تعشّق فيك قلبي … وفي عشقي شموخ وارتقاء ص16
…من يقرأ ديوانك ، تنفتح أمامه نوافذ على وقائع تاريخية ، ويجد الجمال والامل والأسى ..كما الشموخ والصرخة .
قصائد شاعرنا ليست حديثة العهد ، بل تراكمت على مدى عقود وسنين ، فعلى مدى 274 صفحة من القطع المتوسط ، وعبر 80 قصيدة ، ينثر الشاعر أشجانه ، ويبوح بدرر القريض ، من بساطة التعبير وقوته ، كماوصفه الأديب يوسف خليل ،(*) :(( شعر جميل وأسلوب إبداعي جذّاب ، من السهل الممتنع )) ليلاقي بذلك رأي الدكتور الشاعر وليد العرفي (*) : إنّ عادل ناصيف (( لا يذهب إلى الشعر والصورة وإنَّما يأتيان إليه ، … يسير ضمن مدرسة البحتري .،وهو يدغدغ أحاسيس المتلقي )) ، وها أنا أضيف : إنه لا يفتّش عن القافية ، بل هي تتشرّب حبر يراعه، لتضبط إيقاع حروفه والإبداع .وعبر قصيدة خاصة ، يجمل د. العرفي رأيه بشعر،، ناصيف ،،
(( أغواه بيانه السحر في الروحِ قبلَ الأذنِ تموسقُ اللفظَ أنغاماً بقافيةٍ
كأنّها الخمرُ في أعصابِ نشوانِ))
لا يكتفي د. العرفي بالقراءة العامة ، بل يتوقّف مليّا عند القصيدة المرتجلة رائية عادل ناصيف [ من خارج الديوان ]:
وإذا رحلتِ فما رحيلُكِ ضائري. ما دامَ قربُكِ لا يهزّ مشاعري
ليخلص إلى أنّ :(( اللغة الشعرية تتبدى في هذه القصيدة بجمالية خاصة …كما ميزتها الأسلوبية بال ،،قصيدة الموقف ،، حيث بنيت وفق متواليات تضاديّة )).
بلا تكلّف ، أوتصنّع ، ومن دون تنمّق ، يغوص عادل ناصيف في عمق موضوعاته ، تراه يحلّق في فضاء العصور الشعريّة ، فيما يخاطبه الأديب عيسى فتوح :(( ديوانك بوح الياسمين …خير برهان ،على صدق شاعريتك الطلقة ، كربيع قريتك الكيمة التي تفخر بهذه الشاعرية العذبة التي هي امتداد لشاعرية كل من الأخطل الصغير وسعيد عقل وعمر أبو ريشة )).
ولعلّ هذا ما حدا بطلبة العلم والبحث ، أن يواكبوا ،،عبق الياسمين ،، دراسة ونقدا على نحو ما فعلت دانا عيسى في تحليلها قصائد من الديوان ،وأميمة الحسن في بحثها شعرية الأسلوب وتحليلها قصيدة ،يا شاعر النيل ، كحلقتي بحث للماجستير.
تتنوّع موضوعات الشاعر ،وهو يغرف من بحر المجتمع ، وإن كانت في معظمها وجدانية تعبق بالروح الوطنيّة ، حبّا وأسى ، وحسب د. خليل سارة يعدّ عادل ناصيف :(( أحد أبرز رموز الشعر العربي المعاصر ، بشقيه الوطني والاجتماعي، اتسمت أشعاره بقيمة وطنية واجتماعية متميزة .. ، إذ تفوح من قصائده رائحة حب الوطن والأرض والمدينة والقرية والطبيعة والمساواة والعدل ، وإقامة المجتمع على أساس العدالة ومحاربة الفساد والمفسدين )).
تراه يتغنّى بسورية ،وهي تنادي أبناءها :
((هيّا تعالوا ضلوعي في أسرّتكم. ومن فؤادي سراج البيت موقود )) 64-65
ذلك قبل أن يصدح في ،، زهرة المدائن ،،بلسان سوريا :
((أنا سوريا أمّي وأمّ عروبتي. الصيف لي والسحب والأمطار)) ص61
، كما يتأسّى من أخبار تعبر المحيط :
((أين ارتحلت ستبقى الشام في هدبي. وفي فؤادي وأنّى اقتادني السفر
ما حال غوطتك الغنّاء يا بردى ؟ والطير ما حاله والظلّ والشجر ))ص22
وإلى الإنسانية بسموها المترفّع عن أي تفريق عرقي أو ديني ، ترتقي قيم عادل ناصيف ورسالته الأدبية :
((عشنا معا وحبال الله تجمعنا. على المكارم والآيات والسور
ما كان للدين أمر في منازعنا. نمشي على الدرب لا خوف ولا حذر)) ص 24
عاطفة الشاعروقيمه، تزهر في كل حرف ، وفاء أو حنينا ،تراها متكاملة ، من العائلة إلى الوطن ، ها هو د. علي عقلة عرسان – شاعر وناقد ،رئيس اتحاد الكتاب العرب الأسبق يخاطبه : ((قرأتُ لك قصائد عرّفتني بك ، وأما مقدمة قصيدتك بعنوان ( أمّي ) فتجعل أغصان الروح ترتعش )) ومثلها إلى رفيقة دربه ،، وردة الحبّ،،ص150
ومن بحر خبرته التربوية ، محمولة على حنوّ أصيل ، يخصّ أحفاده بأكثر من قصيدة ،تراه ينشد لحفيده وقد غفا على صدره ساعتين لدى لقائه الأول:
((أفرد جناحك ثمّ غرّد مثلما. غنّى الهزار على الغصون ورنّما )) 154
كما يوجّه ابنته للتعامل مع طفلها ،عبر قصيدة ،، براءة الأطفال ،، ومطلعها :
((لاتضربيه لقد أودعته كبدي. ففيه سرّ بقاء الروح في جسدي.
وإن تمادى، فلا تنسي طفولته. واوصلي العدّ للخمسين و اتئدي ص))47 -48
وحين انتقل حفيد للمرحلة الثانوية أنشد له :
((شكرا بنيّ أعدت لي زهو الصبا. تيهي بروضه ياعروس قصائدي))ص152
وثمة قصائد ، لرسل العلم ،، حي المعلّم ،، ص 67 و،، المعلمون لا يهرمون ،، ص 260 كما تبادل قصائد مع أصدقاء بدلالة الودّ 246+251 +260-267
حرص شاعرنا على ،،العربية ،، تلمسه في حديثه العادي ، وكأنّي به هنا يتأسّى على لغة الفيسبوك وأخواته، مناشدا ملتقى ثقافيا الاهتمام بها :
(( من هشّم اللغة الفصحى؟ أليس لها. من منقذ به تستقوي وتعتصم
كونوا لها سندا، واحموا مسالكها. يكاد هيكلها يحنو وينهدم )) ص 99-100
قصائد أبي بشار لا تتضوع عبقا فقط ، وإنما تتموسق بجرس فراهيدي ، يدلّ على رهافة قادته إلى الإنبهار ب،، العبقري منصور الرحباني ،، حين رثاه:
((إيه لبنان مافقدت أميرا. أو زعيما بل مبدعا خلاّقا)) ص86
قبل أن يرثي وديع الصافي :
((أنا ياملاك الفنّ قربك حائر. أ أرى عظيما فيك أم عظماء ؟))178
ولعلّ مسك الختام ماكتبته ،الدكتورة سلوى الخليل الأمين ،رئيسة ديوان أهل القلم – بيروت :
((شدتني إليه قصائده الملوّحة بالحب والحنين والجمال، ودقة السبك وروعة الصور البيانية ،….. قرأته بشغف ، وبدأت باتباعه، قارئة قصائده ، ، حيث تعبّ من النايات موسيقاها … )).
======
- بعض آراء النقاد بالديوان ،منشورات على صفحات الفيسبوك ، وبعضها وصل إلى صفحة الشاعر ..
*- مقالة رفاه الدروبي *- ملتقى البيارق الثقافي




































