Views: 1
حكاية 24 رمضان 1447 هجري
بنتُ السّجّان
في شتاءِ عامِ 1984، كنتُ على وشَكِ التخرّجِ في معهدِ دارِ المعلّمين بإدلب، وخلالَ تلكَ الفترةِ كانَ أحدُ أقاربِنا يَقضي عقوبةَ الحَبس، بسببِ مخالفةِ التموينِ له، حيثُ كانَ يملكُ مَخبزاً في مدينةِ (خان شيخون)، ومِن بابِ المودّةِ والتعاطفِ معه، وهوَ من جيلِ والدي قرَّرتُ زيارتَه في السجنِ والاطمئنانَ عليه، ونقلَ أخبارِ تلكَ الزّيارةِ للوالدِ – حفظهُ الله – كي يزيدَ رَصيدي من الثّقةِ لَديه، ويزيدَ مقدارُ المصروفِ الأُسبوعيِّ الذي يُعطيني إِيّاه.
اِشتريتُ ستةَ أقراصِ شعيبيّات إدلبيّة مِن (شعيبيات غنّوم) وذهبْتُ في المواعيدِ المُخصَّصةِ للزّيارة، والتقيْتُ قريبَنا – رحمَهُ الله – فَفرِح بي، وأخبرَني أنّه خارجٌ بعدَ شهرٍ لانتهاءِ مدةِ العُقوبة، لكنَّ الطريفَ في الحكايةِ، أنَّ فتاةً جميلةً تتجوّلُ في ممَراتِ السّجنِ، لافِتةً انتِباهَ الحاضرين بجمالِها وأناقةِ ثيابِها، دونَ معرفةِ طبيعةِ زيارتِها، ثمَّ تقدّمَتْ منّي وَسلّمَتْ عَليَّ بِاسْمي الصَّريح.
يا الله!! كَم شعرْتُ حينَها بجَمالِ اِسمي!! وأجبتُها شُكراً ومِن أينَ تعرفينَ اسمي وانا أدخلُ هذا المكان أوّلَ مرّة؟ ثمَّ دقّقْتُ النظرَ فيها لأن وَجهَها مألوفٌ بالنسبةِ لي، لكنّي لَم أتذكّرْ اسمَها أو مكانَ لقائي بَها، فَلمْ تُجبْني عَن سُؤالي، وقالَتْ بمَكرٍ ودَلال: سَتعرفُ لاحِقاً مَن أنا.
بعدَ أيامٍ عرفْتُ أنّها طالبةٌ في معهدِ دارِ المُعلّمات (قسمِ الطالبات)، وهوَ مبنىً منفصلٌ عن قسمِ الشّباب، لكنْ هناكَ لقاءاتٌ في المناسباتِ والحفلاتِ وبعضِ المَناشطِ الفنيّةِ والأدبيّة.
لا أُخفيكم إِعجابي بها، وسريانَ حُبِّها في بالي وتَفكيري حسبَ مُقتضياتِ تلكَ الفترة، لكنّي كنْتُ مُمَزّقاً بينَ رومنسيّةِ الحُبِّ واندفاعِ رغباتِ الشّبابِ والأَحلام ِالورديّةِ مِن جِهة، وبينَ ظروفِ الحَياةِ وقِلّةِ الحيلة، وَمُعوّقاتِ الطّموحات، واختِلافِ الوضعِ المادّيِّ والبيئةِ الاجتماعيّة، من جهةٍ أُخرى.
وَاستسلمْتُ لِقَدري التّعيسِ مُكتفِياً بالأحلامِ والنّظراتِ البعيدةِ على رأيِ المثَلِ الشّعبيِّ السُّوريّ (العين بصيرة والإيد قصيرة) أو المثَل الشعبيِّ الإِماراتيّ (شوف وحريق جوف).
بعدَ عدّةِ أسابيع، وخلالَ لقاءاتِنا العابرةِ القليلة، أخبرَتْني أنَّ قَريبي الذي زرتُهُ في السِّجن قَد خرجَ، فسألْتُها: مَن قالَ لكِ ولماذا رأيتُكِ في السِّجن ذلكَ اليوم؟ ولماذا تُخفينَ عَنّي الجوابَ رغمَ تكرارِ سؤالي لكِ؟؟
ابتسمَتْ بغُنجٍ وفَخرٍ وقالَتْ لي بِصوتٍ مَهموسٍ: بابا ضابطُ شرطة، وهوَ مديرُ السِّجن، فقلْتُ لها بصوتٍ مسموعٍ فيهِ المُفاجأةُ والخشيَةُ والجُرأةُ معاً: أَهلا بِبِنتِ السَّجّان، فبُهِتَتْ، وقالتْ: ما علاقتي بمهنةِ أبي؟ قلْتْ: أنتِ البَرُّ والميناءُ وأنا المركبُ الذي لا يرغَبُ بِمينائكِ، فَاترُكيني أُبحِرْ إِلى المَجهول.
حَفرَتْ حكايتُها في بالي يومَذاك، وبعد اختمارِ عَجينةِ القصّة مدةِ سنتين، فاضَ الخاطِرُ فكتبْتُ عن تلكَ الحادثةِ قصيدةً عُنوانُها (وداعاً إِنّني أَبحَرتُ) وهيَ مُثبتَةٌ في ديواني الأَوّلِ (ليلى وأَحلامُ الرّجال)، وَها أنا أعيدُ كتابةَ أبياتِ تلكَ القصيدةِ الطريفةِ المَكتوبةِ قبلَ أَربعينَ عاماً:
عَذابُ الحُبِّ أَضناني
وَغَيّرَني وَأشْجاني
وَأَغرقَني عَميقاً في
بُحورٍ ذاتِ أَلوانِ
فَهاجَمَني قَطيعٌ مِنْ
دَلافينٍ وَحيتانِ
وَبَعثَرَني عَلى المَوجا..
..تِ حتّى ضاعَ عُنواني
فَلا القاعُ الذي يَوماً
رَسَوْتُ بهِ سَيَرضاني
وَلا الأُفقُ الذي لا يَحضِ..
..نُ الغَرقانَ آواني
فَحِرْتُ، وَمَنْ بِهِ حالي
وَرَبّي جِدُ حَيرانِ
حَناناً يا مُعَذِّبَتي
فَقَدْ أَفْرَغْتِ شِرياني
أَكُلُّ الحُبِّ تَلْويعٌ؟
وَطَلٌّ فَوقَ كُثْبانِ
ذَريني لا تَقولي لي:
حَبيبي أَينَ تَلقاني؟
لَقدْ ماتَتْ مَشاعِرُنا
وَماتَتْ نارُ بُركاني
فَإنْ ساءَلْتِني يَوماً
وَقُلْتي: كُنْتَ تَهواني
أُجِبْكِ بِأَنَّني حُرٌّ
وَإِنّكِ بِنتُ سَجّانِ
=====




































