و… هوت سروة الدار *سعدالله بركات

Share

 

                                           ،، حين هوت سروة الدار .. بلا وداع رحلت ،،

*بقلم سعدالله بركات

.. كنت أخشى أن يكون الوداع الأخير ، ،  لا أعني به وداع دمشق فقط ، فالشام  أحتضنها على شغاف القلب  وبين الجفون ، كما احتضنتني فتى فدرجت في مرابعها على دروب العلم في جامعتها ، والعمل في مدارسها وإعلامها ، بل وفتحت أمامي رحاب  العالم والحياة   والصداقات كما النجاحات على ما تخللها من عرقلة وخيبات .

 وأما قاسيونها  فقد تكحلت عيناي بمرآه حين يعانق الشمس صباح مساء ،مذ جاورته عملا ثمّ سكنا ، فتنشقت نسيمات الربوة وعذوبة بردى ، على مدى نحو ثلاثة عقود ونيف ، والأمل بالمزيد المزيد  .

كيف لي أن أودع دمشق ، دون أمل ، وقد التقيت فيها شريكة عمر، وفيها أسسنا بيتا وعائلة  واكتنزت تجربة حياة وعمل ،  فما بالك بمرابع الطفولة  ؟ بقرية دفعتني مبكرا إلى المدينة والعمل ، فلا انا ارتويت يافعا ، ولا حين  حان التقاعد وراحت تحتضن من جديد  جيلنا الذي باعدته مسالك الحياة ، والأمل مايزال أيضا هوالعزاء وإن في ثراها.

الأمل لم يخذلنا ،وحمدا لّله ،  كان الترياق الذي ساندنا ونحن نتقلّب في مواجع الغربة ، والنور الذي أضاء عتمة لياليها ، وبدّد مرارة أيامها ، لاسيّما حينما تحقق  ولثمت التراب  ليبلّله دمعي  ونشيج إخوة  وأقارب ، على وقع صيحات الوالدة  : حيّك ، حيّك ، وأمّا قبلاتها   فأيقنتني  أنّ الحلم بات حقيقة بعدما كاد أن يتلاشى ، فحين ودعت أم سعدالله خلسة ، كلانا غالب الدمع بغصات ، لم تكن تدري ان سفرنا سيطول..وندخل في أفق المأمول .

لقد صمدت أم سعدالله بعقودها العشرة مع ماواجهته من محن ،و مابين وداعها ذات أربعاء حزيراني  وآخر  ، أربعة أعوام ملأى بغصات روح وحرقة قلب ، لكنّ الأخير أكثر وجعا وأشدّ حسرة ، لقد تفرق أبناء وأحفاد ، رياح العمر تعصف مسرعة بأيام خريفه ، لم يمهلنا القدر شهورا أخرى  ،  فذات عصر من مطالع آذار ، وما أن ودّعت مصطبتها ، حتى أسلمت الأمانة لباريها ،…وخلت الدار إلا من عريشة وزيتونة وسروة  خمسينية ، افتقدت من يصابحها  فهوت  بعد أيام مع أول عاصفة  وها مصطبة أمي تخلو من زوّارها ، فبين حين وآخر توجعنا في غربتنا  أخبار الرحيل من حارتنا …ولكنّ أمي  بلا وداعنا رحلت.

=====

*كاتب وإعلامي سوري امريكي 

**من رواية دولاب أمّي