
“مصطبة أمي”بوح شفيف عن أماكن لا ترحل برحيل أهلها *بقلم سمر الديك
“مصطبة أمي”بوح شفيف من يراع ،،سعدالله بركات ،، عن حنين لأماكن لا ترحل برحيل أهلها
*بقلم سمر الديك
يقدّم سعد الله بركات في «مصطبة أمّي» كتابةً تُشبه ما يفعله الضوء حين يمرّ على الأشياء: يكشفها، ويحنو عليها، ويعيد ترتيب حضورها في الذاكرة.
؛ فهو لا يروي حكاية مكان فحسب، بل يكتب سيرةً للذاكرة الجماعية من خلال مقعدٍ حجري بسيط صار رمزًا لزمنٍ كامل.
في هذا النص، تتجاور ،،كولومبيا ،،بخضرتها النضرة مع صدد بحقولها القديمة، في مفارقة تكشف أن الذاكرة لا تُقاس بجمال الطبيعة، بل بما تتركه الأمكنة في الروح. فحين يقول الكاتب إنه بحث عن «مصطبة تعيده لذكرياته»، فهو لا يبحث عن حجرٍ أو ظلّ، بل عن جماعة بشرية كانت المصطبة تجمعها: الجارات، العابرون، الأطفال، أخبار الضيعة، الدعوات، والطمأنينة التي كانت تُسكب على المارّين مثل ماء بارد في قيظ الصيف
گ
القيمة الاجتماعية للنص تتجلّى في ثلاثة مستويات:
1-المصطبة بوصفها مؤسسة اجتماعية:
لم تكن المصطبة مجرد مكان للجلوس، بل كانت فضاءً عامًا بدائيًا، يشبه «مقهى الحارة» كما يصفه الكاتب. كانت مركزًا لتبادل الأخبار، وبناء العلاقات، وتثبيت قيم التضامن، ومراقبة التحولات الاجتماعية.إنها نموذج مصغّر لما يسميه علماء الاجتماع الفضاء الاجتماعي الحي الذي يختفي تدريجيًا مع تغيّر أنماط الحياة.
1-الأم بوصفها ذاكرة جماعية
حين يكتب عن أم سعدالله، أمّه، وعن الجارات اللواتي رحلن واحدة تلو الأخرى، فهو لا يرثي أفرادًا فقط، بل يرثي نظامًا اجتماعيًا كاملاً كانت المرأة فيه مركز الحكمة، والذاكرة، والدفء، والربط بين الأجيال.
إن قول الكاتب إن أمه «أودعت ذكرياتها لجارات كانت تجمعهنّ أمسيات ربيع وصيف» يكشف أن الذاكرة لم تكن فردية، بل ذاكرة مشتركة تُبنى بالحكايات والضحكات والدعوات.
3 -الغربة كقوة تمحو الأمكنة
النص يلمّح إلى أن المصطبة لم تفقد سمارها فقط بسبب الموت، بل بسبب الهجرة التي «عصفت بعائلات وشباب وشابات ففرّقت أسرًا».
هنا يتحوّل المكان إلى رمزٍ للفقد الأكبر: فقدان الجذور، وفقدان الإيقاع الاجتماعي القديم، وفقدان القدرة على العودة.
وحين يخاطب الكاتب المصطبة قائلًا: «هلّا تحسين بنا في غربتنا»، فهو يعلن أن الغربة ليست جغرافيا، بل انقطاع في السلسلة الإنسانية التي كانت المصطبة تمثّلها.
خلاصة القيمة الاجتماعية
«مصطبة أمي» ليست مجرد نص حنين، بل وثيقة اجتماعية تُسجّل:
* تحوّل العلاقات بين الجيران.
- تغيّر دور المرأة في المجتمع الريفي.
- أثر الهجرة على البنية العائلية.
- اندثار الفضاءات المشتركة التي كانت تصنع هوية المكان.
- وكيف يصبح المكان شاهدًا على رحيل جيلٍ كامل.
بهذا المعنى، يقدّم سعد الله بركات كتابةً تُعيد الاعتبار لـ التاريخ اليومي، ذلك التاريخ الذي لا يُكتب في الكتب الرسمية، بل في المصاطب، والبيوت، والطرقات، وفي ذاكرة الأمهات.
وفي الختام أستطيع القول :”مصطبة أمي”بوح شفيف عن الحنين، وعن الغربة، وعن الأماكن التي لا ترحل حتى حين يرحل أهلها.
*شاعرة وروائية سورية مقيمة في فرنسا
إيه مصطبة أمي …
*بقلم سعدالّله بركات بركات
ما كاد عام ٢٠٢٥ يودّعنا ، حتى ودّعت حارتنا في 28- -12 منه<**> ، عميدة من سيداتها النبيلات الراقيات المكافحات ، فتراكمت وحشة فراق وتداعيات هجرة بغير اتجاه .
إنّها الخالة العزيزة أم سعدالله بصبوص التي رحلت عن 95 عاما ًحافلا بعطر السيرة والجيرة ، فهي من أقدم الجارات التي آنستنا قبل ٥٥ عاما – مقابل دارنا- وبرحيلها خلت مصطبة أمّي من سمّارها أو كادت ، فقبل نحو 8 سنوات رحلت والدة كاتب السطور ،، أم سعدالله بركات ،، وحينها كتبت أنّي أحسبها سعيدة في ثراها ، لأنها أودعت ذكرياتها لجارات كانت تجمعهنّ أمسيات ربيع وصيف على مصطبة بنتها وعنيت بها كما اعتنت بتينة وزيتونة، ولطالما سرّت باجتماع عجائز الحارة في ظلّهما برفقتها ، وهنّ يتسامرن ويتذكرّن أيامهنّ الخوالي أو يتبادلن الدعاء لأولادهنّ والأحفاد ، وربما التنافس بالتباهي بهم ، أو يستوقفن من يلقي السلام فيزودهنّ بأخبار الضيعة بعد تبادل الاطمئنان والسؤال عن الحال والأحوال . بعد صحبة سنوات لدولابها ، قبل أن تضطر أمي مكرهة لهجره ، وتستبدله بما يشاغلها ويسري عنها وعن وحدتها من حياكات أو خياطات لوسائد وأرائك تعلّقت بمصطبتها أكثر ، فراحت تصابحها تارة أملا بعابر ، وتماسيها تارات كملتقى استراحة وتسالي ، و ذات صباح ربيعي آذاري ،لم تك أمي لتدري أنّها تودّع مصطبتها لآخر مرة ، حين سُمعت استغاثتها الأخيرة على بعد خطوات منها ، قبل أن تسلم الأمانة لباريها بعد نحو ١٠٠ عام من كفاح مرير . وقبيل رحيل أمي بأسبوع رحلت الجارة اللصيقة التي واصلت جيرتنا من الحارة العتيقة ،، أمّ هليل،، وقبلها بسنوات ،،أمّ ضيف اللّه وأمّ طوني وأم موفق ،، وبعدهنّ ،،أمّ نبيل التي سبقتنا من الحارة القديمة قبل نصف قرن ويزيد ،فأم نايل ،، ولعلّ صحة،، أم ّنضال وأم بهيج وأم طوني وأمّ نعمة ،، تسعفهنّ على التردّد على مصطبة أمي ، بل لعلّ عابر طريق تستدعيه استراحة عليها، أو تلامذة يلتقون عندها في طريقهم إلى المدرسة ، فلا تعد قفراء بعدما افتقدت سمارها ،فزاد أساها وأخال مصطبة أمي تناجي غصن زيتون وتينة ، فتشاركه لوعة فراق محتوم و ماحسبناه يدوم ، لولا رياح غربة عصفت بعائلات وشباب وشابات ففرقت أسرا وعائلات . آه مصطبة أمي آه ، ياما أدفأت نفوسنا حين نطلّ عليك وسمارك يتناهبوننا بترحيب وتهاني السلامة و بأحلى الأماني ، كنت وسمّارك تسرية وسامرة لأمي وهي تستبق الرؤية لطلّتنا وتتلقى دعوات العابرين لأجلنا ، فهلّا تحسين بنا في غربتنا !؟ وتبعثين لنا من مخزون الدعوات مايسريّ عنّا ويبلسم حشرجة غصّة عالقة منذ عقد ونيف ، منذ :
(( عصر ذاك الأربعاء.. حالكا جاء المساء….
حين ودّعنا الربوع بغصات ودموع ..
هاجت النفس وماجت ..
ومضت شهور مع سنين …..وتراكم شوق وحنين……
إلى أحبّة وذوي قربى.
إلى بلدة ودار …..إلى حارة وجار..
إلى الشام والشام شامة الأقمار))
*كاتب سوري أمريكي
===
&& من رواية دولاب أمي
*




