نيران الحقد ،،،قصة بقلم د. ليلى صليبي

Share

،،نيرانُ الحقدِ،، قصة ليلى صليبي *

في أحدِ الأحياءِ الشّعبيّةِ الهادئةِ، حيثُ البيوتُ متلاصقةٌ كأنّها تحفظُ أسرارَ بعضِها بعضًا، عاشَ شابّان جمعتْهما الأزقّةُ ذاتُها، وفرّقتْهما الحياةُ كما تفرّقُ الريحُ بين غصنيْنِ؛ أحدُهما اتجهَ نحو الضّوءِ، والآخرُ انجرفَ نحو العتمةِ.

كانَ الشابُّ الأوّلُ يُدعى سامي.
منذ طفولتِه، بدا مختلفًا عن أقرانِه؛ يحملُ في عينيْهِ هدوءًا نادرًا، وفي تصرفاتِه نضجًا مبكرًا. لم يكنْ كثيرَ الكلامِ، لكنّه كانَ إذا تكلّمَ اختارَ كلماتِه بعنايةٍ، وإذا عملَ أتقنَ، وإذا وعدَ وفى. أحبَّه النّاسُ دونَ تكلّفٍ لأنَّ أخلاقَه سبقتْ نجاحَه، ولأنَّ احترامَه للكبيرِ والصّغيرِ جعلَ الجميعَ يشعرون أنّ الخيرَ ما زالَ ممكنًا في هذا العالمِ.

كانَ والدُه عاملًا بسيطًا أفنى عمرَه في تعبِ السّنين، وكانتْ أمُّه امرأةً صابرةً تؤمنُ أنّ التّربيةَ الصّالحةَ أثمنَ من المالِ. لذلكَ نشأَ سامي على المسؤوليّةِ، يساعدُ والدَه بعدَ المدرسةِ، ويهتمُّ بإخوتِه الصِّغارِ، ويذاكرُ تحتَ ضوءٍ خافتٍ بينما ينامُ الحيُّ بأكملِه.

ومع مرور السّنواتِ، صارَ مثالًا يُحتذى به.
تفوّقَ في دراستِه الجامعيّةِ، ثمَّ حصلَ على وظيفةٍ مرموقةٍ في شركةٍ هندسيّةِ كبيرةٍ. لم تغيّره النّجاحاتُ، بل زادتْه تواضعًا. كانَ يعودُ إلى الحيِّ نفسِه، يسلّمُ على الجيرانِ فردًا فردًا، ويساعدُ المحتاجين سرًّا، ويقفُ إلى جانبِ كبارِ السنِّ كأنَّهم أهلُه جميعًا.

في الجهةِ المقابلةِ من الحيِّ، عاشَ شابٌّ آخر يُدعى بادي.

كانَ بادي نقيضَ سامي تمامًا.
شابًّا مستهترًا، يقضي نهاراتِه في المقاهي، ولياليه في اللّهوِ والثّرثرةِ الفارغةِ. لم يُكملْ دراستَه، ولم يثبتْ في عملٍ يومًا واحدًا. كانَ سريعَ الغضبِ، سليطَ اللّسانِ، يفتعلُ المشكلاتِ لأتفهِ الأسبابِ، حتّى صارَ أهلُ الحيِّ يتحاشونه كي لا يؤذيَهم بكلامِه الجارحِ.

لكنْ أكثرُ ما كانَ يؤلمُه في داخلِه هو نجاحُ سامي.

كانَ يرى النّاسَ تبتسمُ لسامي باحترامٍ، بينما ينظرون إليه بشفقةٍ وازدراءٍ.
وكانَ يسمعُ الأمّهاتِ يقلنَ لأبنائهنَّ:
— “تعلّموا من سامي. الأدبُ والاجتهادُ يرفعان الإنسانَ.”
فتشتعلُ النّارُ في صدرِه.

لم يكنْ بادي يعترفُ لنفسِه بأنَّ المشكلةَ فيه، بل كانَ يقنعُ ذاتَه بأنَّ سامي متصنّعٌ، وأنَّ النّاسَ منافقون، وأنَّ الحظَّ وحدَه هو من صنعَ نجاحَه.

وفي كلِّ مرّةٍ يرى فيها سامي يساعدُ أحدًا، كانَ يشعرُ بإهانةٍ خفيّةٍ، كأنَّ نجاحَ سامي فضحَ فشلَه .

ذاتَ مساءٍ، بينما كانَ سامي عائدًا من عملِه، لمحَ بادي جالسًا أمامَ المقهى كعادتِه. ابتسمَ سامي وقالَ بلطفٍ:
— “مساء الخير يا بادي.”

ردّ الآخر ببرودٍ:
— “يبدو أنّكَ أصبحتَ مهمًّا جدًّا هذه الأيام.”

ابتسمَ سامي بهدوءٍ:
— “الرّزقُ من اللهِ يا صديقي.”

لكنْ تلك الجملةُ البسيطةُ كانتْ كافيةً لتزيدَ الحقدَ اشتعالًا في قلبِ بادي.

ومنذُ تلك اللّيلةِ، بدأَ يفكّرُ بطريقةٍ مختلفةٍ.

في البدايةِ، أخذَ ينشرُ الشّائعاتِ عن سامي؛ قالَ إنّه متكبّرٌ، ويتظاهرُ بالأخلاقِ ليكسبَ النّاسَ، وإنَّ نجاَحَه جاءَ بالواسطةِ لا بالكفاءةِ. لكنَّ النّاسَ لم تصدّقْه، لأنَّّ السّنواتِ كانتْ قد كشفَتْ معدنَ سامي الحقيقيّ.

فشلَتِ الشّائعاتُ، فتحوّلَ الحسدُ إلى رغبةٍ في الانتقامِ.

وذاتَ يومٍ علمَ بادي أنّ سامي يستعدُّ لافتتاحِ مشروعِه الخاصِّ بعدَ سنواتٍ من التّعبِ .شعرَ َوكأنَّ الحياةَ تصفعُه من جديدٍ.
كيفَ ينجحُ هذا الرّجلُ في كلِّ شيءٍ بينما هو يغرقُ أكثرَ كلَّ يومٍ ؟

في تلكَ اللّيلةِ، لم ينمْ،
كان يتمشّى في غرفتِه الضّيقةِ كوحشٍ محاصَرٍ، بينما الأفكارُ السّوداءُ تنهشُ عقلَه.
تذكّرَ نظراتِ الاحتقارِ التي يظنُّ النّاسَ يرمقونَه بها، وتذكّرَ المقارناتِ الّتي طالما سمعَها، حتى بدأَ يشعرُ أنّ وجودَ سامي نفسِه إهانةً له.

وهنا وُلدَ القرارُ الأخطرُ.
في ليلةٍ ممطرةٍ، تسلّلَ بادي إلى المكتبِ الجديدِ الّذي يملُكهُ سامي.
كانَ المكانُ ما يزالُ قيدَ التّجهيزِ، والأخشابُ والدهاناتُ تملأُه. وقفَ للحظاتٍ يتأمّلُ اللافتةَ المعلّقةَ على البابِ:
“مكتب سامي الهندسي.”

شعرَ بغضبٍ أعمى.
أخرجَ من جيبِه قارورةَ وقودٍ صغيرةٍ، وبدأَ يسكبُها في الزّوايا المرتبكةِ كمنْ يصبُّ حقدَ سنواتٍ طويلةٍ . ثمَّ أشعلَ النّارَ وفرَّ هاربًا.
في دقائقَ، اشتعلَ المكانُ بالكاملِ.

استيقظَ الحيُّ على صرخاتِ النّاسِ وصفّاراتِ الإطفاءِ.
وصلَ سامي مذهولًا، ينظرُ إلى حلمِ عمرِه يحترقُ أمامَ عينيْهِ. حاولَ رجالُ الدّفاعِ المدنيّ، السّيطرةَ على النّيرانِ، لكنَّ الخسائرَ كانتْ فادحةً.

وقفَ سامي بصمتٍ، بينما كانتْ أمُّه تبكي بحرقةٍ.

أمّا بادي، فكانَ يراقبُ المشهدَ من بعيدٍ.
في البدايةِ، شعرَ بنشوةٍ غريبةٍ، لكنَّه ما لبثَ أن رأى سامي يساعدُ رجالَ الإطفاءِ ويطمئنُ النّاسَ رغمَ مصيبتِه، دونَ أنْ يصرخَ أو يلعنَ أحدًا.

حينها فقط، شعرَ بشيءٍ ثقيلٍ يهبطُ فوقَ قلبِه.

مرَّتْ أيّامٌ، وبدأَ التّحقيقُ.
كانتْ كاميراتُ المراقبةِ قد التقطَتْ ظلَّه وهو يدخلُ المكانَ ليلًا. ولم يطُلِ الوقتُ حتّى جاءَتِ الشّرطةُ إلى الحيِّ.

وقفَ بادي مرتجفًا وهو يُقتادُ أمامَ أعينِ الجيرانِ.
النّاسُ الّذين لم يحترموه يومًا، نظرُوا إليه هذه المرّةَ بخيبةٍ حقيقيّةٍ، لا بازدراءٍ فقط.

أمّا سامي، فظلَّ صامتًا.
اقتربَ من بادي قبلَ أن تُوقِفَه الشّرطةُ، وقالَ بحزنٍ عميقٍ:
— “كنتُ أتمنّى لو نافستْني بالنّجاحِ لا بالكراهيةِ.”

خفضَ بادي رأسَه لأوّلِ مرّةٍ في حياتِه.

في السّجنِ، أدركَ متأخّرًا أنّ الغيرةَ لا تُحرِقُ الآخرينَ أوّلًا، بل تُحرقُ صاحبَها من الدّاخلِ حتّى يتحوّلَ إلى رمادٍ.

أمّا سامي، فرغمَ خسارتِه، أعادَ بناءَ مشروعِه من جديدٍ.
ساعدَه النّاسُ لأنّهم أحبّوه بصدقٍ، ولأنَّ الأخلاقَ التي يزرعُها الإنسانُ تعودُ إليه يومَ يحتاجُها.

وبقيَ أهلُ الحيِّ يردّدون لسنواتٍ طويلةٍ:
“النّجاحُ لا يصنعُ الأعداءَ دائمًا… لكنَّ النّفوسَ المريضةَ قد ترى في نورِ الآخرينَ إهانةً لعتمتِها.”

*أديبة وأكاديمية لبنانية