
قول على قول
عن قراءة الأديبة سمر الديك لقصة سعدالله بركات
*بقلم د.ليلى صليبي
تقدّمُ قراءةُ الناقدةِ” سمر الديك” لنصِّ «مصطبة أمي» للكاتبِ المبدعِ سعدالله بركات”، بوصفِها قراءةً لا تكتفي بمرافقةِ النصِّ بل تنفذُ إلى طبقاتِه الخفيّةِ، حيثُ يتحوّلُ المكانُ من معطى جغرافي إلى كائنٍ نابضٍ بالذّاكرةِ.
ما يلفتُ في هذه القراءةِ أنّها لم تتعاملْ مع “المصطبة” كعنصرٍ سرديٍّ عابرٍ، بل كشاهدٍ اجتماعيٍّ كثيفٍ الدلالة، كأنها أعادت إليه وظيفتُه الأصليةُ: فضاءُ التجمّعِ الإنساني قبلَ أن تفرّقَه التحولاتُ الحديثةُ. وهنا تُبرزُ قدرةَ الناقدةِ على التقاطِ البعدِ السوسيولوجي للنصِّ ، حين ربطتْ بين المصطبةِ بوصفِها “مؤسسةً اجتماعيةً” وبين ما يشهدُه الريفُ من انحسارِ الفضاءاتِ المشتركةِ.
كما أنّ اشتغالَها على صورةِ الأمِّ بوصفِها ذاكرةً جمعيةً يفتحُ أفقًا تأويليًًّا مهمًّا، إذ لا تُقرأُ الأمُّ في هذا السياقِ كفردٍ عاطفيٍّ، بل كحاملةٍ لسرديّةِ الجماعةِ، ومرآةٍ لزمنٍ كاملٍ كان يقومُ على الحكايةِ الشفويةِ وتبادلِ القربِ الإنسانيِّ.
أمّا في حديثِها عن الغربةِ، فقد أحسنتْ التقاطَ التحوّلِ الدلالي من “فقدِ المكانِ” إلى “تفككِ العلاقاتِ”، وهو انتقالٌ دقيقٌ يجعلُ النصَّ يتجاوزُ الحنينَ الفرديَّ إلى مساءلةِ البنيةِ الاجتماعيةِ التي أنتجتْ هذا الحنينَ أصلًا.
غير أنَّ ما يمنحُ هذه القراءةَ قوتَها الأعمقَ هو لغتُها التأمليةُ التي لم تُخضِعِ النصَّ للتشريحِ الجافِّ، بل أبقتْ عليه حيًّا، مشبعًا بالظلِّ العاطفي الذي يحملُه الأصلُ الإبداعيُّ، وكأنَّها تمشي بمحاذاةِ النصِّ لا فوقَه.
في المحصلةِ، يمكنُ القولُ إن قراءةَ” سمر الديك” أعادتْ كتابةَ “مصطبة أمي” من زاويةِ الذاكرةِ الاجتماعيةِ، وجعلتْ من النصِّ وثيقةً إنسانيّةً تتقاطعُ فيها السيرةُ الفرديةُ مع سيرةِ المكانِ، دونَ أن تفقدَ حسَّها الأدبيَّ الرقيقَ أو نبرتَها التأمليةَ العميقةَ .
تحياتي وتقديري أستاذة سمر على هذه القراءةِ المعمّقةِ .
*د.ليلى ناقدة وقاصة وأكاديمبة لبنانية
**د.سمر شاعرة وروائية سورية – فرنسا
“مصطبة أمي”بوح شفيف عن أماكن لا ترحل برحيل أهلها *بقلم سمر الديك




