قراءة في قصيدة جورج عازار ،،حقائب الروح،،*بقلم عزة مبارك

Share

الاغتراب والعودة إلى الذات في قصيدة  جورج عازر،، حقائب الروح ،،
بقلم عزيزة المبارك
شرح عام:
النص يتحدث عن حالة من الرحيل المعنوي أو المادي حيث يستعد الشاعر للمغادرة على عجل حاملاً معه”حقائب الروح والشوق”
يصف النص حالة من الصراع الداخلي، الشاعر يحاول كتمان ألمه”كي لايتناثر صدى الجوى” وإخفاء انكساره خلف “ستائر الدهمة” ثم يقارن بين الماضي القريب”بالأمس كنت هنا” والحاضر الذي يفرض عليه الرحيل معبراً عن فقدان القدرة على تذوق الفرح، كما يستشعر الكاتب قرب لحظة الفراق فيبدأ بمخاطبة “الآخر” ليسمح له بإلقاء نظرة “وداع لجمادات واسترجاع لذاكرة بصرية وحسية مرتبطة بالطفولة، والحيرة والطبيعة، ” الشجر، النجوم، القمر” ، وكأنه يحاول تخزين ءه المشاهد كزادٍ روحي لرحلته.
كما يعبر الشاعر عن خوف إنساني عميق من ضياع الفرص ومن تحول الوجوه المألوفة إلى وجوه غريبة في الحياة الطويلة، “أخشى حين أعود أن يسبقني الزمان”.
يرى الشاعر أن كل ما سيبقى منا هي صورة الطفل المنسي المختبئ داخل ذاتنا في دلالة إلى العودة للأصل, وهذا الطفل الذي لايزال يمارس لعبة الاختباء “بانتظار رفاقه” وهي إشارة إلى البراءة التي يحاول حمايتها من قسوة الأيام.
يتابع الشاعر عازار حديثه بلغة حزينة، تتحدث عن “حسرات الأيام” والسؤال الوجودي الذي يؤرقه حول تلاقي الأرواح في لحظات الظلمة “الشدائد أو النهايات” ويعبر عن خوفه من فوات الأوان وسرعة الزمن التي تمحو الملامح والوجوه المألوفة، ويرتدي صورة”الطفل المنسي” الذي يختبأ خلف شجرة عتيقة في انتظار رفيق يوقظه من غفوته ويعيده إلى ذكريات أرض بعيدة.
النص يعتبر خاطرة شعرية تتحدث عن الحنين والذكريات سنتناول الجوانب الجمالية فيه:
& الدلالات الفنية للنص:
تتجلى جمالية النص في التكثيف الشعري واستخدام لغة رقيقه ومنسابة تميزت ب:
الإيقاع الداخلي: اعتمد الشاعر على تكرار الحروف والمقاطع “مثل حرف المد والآهات” مما خلق ايقاعاً موسيقياً حزيناً، تناسب مع الحالة الشعورية كما استخدم قافية متنوعة مع الحفاظ على النغمة الموسيقية الهادئة، التي تتناسب مع “أحاديث السمر” والليالي الساحرة.
المفارقة الزمنية:
استخدم الشاعر مفردات”الأمس، اليوم” لإظهار التحول الدرامي المفاجئ في حياة الذات الشاعرة، واستخدام التضاد الخفي بين استقرار”البيت والزوايا”, وحتمية”الرحيل والارتجال” أيضاً التضاد بين “يحل الظلام، الأرواح التي تعرف بعضها” وبين”الضحك والحسرات” مما يولد صراعاً داخلياً لدى القارئ.
الدلالات الرمزية:
النص غني بالرموز التي تفتح آفاقاً واسعى للتأويل والأبيات تضج بالشاعرية العالية التي تعبر عن حالة الاغتراب والحنين والتأمل النفسي في ماهية الزمن والذكريات وفيما يلي شرح لمضامينها وجمالياتها التالية:
الحقائب: ترمز للغربة والإرتحال الدائم وهي ليست حقائب ملابس بل “حقائب روح” مما يعني أن المسافر يحمل تاريخه وأوجاعه معه.
ستائر الدهمة: رمز الشاعر هنا إلى العزلة أو الرغبة في التستر بالليل والظلام لإخفاء الضعف الإنساني.
صوت الجوى: رمز به الكاتب للحقيقه الباطنية المحترمة التي يخشى الشاعر ان “تتناثر” او تفتضح أمام العالم.
الخُبور “الحبور”: مرارة يرمز إلى حالة الاكتئاب أو الفقد الساكن في الروح منذ زمن طويل “منذ دهور”.
حبيبات التراب: رمز بها الشاعر إلى الجذور والارتباط بالأرض ورغبة منه في أن “تلتصق” به ليظهر شدة التمسك بالهوية والمكان.
شجرة التوت واليمام: رمز بها للعطاء والسكينة والأمان الذي كان يوفره البيت واليمام الذي “يغفو”تحت الجناح يرمز إلى الطمأنينة المفقودة بالرحيل.
باب البيت العتيق: رمزية إلى العتبة الفاصلة بين زمنين، زمن الاستقرار والطفولة، وزمن الغربة والارتباك.
نسيم الدير وزوادة الارتحال: النسيم هنا لايدل على الهواء المادي الذي نعرفه فقط، بل هو “قوت روحي” والإرتحال “السفر” يحتاج لزاد وزاد الشاعر هو ذكريات المكان.
الظلام والأرواح: هنا رمز الشاعر بالظلام إلى المجهول أو الموت أو الوحدة، بينما يمثل تساؤله عن معرفة الأرواح لبعضها رغبة في التواصل الروحي الذي يتجاوز المادة والزمن.
هروب الوجوه والزمان: رمزية لفقدان الهوية والتقدم بالعمر حيث يشعر الإنسان في الغربة بأن كل ما كان مألوفاً بدأ يتلاشى ويصبح غريباً.
الطفل المنسي: هو الرمز الأقوى في النص ويمثل الذات الحقيقة أو البراءة التي تركتها الإنسان خلفه ليدخل عالم الكبار، المثقل بالهموم واختباؤه يعبر عن الخوف من المواجهة أو الرغبة في الحماية.
الشجرة العتيقة: ترمز إلى “الأصالة والجذور”والوطن أو الماضي الثابت الذي لا يتغير رغم تقلبات الزمن.
لعبة الاختباء: رمز بها إلى حالة “الانتظار” والترقب فالشاعر لا يختبئ ليرحل، بل يختبئ ليُكتشف، وهي دعوة مبطنة للبحث عن الحب والصداقة، “انتظار قدوم أحد الرفاق”.
الأرض البعيدة المنسية: رمز الشاعر بها ب”الفردوس المفقودة” أو الوطن الأم أو تلك الحالة من السلام الداخلي التي يسعى الإنسان لاستعادتها عبر الذاكرة.
خاتمة:
النص يعد مرثية للذات، يصور فيها الإنسان كمسافر أبدي يقتات على ذكرياته، ويواجه مصيره “الرحيل” بصمت وكبرياء رغم النزيف الداخلي.
من خلال قراءتي للنص رأيته يمثل أظب الحنين بأبهى صوره، حيث يتحول المكان من جغرافيا إلى قطعة من الروح، ويصبح الوداع طقساً لاستجماع الهوية، قبل مواجهة المجهول، وهي رحلة بحث عن الذات في وسط ضجيج السفر والاغتراب، وتنتهي بدعوة للتمسك بالبراءة القابعة في أعماقنا لأنها الحقيقة الوحيدة التي لا يغيرها الزمن.
وفق الشاعر بتوظيف كافة آليات الجمال الإبداعية ليجعل من القصيدة نصاً متكاملاً فتياً، ارجو له المزيد من العطاء والإبداع.
* ناقدة سورية

===== وهاكم نص القصيدة====

،،حَقائِبُ الرُّوحِ،،
حَقائِبُ الشَّوقِ
على عَجلٍ تَتَأهبُ
تُومئُ دَمعاً
وتَنزِفُ وَجَعاً
وسَتائرُالدُهمةِ
تَغشى الصَّبابةَ
كي لا يَتناثَرَ صَوتُ الجَوَى
في الفَضاءاتِ السَّحيقةِ
على عجلٍ أُلملمُ ذَاتي
أُمسِّدُ ذِكرياتي
وأزدَرِدُ آهَاتي
في فَرحي وَجدٌ
والغَصَّاتُ فَجَعٌ
وشجونٌ
وأنا مُنذُ دُهورٍ
فرَّ مِني الحُبورُ
ونَسيتُ
كيفَ طَعمُ المَسرَّاتِ يكونُ
بالأمسِ كُنتُ هُنا
واليومَ يَدنو مني الرَّحيلُ
وَدَدتُ لو بَعضَاً مِن حُبيباتِ التُّرابِ
في الأركَانِ تَلتَصِقُ
كي أَعودَ إليها
حينَ يَعزُّ الِّلقاءُ
دَعني أودِّعُ تِلكَ الجَنبَاتِ
هُناكَ حيثُ يُطلُّ القَمَرُ
أرنو إلى رَيحانِ حَديقتِنا
وإلى شَجرةِ التُّوتِ
تَغتَسِلُ بِضوءِ البَدرِ
وتحتَ جَناحَيها
يَغفو اليَمامُ
دعني أودِّعُ بابَ البَيتِ العَتيقِ
وما تبقَّى من الأَهلِ والجيرانِ
أُشيّعُ رَصيفَ حَارتِنا
وأمَاكنَ لَهونَا
ومُستودَعَ أسرارِ طُفولتِنا
دَعني أَنهَلُ مِن نَسيمِ ديرَتِنا
بِما يَكفي من زَوَّادةِ الاِرتِحالِ
أَتوقُ إلى النُّجومِ المُتلألئةِ
فوقَ سَطحِ بيتِنا
في أُمسياتِ الصَّيّفِ
وهي تُرسِلُ وَميضَاً ورذاذاً
كُلَّما قَهقهت ضَاحِكةً
وهي تَسْتَرِقُّ السَّمعَ
إلى حِكاياتِنا السَّاذجةِ
وأحاديثِ السَّمرِ
في الَّليالي السَّاحرةِ
حَقيبةُ سَفرٍ
فيها مَذاقُ البُعادِ
وأسفارٌ وحِكاياتٌ تُبعثرُها
حَسَراتُ الأيامِ
يا صَاحبي يُؤرِقُني دَوماً
ذاكَ السُؤالُ
هل تَعرفُ الأَرواحُ بَعضَها
حين يَحلُّ الظَلامُ؟
أخشَى حين أعودُ
أن يَسبُقَني الزَّمانُ
وتَهربُ مِني كُلُّ الوُجوهِ
في الدُّروبِ الطَّويلَةِ
ولا يتبقَّى هُناك سِوى
ذَاكَ الطِّفلُ المَنسيُّ
مُختَبِئَاً خلفَ الشَّجرةِ العَتيقةِ
هارِباً في تَفاصيلِ
لُغزِ لُعبةِ الاختباءِ
مُنتظِراً قُدومَ أحدِ الرِّفاقِ
كي يُوقظَهُ مِن نَشّوةِ الغَفوةِ
ورَجعِ صَدَى الذِّكرى
في تلكَ الأرضِ البَعيدةِ
المَنسيةِ

بقلمي: جورج عازار