قراءة نقدية في قصيدة ،،شغف ،، * بقلم عزة مبارك

Share

شغف..فلسفة الإندفاع وعدم الخوف قصيدة نازك مسوح
بقلم الباحثة عزيزة المبارك/سورية


يتمحور النص حول مفهوم “الشغف”، وكيف ينساب في حياة الشاعرة، مثل الأنهار، مؤثراً بكل مساراتها وقراراتها، وتصف حالة التماهي بين روحها وبين تقلبات الحياة، وكيف أنه أي “الشغف”، المحرك الأساسي لأفكارها وافعالها، كما تخاطب الشاعرة “الحياة”، بوصفها المحبوب الأبدي والملاذ الأخير، وتتمنى الذوبان في تفاصيلها لتجري في عروقها، كما تجري المياه في الصخور، وتنتقل لوصل صراعها وإصرارها على مواجهة تحديات الدهر بشموخ الجبال.
وفي النهاية تنظر إلى الموت ليس كفناء، بل كرحلة عودة إلى أحضان الحياة “الأرض” أو “أحضان الحبيب”، لتورق من جديد كغصن أخضر، متحولة إلى رمز من رموز الجمال والأصالة.
النص عبارة عن قصيده وجدانية غنية بالصور السريالية والرمزية التي تعبر عن تجربة عاطفية عميقة، وصراع داخلي بين الذات والآخر:
“شغف” كلمة واحدة تختصر الحالة الشعورية فهي توحي بالاندفاع العاطفي، الذي يتجاوز الحب العادي إلى مرحلة الهيام والتعلق الروحي،
استخدمت الشاعرة ملامح الطبيعية بشكل ساحر، ووظفت عناصر المياه كرمز للتدفق و الاستمرارية، والمفارقة بين “الحياة” كفضاء عام و “الذات” كعالم خاص، تشير فيه أن المحبوب اخترق خصوصيتها واستوطن أعماقها.
النص اعتمد على أنسنة المشاعر وحولها إلى كائنات حية تتحرك وتتفاعل، والرمزية في الأبيات ليست غامضة، بل شفافة، تهدف إلى إيصال فكرة أن الحب ليس مجرد شعور، بل رحلة مائية وصوفية تتطلب شجاعة لمواجهة الذات والتحرر من زيف العالم الخارجي.
“قصة عشق وغرام…غدرانها” استعارت الشاعرة كلمة الغدران ” الغدير مجرى مائي صغير” لوصف تفاصيل الحب لترسم النعومة و الانسياب الهادئ للمشاعر داخل الروح، التي توحي بها للقارئ.
ايضاً نلاحظ بروز الصراع بين الزمن والحركة “يحث الخطى نحوي” هنا دلالة على شعور بالقَدرية، وكأن الحب يسير باتجاه الشاعرة، بخطوات واثقة لا مفر منها، وصفت “الخطى” أو” اللحظات” بالجنون والانفلات كرمز إلى كسر القيود والتمرد على المنطق التقليدي في قولها “المنفلتة المجنونة”.
القارئ يلاحظ بشكل واضح التناغم الحسي والروحي في أسلوب ومعاني النص، فالشاعرة تربط بين الجمال “اللحن” والألم “الوجع” مما يعكس طبيعة الحب المزدوجة التي تجمع بين اللذة والمعاناة، “أنغام حلمها” “بجعات روحي”.
“حفل زفاف بهيج” رمزت الشاعرة هنا إلى الاتحاد الروحي المطلق، حيث تصبح المعاناة جزءًا من احتفالية الوجود. أبرزت الكاتبة موقفاً من النفاق والكذب، في قولها “لم أكن يوماً إلا ستراً لسرير دنياها” كرمز للتعبير عن التفاني والرغبة في السكينة بجوار المحبوب، وتبرز القيمة الأخلاقية من الحب، وتؤكد على الصدق المطلق “ما شكوت لحظة من خشية النفاق” فهي لا تخشى أن تتهم بالنفاق لأنها تعيش حالة الحب بكل جوارحها، مما يضفي صبغة طهرانية على هذا الشغف.
الطينية المجنونه” هنا ترمز إلى قوة خفية أو تعويذة “الشغف” تقوده وتوجه خطاه، ووصفتها بالمجنونة كدلالة على الاندفاع وعدم الخضوع للمنطق التقليدي.
وصفت الحياة أو ربما “فكرة” معينة بأنها طفلة مدللة، مما يوحي بالرقة تارة والتمرد أو صعوبة المراس تارة اخرى.
ثنائية (الصلابة و اللين)، يظهر التضاد الجمالي بين رموز القوة مثل “جوف الصخرة”، ” محارب صنديد” ” الطور الشامخ” ، وبين رموز الرقة والعطر مثل “دفقات كافور وطيب”، رياض البيلسان”، “عطر شغفي”، هذا التماذج عكس طببعة النفس البشرية التي تجمع بين الإرادة والعاطفة.
“ازرعيني”، “آس مخصوضر” نلاحظ هنا رمزية الانبعاث والتجدد، حيث استخدمت الشاعرة “الآس” وهو نبات مرتبط بالخلود والذاكرة في الثقافة العربية، لتدل إلى فكرة أن الموت مجرد تحول لشكل آخر من أشكال الحياة والجمال.
“العنقاء” هنا نرى البعد الميثولوجي العنقاء رمز للترفع والحرية والقدرة على النهوض من بين الركام، “الكهوف المظلمة” مما منح النص صبغة أسطورية توحي بالأمل الأبدي.
الشاعرة اعتمدت الصورة الجمالية المبتكرة “خاتماً ماسياً في إصبعك” جعلت هنا من الروح جزءًا لا يتجزأ عن زينة الحياة وألقها.
“كرسي عطور” نرى هنا تكثيف للتعبير مما أوحى بالثبات والامتلاء بالرائحة الطيبة والسكينة.
النص يجسد فلسفة الاندفاع وراء الشغف، وعدم الخوف من عواقب الحب، والانغماس في تجارب الحياه بكل ما فيها من غموض وجمال.
القصيدة برأيي عبارة عن مناجاة وجودية، بلغة تنساب بعذوبة اعتمدت الكاتبة على الصور المستمدة من الطبيعة لتعبر عن تجربة إنسانية عميقة تقدس الحياة وتتمسك بجمالياتها حتى في لحظات الرحيل، وهي دعوة لتحويل الفناء إلى بقاء من خلال الحب، والبحث عن السكينة الأبدية في أحضان من نحب.
الكاتبة وفقت في اختيار كل معالم الكتابة التي أغنت القصيدة وأوضحت المعاني وأضفت عليها كل سحر البيان.

## القصيدة من ديوان الشاعرة الأول ،،  مزامير على ثغور الصباح ،دار الينابيع دمشق ٢٠٢٥ وهاك م نصها

شغف..

بينَ أنهارِ الحياةِ، وبحيراتِ ذاتي
قصَّةُ عشقٍ وغرام
روافدُها، وغدرانُها تحثُّ الخُطا نحوِي..
تمطِرُني قُبَلُها الطِّينيَّةُ المجنونةُ حبّاً،
وعلى أنغامِ شلَّالاتِها تتراقصُ
أثوابُ زبدي، وبجعاتُ روحي
في حفلِ زفافٍ بهيجٍ…
كم وجدتُنِي طفلةَ الحياةِ المُدلَّلة!
وكمْ زَهوتُ على مسارِحِها المُلهِمات،
بأثوابيَ الموشَّاةِ بشذراتِ فكريَ المُتَّقد..
لم أكن يوماً إلَّا ستراً لسريرِ دُنياها،
وحتّى لمَّا فررتُ كنُدافةٍ ضالَّة
ما شكوتُ لحظةً من خشبةِ الندَّاف
مادامَت تبغِي صَلاحِي ونَجاحِي..
ما أَروعَنا إذْ نشربُ نخبَ ولَهِنا!
ثمّ أرتمي بغنجٍ ودلالٍ
في أحضانِها كقارورةِ نبيذٍ معتَّقٍ
تاقَتْ لدغدغةِ أناملِ نَديمِها الوفيّ
فهل ستَثملُ الأرضُ والسَّماءُ
من حَميميَّةِ اللِّقاء؟
أيَّتها الحياة؛
تَغلغلِي في شَرايينِي
كما المياهُ في جوفِ الصُّخور
ولتتفجرْ ينابيعُكِ دفَقاتِ كافورٍ وطيب
دعيني أقارعْ في مَعامعِكِ كمحاربٍ صنديد
رضعَ حليبَ بَأسِكِ
وعنفوانَ الدهر
كالطَّودِ عالياً شَمخ..
أيا مَعشوقَتي الأبديَّة؛
حَسبيَ أنَّني آثرْتُ التَّحليقَ عنقاءَ
في عُلاكِ، وما آنستُ الإقامةَ
في كهوفِكِ المظلِمات
وحينَما تُقرَعُ أجراسُ رحيلي جَسداً،
اِزرعيني عودَ آسٍ مخضوضراً
بينَ ذراعَيكِ الدَّافِئتين،
وَلتصوغي روحِي الهائمةَ بكِ
خاتماً ماسيّاً في إِصبعِكِ،
وفي رياضِ البيلسانِ المزهرة
كرِّسي عطورَ شغفي، وهيامِي..