د.ليلى صليبي تقرأ في قصيدة ،،حنين ،، لسمرالديك

Share

دراسةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ” حنينٌ وذكرياتٌ” للكاتبة ” سمر الدّيك”

@@ بقلم د. ليلى صليبي

قصيدةٌ تنبضُ بحنينٍ صافٍ، وتستدعي الوطنَ لا بوصفِه مكانًا فحسب، بل بوصفِه ذاكرةً حيّةً تسكنُ الوجدانَ. وقد استطاعَتِ الأديبةُ” سمر الديك” أن تجعلَ الحنينَ بطلاً شعريًّا يتحرّكُ بينَ الصّورِ والتّفاصيلِ اليوميّةِ البسيطةِ التي تتحوّلُ في النصِّ إلى رموزٍ إنسانيّةٍ عميقةٍ.

يبدأُ النصُّ بإيقاعٍ وجدانيٍّ قويٍّ:

حنينُ قلبي إلى الأحبابِ في بلدي
كأنّهُ نارُ وجدٍ في دجى الجسدِ

إذ شبّهتِ الحنينَ بالنّارِ المتّقدةِ في عتمةِ الجسدِ، وهي صورةٌ موفّقةٌ تجمعُ بين الألمِ والدّفْءِ معًا، وتؤسّسُ منذُ البدايةِ لمناخٍ عاطفيٍّ مشحونٍ بالشّوقِ والافتقادِ.

وتتجلّى براعةُ الشّاعرةُ في انتقالِها من العامِ إلى الخاصِ؛ فهي لا تكتفي بالحنينِ إلى الوطنِ كمفهومٍ مجرّدٍ، بل تستحضرُ تفاصيلَه الصّغيرةَ: الأزقّة، الخبز، الأبواب، أحاديث الغروب، عيني الأم، لعب الطفولة… وهذه التّفاصيلُ تمنحُ النصَّ صدقَه الإنسانيَّ، وتجعلُ القارئ يشعرُ أنّه يستعيدُ ذاكرتَه الشّخصيّةَ أيضًا.

ومن أجملِ ما في القصيدةِ هذا التلاحمُ بين الحسيّ والرّوحي، “فالخبزُ” ليس مجرّدَ طعامٍ، بل رمزٌ للألفةِ والجوارِ، و”الضّوءُ في عيني الإخوة” يتحوّلُ إلى صورةٍ للأمانِ العائليِّ الذي افتقدَتْه الذّاتُ المغتربةُ.

كما يلفتُ النّظرُ حضورَ الأمِّ بوصفِها مركزَ الطّمأنينةِ:

وللأمومةِ في عينيّ والدتي
تروي الحكايا وتُسقيني من السهدِ

فهنا تمتزجُ الحكايةُ بالتّعبِ والسّهرِ، وكأنَّ الأمُّ تمنحُ أبناءَها حبَّها حتّى من تعبِها الشّخصيِّ، وهي صورة شديدةُ الحميميّةِ والصّدقِ.

لغويًّا، حافظَتِ القصيدةُ على نبرةٍ شفافةٍ وإيقاعٍ هادئٍ ينسجمُ مع طبيعةِ الحنينِ ،كما جاءَتِ الألفاظُ سلسةً بعيدةً عن التّكلّفِ، ممّا زادَ النصَّ قربًا وتأثيرًا. وقد اعتمدَتِ الشّاعرةُ على التّكرارِ الفنيِّ لفعلِ “أحنُّ”، وهذا التّكرارُ لم يكنْ مجرّدَ لازمةٍ لغويّةٍ، بل تُحوّلُ إلى نبضٍ داخليٍّ يعمّقُ الإحساسَ بالاشتياقِ ويمنحُ النصَّ وحدتَه الشّعوريّةَ.

أمّا الخاتمةُ فجاءَتْ مفتوحةً على سؤالٍ موجعٍ:

فيا حنيناً سكنّا لا مفارقةً
هل من رجوعٍ إلى الأحبابِ والبلدِ؟

وهو سؤالٌ يحملُ وجعَ المنفى وقلقَ العودةِ، ليبقى النصَّ معلّقًا بين الأملِ والاستحالةِ، بين الذّاكرةِ والواقعِ.

إنّها قصيدةٌ تُقرأُ بالقلبِ قبلَ العينِ، وتنجحُ في تحويلِ الحنينِ من شعورٍ فرديٍّ إلى تجربةٍ إنسانيّةٍ مشتركةٍ.

كلُّ الشّكرِ والتّقديرِ للأديبةِ الرّاقيةِ” سمر الديك “على هذا النصِّ الشّفيفِ الذي أعادَ للحنينِ صوتَه الدافئ َوللذاكرةِ ألقَها الإنسانيَّ الجميلَ.
دمتِ مبدعةً تحملين الوطنَ في نبضِ الحرفِ، وتزرعين في القلوبِ عبقَ الأمكنةِ الأولى وصدقَ المشاعرِ النبيلةِ.

وهاكم نص القصيدة:

حنين وذكريات
سمر الديك /فرنسا/سورية
—————-
حنينُ قلبي إلى الأحبابِ في بلدي
كأنّهُ نارُ وجدٍ في دجى الجسدِ

أحنُّ للطفلِ في أزقاتهِ لعباً
وللندى فوق أغصانٍ من الزردِ

أحنُّ للدارِ، للأبوابِ، للفرحِ
وللأمانِ الذي قد كان في المهَدِ

أحنُّ للخبزِ من كفِّ الجوارِ، إذا
فاحَ العبيرُ على الأعتابِ بالقددِ

وللأحاديثِ في ظلِّ الغروبِ، وقد
سرتْ نوايا القلوبِ الطيباتِ ندِي

وللأمومةِ في عينيّ والدتي
تروي الحكايا وتُسقيني من السهدِ

أحنُّ للضوءِ في عينيّ إخوتي
وللضحى حينَ نلهو دونما قيدِ

وللترابِ الذي في الدربِ قد رسمتْ
خطايَ طفلاً، على أنغامِه الوِردِ

أحنُّ للعيدِ، للأثوابِ، للضحكِ
وللتهاني التي تزهُو على الخدِّ

فيا حنيناً سكنّا لا مفارقةً
هل من رجوعٍ إلى الأحبابِ والبلدِ؟