
قراءة ومضة *
نبل الألم الإنساني في ومضة،، شرف ،،للكاتبة (سمر الديك)
نص الومضة::
(( كلّ يوم تخرج صباحاً، فيلحقها ظلّها متردّداً… تعود في المساء، ويقلقها غيابه!…))
بقلم: عزيزة المبارك/ سورية
الومضة الشعرية هي دفقة شعورية مركزة ومكثفة تمثل مشهداً أو إحساساً خاطفاً كالوميض يظهر في السماء يتوقد في ذهن الكاتب ومشاعره يصوغه بأقل عدد ممكن من الكلمات، التي تحمل معان ودلالات عميقة وعناصر دهشة ومفاجأة وغالباً ما تعتمد التلميح والمفارقة و تأثيرها كالبرق.. خاطف وساحر…
السحر اليوم ومضة للأستاذة الراقية (سمر الديك). التي حازت على جائزة المركز الثاني في القصة القصيرة في مجلة الهراديبة، كل التوفيق والنجاح.
شرف:
(كلّ يوم تخرج صباحاً، فيلحقها ظلّها متردّداً… تعود في المساء، ويقلقها غيابه!…)
سأبدأ بقراءة التأثير الذي أوقعه النص في أعماق روحي ووجداني..
الشرح العام للنص:
يبدو للقارئ أن النص يتحدث عن (أنثى). تبدأ رحلتها في الصباح يرافقها ظلها الذي يبدو متردداً خلفها، ومع اسدال النهار ستائره ويحط الليل جناحه الكالح تشعر بالقلق بسبب غياب ظلها الذي كان يرافقها. هذا المنظر العام الذي يقرأه المشاهد العادي، لكن جوارحي وإلهامي قرأ النص بلغته الخاصة سوف أتشارك معكم وقع الكلمات في وجداني.
شرف:
كلّ يوم تخرج صباحاً، فيلحقها ظلّها متردّداً… تعود في المساء، ويقلقها غيابه!…
العنوان:
شرف: يدل على الارتباط بالقيم (شرف الكلمة، شرف المحاولة، شرف الرضا بالقدر)، شرف يضفي صيغة النبل على هذا الألم الإنساني الرقيق كما يرمز إلى إشارة على نوع من الرفعة والكرامة في الوحدة وسمو في التقبل لرحيل شيء غال.
كل يوم تخرج صباحاً فيلحقها ظلها متردداً … تعود في المساء ويقلقها غيابه! :
نرى هنا حجم الثكثيف في الصورة الشعرية والتشخيص وأنسنة الأشياء لإيصال دلالات عميقة حول الوحدة والارتباط، (الظل) ليس مجرد انعكاس للجسد بل اعتبرته الكاتبة الصديق الوحيد الذي يرافقها في رحلتها ليس اليومية فقط بل رحلتها العمرية ربما. كأنه الروح التي تبدأ مع خلق الإنسان وتنتهي بموته.
الظل رغم أنه (أمر مادي) يكون متردداً وكأنه يمتلك حيرة إنسانية وفي المساء يصبح الغياب (هو أمر معنوي)، سبباً للقلق، مما يعكس عمق الروابط بين الشخص وظله الذي يرمز هنا إلى (العمر، الزمن).
الدلالات أعمق مما تبدو حيث تعتمد الكاتب على تجسيد (الظل) وتمنحه صفات إنسانية (التردد، الغياب، المؤرق). الظل هنا ليس مجرد ظاهرة فيزيائية بل رفيقها الملازم الذي يؤنس وحدتها فهو (العمر) أو (الأنا) الأخرى الذي يسبب غيابه الخوف والوحشة من الأفول (الموت)، (يقلقها): كلمة قوية تدل على تعلق عاطفي فالظل الذي هو (عدم)، لكن غيابه يسبب قلقاً لموجود (الكاتبة) هذا يدل على أن الظل هنا رمزاً لرفيق الروح أو ربما هو الروح بحد ذاته.
النص بحمل طابعاً أدبياً رقيقاً مليئاً بالصور الخيالية والشاعرية التضاد والمفارقة: (الصباح، المساء) نلاحظ توافق الثنائيات المبدع وتوظيفه بطريقة وجدانية شاعرية رقيقة، فالصباح يمثل (الحركة، الحياة، الوضوح) حيث يظهر الظل جلياً. أما المساء فيمثل (السكون، العودة إلى الذات والغموض والنهاية والموت) حيث يختفي الظل (المؤنس).
نلاحظ المفارقة ووقعها في الروح (مفارقة القلق): فالجمالية هنا تكمن في أن الغياب عادة ما يكون لشخص غريب، لكن القلق هنا نابع من غياب شيء هو جزء اصيل من الذات (العمر).
للنص برأيي أبعاد فلسفية ونفسية متعمقة في روح الكاتبة وهي:
الاغتراب: النص يعبر عن حالة من الاغتراب والوحدة الشديدة فالإنسان حين لا يجد أنيساً سوى ظله، يصبح فقده في الظلام مصدراً للوحشة والقلق.
وصف الكاتبة للظل بــ “متردداً” إيحاء بعدم الاستقرار والثبات والبحث عن اليقين والخوف من المجهول الذي ينتظرها في رحلتها اليومية بمعناها الكبير التي ترمز إلى رحلتها العمرية.
نلاحظ أيضاً التعلق بالضوء فالظل الذي يرمز (الزمن، العمر، الروح) لا يظهر إلا بوجود الضوء وغيابه في المساء هو تذكير بالفناء وتلاشي الهوية في عتمة الحياة أو الوحدة.
الأثر الوجداني والروحي الذي أوحى به النص في أعماقي لتستنتج جوارحي أن النص عبارة عن مرثية قصيرة للوحدة والاغتراب تصور فيها الكاتبة الإنسان كائن مرتبط بتفاصيله الصغيرة (حتى ظله). وكيف أن مجرد غياب هذه التفاصيل البسيطة في نهاية اليوم يترك أثراً من القلق الوجودي العميق.
اعتمدت الكاتبة الإيقاع الهادئ بجمل قصيرة تنتهي بنقاط مما يوحي للقارئ بأخذ فرصة للتأمل بكل مشهد على حدة، وكأنه يشاهد لوحة سينمائية تبدأ بشروق الشمس التي ترمز لبداية العمر، وتنتهي بسكون الليل الذي يرمز لنهاية العمر أو الموت. النص قدم ومضة شعرية غاية في الروعة والإبداع والابتكار.
* الومضة فازت بالمرتبة الثانية في مسابقة مجلة ،،الهراديبة،،




