
أسلوبُه يتميز بالشفافيةِ الوجدانيةِ والنبرةِ التأمليةِ : * د. ليلى صليبي تكتب عن الشاعر”جوزيف إيليا”

يتميّزُ أسلوبُ الشاعر القس “جوزيف إيليا” بكتابةٍ تجمعُ بين الشفافيةِ الوجدانيةِ والنبرةِ التأمليةِ العميقةِ، حيثُ تبدو القصيدةُ لديه أقربَ إلى مناجاةٍ داخليّةٍ تتقاطعُ فيها الروحُ الإنسانيةُ مع الأسئلةِ الوجوديّةِ. لا يعتمدُ على الزخرفةِ البلاغيّةِ الثقيلةِ بقدرِ ما يراهنُ على الإيحاءِ والهدوءِ العاطفيِّ، لذلك تأتي لغتُه سلسةً لكنّها محمّلةٌ بطبقاتٍ من الحنينِ والانكسارِ والتأمّلِ.
ومن أبرزِ سماتِ أسلوبِه:
* النبرةُ الروحيةُ غير الوعظيةِ:
فخلفيتُه الكهنوتيةُ تُظهرُ في حسِّه الإنسانيِّ والرحمةِ والتأملِ، لا في خطابِ دينيٍّ مباشرٍ. الروحُ عندَه مساحةُ بحثٍ وقلقٍ ومحبةٍ، وليستْ منصةَ تلقينٍ.
* الحنينُ والمنفى:
تشغلُ الذاكرةُ السوريةُ مساحةً واسعةً في نصوصِه، خصوصًا بعدَ الهجرةِ. لذلك تتكرّرُ صورُ المكانِ الأوّلِ، والطفولةِ، والاقتلاعِ، والبحثِ عن دفءٍ إنسانيٍّ مفقودٍ. المنفى عندَه ليس جغرافيًّا فقط، بل شعورٌ داخليٌّ بالتباعدِ عن الذاتِ والعالمِ.
* اللّغةُ الهادئةُ المشبعةُ بالموسيقى:
حتّى في قصيدةِ التفعيلةِ، يحافظُ على إيقاعٍ داخليٍّ واضحٍ، وتبدو جملُه الشعريّةُ متدفقةً برهافةٍ، مع ميلٍ إلى الجملِ القصيرةِ الموحيةِ والصورِ الرقيقةِ غيرِ الصاخبةِ.
* المرأةُ باعتبارِها رمزًا جماليًّا وروحيًّا:
لا تظهرُ المرأةُ لديه بوصفِها موضوعَ غزلٍ تقليديٍّ فحسب، بل كرمزٍ للحياةِ والخصبِ والخلاصِ والجمالِ الداخليِّ، ولهذا تحملُ قصائدُه العاطفيةُ بعدًا وجدانيًّا وتأمُّليًّا.
* التوازنُ بينَ الكلاسيكيةِ والحداثةِ:
فهو لا يقطعُ مع التراثِ العروضي، بل يحاولُ توسيعَه وإحياءَ بعض ِإمكاناتِه، مع انفتاحٍ على الحساسيةِ الحديثةِ في الصورةِ والرؤيةِ والبناءِ النفسي للقصيدةِ.
أمّا رؤاهُ الفكريةُ، فتقومُ غالبًا على:
* الإيمانِ بالإنسانِ رغمَ ضعفِه،
* والبحثِ عن المعنى وسطَ الخرابِ،
* والانتصارِ للمحبةِ والجمالِ باعتبارهما مقاومةً روحيةً،
* إضافةً إلى شعورٍ واضحٍ بأنَّ الشعرَ فعلُ خلاصٍ وحفظٍ للذاكرةِ في مواجهةِ التآكلِ والمنفى.
لذلك تبدو تجربتُه قائمةً على ما يمكنُ تسميتُه: شعريةَ التأمّلِ الحزينِ؛ حيثُ يمتزجُ الصفاءُ الروحي بألمِ الإنسانِ المعاصرِ، دونَ صخبٍ أيديولوجي أو افتعالٍ لغويٍّ.
*د. ليلى صليبي -أديبة وأكاديمية لبنانية




