
حمل وزنتي الإيمان والأدب ، الشّاعر القسّ جوزيف إيليّا :شجرة قيم لا تشيخ
من أقصى شمال شرق سوريا ، إلى ألمانيا ، مشوار تحد وطموح ، ومسيرة حافلة بالنجاحات على مافيها من معاناة ،تراه يهتم ّ بما يريد القارئ ويتمنّاه من قصيده واثقًا بذوق القارئ ووعيه ، محمولا على قيم أصلة متجددة ، ينثر زهور شعره عابقة برؤى شفيفة ، والشّاعر القسّ جوزيف إيليّا لا يرى غضاضة بين كونه رجل دينٍ ورجل أدبٍ موضحا (( لأنّني كنت منخرطا بقضايا الأدب بعمقٍ وحبٍّ ، قبل دراستي للعلوم الّلاهوتيّة اوانخراطي في العمل الكنسيّ ، واستمرّ ذلك من دون تعارض فللأدب رسالةٌ أخلاقيّةٌ لا تقلّ في سموّها وقوّتها وتأثيرها عن رسالة الدِّين وإن اختلفا في الشّكل والأسلوب ويظلّ مضمونهما وهدفهما واحدًا)) و حسب د. ليلى صليبي :(( فخلفيتُه الكهنوتيةُ تُظهرُ في حسِّه الإنسانيِّ والرحمةِ والتأملِ، لا في خطابِ دينيٍّ مباشرٍ. الروحُ عندَه مساحةُ بحثٍ وقلقٍ ومحبةٍ، وليستْ منصةَ تلقينٍ.))
& الشّاعرة ليلاس زرزور حاورت الشاعر مرتين ، وفي دراستها لقصيدة “الفكرة الهاربة” رأتها (( تُعبّر عن تجربة عميقة تتعلق بالشوق، وتداخل العاطفة مع خيبة الأمل. يُقدّم الشاعر حالة تشتت وضياع ضمن حب يتوق إليه، ولكنه غير ملموس، يظهر ويختفي، مما يتركه في حالة من الجذب والتوتر. )) وقالت :(( لغة القصيد عنده تتسم بالبلاغة والرمزية، ويظهر فيها استخدام الشاعر للغة قوية تعبر عن مشاعره ببساطة. كما أنها تحتفظ بأصالة الكلاسيكية الشعرية من حيث الأسلوب والمفردات، وتترك مساحة واسعة للقارئ ليتأمل مشاعره الخاصة ويتفاعل مع التوترات التي يثيرها النص.
القصيدة تتناول علاقة الشاعر بفكرة أو حلم يلاحقه، إذ يعبر عنه كمحبوبة، و وأمنية يصعب تحقيقها
“وتأتي ولا تأتي وإنّي على وهمي / أظلُّ أُسلّي النّفْسَ والنّفْسُ في سُقْمِ / أقولُ: لقد جاءت وأُمسِكُ كفَّها”
القصيدة تحمل رمزية تتجاوز العلاقة العاطفية السطحية، حيث يمكن اعتبار “الفكرة الهاربة” رمزًا لمعاناة أعمق مرتبطة بالوجود والمعنى، وربما بالأحلام والأماني التي يبنيها الإنسان، لكنها تبقى بعيدة المنال. ، لكنه يظل متشبثًا بها، كما يقول “سأبقى طالبًا فكرةً نأَتْ”، معبرًا عن أمل لا ينضب)) .
& د. أسماء غريب – من المغرب توقفت في ديوان ( أناشيد للأطفال ) عند قصائد( صديقي العصفور ) ( الطائرة ) ( أحضنُ عودي )وقالت :((اقلبٌ بريش ، ونفس تطير ، وجسد هو عود يحضنه الشّاعرُ لينشد للكون بأسره أغنيّة الرّوح الحرّة الطّليقة من كلّ أغلال الأسى والتعاسة والحزن ، فماذا نبغي أكثر من هذا ؟ . فهنيئًا لنا جميعاً ببلوغ مقام التحليق هذا برفقة الشاعر إيليا))
الصحفي نصر محمد وصف الشّاعر القس إيليّا وشعره ب (( شجرةٌ قديمةٌ جديدةٌ لا تشيخ أوراقها ولا تبلى ثمارها وجذورها ممتدّةٌ عميقًا في تربة الإبداع الخصبة وعصيّةٌ على هجمات القحط وضربات الجفاف ) سوريٌّ تربّى على وقع الشِّعر والقصيد ونهل من الّلغة أعذبها ))
&الأديبة والأكاديمية اللبنانية د. ليلى صليبي تقول :((يتميّزُ أسلوبُ االشاعر”جوزيف إيليا” بكتابةٍ تجمعُ بين الشفافيةِ الوجدانيةِ والنبرةِ التأمليةِ العميقةِ، حيثُ تبدو القصيدةُ لديه أقربَ إلى مناجاةٍ داخليّةٍ تتقاطعُ فيها الروحُ الإنسانيةُ مع الأسئلةِ الوجوديّةِ. لا يعتمدُ على الزخرفةِ البلاغيّةِ الثقيلةِ بقدرِ ما يراهنُ على الإيحاءِ والهدوءِ العاطفيِّ، لذلك تأتي لغتُه سلسةً لكنّها محمّلةٌ بطبقاتٍ من الحنينِ والانكسارِ والتأمّلِ. فضلا عن كونها هادئةُ مموسقى ، فحتّى في قصيدةِ التفعيلةِ، يحافظُ على إيقاعٍ داخليٍّ واضحٍ، وتبدو جملُه الشعريّةُ متدفقةً برهافة ، ولا يقطعُ مع التراثِ العروضي، بل يحاولُ توسيعَه وإحياءَ بعض ِإمكاناتِه، مدفوعا برؤى فكريةُ:
* الإيمانِ بالإنسانِ رغمَ ضعفِه، * والبحثِ عن المعنى وسطَ الخرابِ،
* والانتصارِ للمحبةِ والجمالِ باعتبارهما مقاومةً روحيةً،
* الشعرَ عنده فعلُ خلاصٍ وحفظٍ للذاكرةِ في مواجهةِ التآكلِ والمنفى.
* المرأةُ رمزٍا للحياةِ والخصبِ والجمالِ الروحي ،.
تبدو تجربتُه قائمةً على: شعريةَ التأمّلِ الحزينِ؛ حيثُ يمتزجُ الصفاءُ الروحي بألمِ الإنسانِ ، دونَ صخبٍ أيديولوجي أو افتعالٍ لغويٍّ.

&& تحت عنوان (بين شاعرين ..الجواهري والقس جوزيف إيليا ) كتب الشاعر العراقي ،، زيد خالد علي،،دراسة لقصيدة “للآن” وقال :(( هناك شرارة يقدحها شاعر في شاعر آخر وليس بالضرورة أن يكونا في ذات العصر والبلد ، لكن أحدهما يستفز الآخر من مكنوناته بلا موعد وبلا معرفة بشخصه أو انتمائه ، وهذا ما يجعل النصوص تعيش فترة أطول من مشهد ولادتها وقراءتها ، فالحبرُ الذي يتمدد على السطور سيستيقظ ذات يوم بلون آخر ودلالة أخرى.
شاعرنا الأول الجواهري يفخر بالماضي المشرق الذي خرج للعالم من آفاق بابل من فن وحضارة وأحكام دول وزهوِّ مملكات ،وهو يصدح :
للآنَ يُحتاجُ في إصلاحِ مملكةٍ نظامُ دولةِ آشورٍ وكلدانِ
هنا حمورابِي سنَّ العدلَ معتمدًا بهِ على حفظِ أفرادٍ وعمرانِ
وبعد تسعين سنة وأمام هذه اللحظة الشعرية الفاخرة، يأتي شاعر ماجد آخر ، يبكي بحرقة أمام هذين البيتين في لحظة مقارنة محاولاً إيصال صوته لأبناء جلدته ومحاكياً الشاعر الأول (الجواهري)( للآن)
للآنَ منهارةٌ جدرانُ أوطاني فلا حياةٌ بها تحلو لإنسانِ
“جواهريُّ” وأنتَ الفذُّ نتبعُهُ في قولِ شِعرٍ قويِّ اللّفظِ فتّانِ
فلْيأتِنا ما مضى مِنْ زهوِ أمّتِنا بوثْبِ جيلٍ سليمِ الذّهنِ يقظانِ
لكي تُنادى أسامينا ولا يدُنا تُلوى بقبضةِ خدّاعٍ ولا جاني
العاطفة الوطنية والتاريخية حاضرة في النصين والشاعر إيليا يبدأ رحلة الوجع بمحاكاته حياة لا تصلح لنفسٍ تريد عيشاً آمناً ورغيداً ،
& الناقدة السورية فيروز مخول درست قصائدة عدة للقس ايليا ووجدت في قصيدة ،، للآن ،، المفارقة الكبرى مع الجواهري: فهو يكتب شعراً قوياً ، لكنه يقول داخل الشعر نفسه أنّ الشعر تدهور. هذا يجعل القصيدة واعية بأزمتها؛ فهي تحتجّ بالشعر على زمنٍ أهان الشعر.
هذه القصيدة تقوم على حوارٍ عابرٍ للزمن مع محمد مهدي الجواهري، ومرافعة شعرية معاصرة تُحمِّل الحاضر مسؤولية خيانته للماضي. .
وتحت عنوان ،،بين التأويل واللفظ،، قرأت مخول نص مواطنها “احملوا قبوركم وارتحلوا”فوجدتها :((قصيدة تخاطب موتى وتطلب منهم الرحيل. وقصيدة وجودية عميقة تدين الإنسان الذي فقد إنسانيته، وتحكم عليه بالموت المعنوي، حتى لو كان حياً جسدياً. حيث يقول :
ليس كل حيٍّ حيًاً…..وليس كل ميتٍ ميتاً
فالحياة الحقيقية هي:
“أن يحتضن الدنيا بعشق فارحاً يرقص في أعراسها”))
&النّاقد الدّكتور عبد الكريم الحلو من العراق وعبر قراءةٍ قصيدة ،، أين أنت ،، قال :((الشاعر إيليا لا يكتب شعرًا للزينة، بل يوقظ فينا الضميرَ القتيل، ويصفع الوعي المُخدّر. إنه لا يبحث عن موقع جسديّ للمخاطَب، بل عن الوجود الضائع بين الأسئلة، عن الفعل الغائب في زمن العجز، عن الإنسان الذي نسي نفسه وهو يلهث خلف وطنٍ لا يفتح ذراعيه، وزمنٍ لا يمنحه موضعًا لخطوته.
* إذا كانت الرموز في القصيدة تشير إلى المعاناة الداخلية، فإنّ البنية العميقة للنصّ ترسم ملامح تجربة وجودية صريحة، حيث الذات لا تُستدعى بوصفها ضحية، بل تُستفزّ لتُمارس حقها في النهوض. هذه ليست قصيدة عزاء، بل نداء للوجود المحارب، للذات المذنبة والغائبة أن تقف على رجليها من جديد.
* وهذا هو جوهر الشعر الأصيل في زمن الانهيار:* أن لا يكون مجرد مرآة للألم، بل أن يُصبح سيفًا ضدّ الصمت، ونداءً يُعيد ترتيب الإنسان في قلبه.
في شهادة الناقد سعيد محتال من المغرب خير مثال “هكذا أصبحُ شاعرًا” حيث ينوّه لقول الشاعر في أحد حواراته أنه “يسعى في نتاجه الأدبي الى خلق عالمٍ من الجمال في ظل القبح والحروب التي دمّرت كلَّ شيءٍ خاصة في بلاده”.. ذلك هو قلب الشاعر جوزيف إيليا، لحظة شعرية بدأت بكلمة “أحب”. لتغوص بنا إلى عوالم حيث التجديد والجمال، عالم شعري مليء بالحقول والزهور والرّوابي، لتنقلنا إلى ملاذ العاشقين الهاربين من هموم الحياة، وهذا ما هدانا إلى مرافقة الشاعر في رحلته لنكتشف كيف يُمكن للحب أن يحوّل إنساناً إلى شاعر.. أن تكون شاعراً عليك أن تحب الخير و الناس،
هكذا أصبح شاعرنا شاعراً من خلال رؤيته التفاؤلية للحبِّ والحياة، تجلت في مقاطع قصيرة ومتكررة، أعطت للنص إيقاعاً سريعاً ومتسارعاً، تعكس حالة الانطلاق القوية التي افتتح بها النص. معتمداً على أسلوب انفعالي عاطفي، وشاعرية رقيقة، وبناء فني متقن، حيث ألفاظه كلّها تدلُّ على الحسن والجمال، وحبِّ الشاعر للحياة.. مشاعر أحدثت تحولاً عميقاً في نفسية الشاعر. وثمة تلاحم قوي بين مكونات النص الشعري، جعلت منه نموذجاً يمكن السير على خطا الشاعر، والاستفادة من تجربته الكبيرة في نسجه لشكلٍ شعري متطور يُساير العصر، حيث يضعك أمام تصور جلي لوظيفة الشاعر النبيلة في هذه الحياة.

وتحت عنوان (ألفيّة القس جوزيف إيليا) بين هندسة الشكل وجمالية القيَم في الشعرالعمودي المعاصر كتبت الناقدة الأردنية د. عبير خالد يحيي فقالت (( هذه المجموعة الشعرية عمل استثنائي، ليس فقط من حيث حجمها الذي يتجاوز الألف بيت، بل أيضًا من حيث عمقها الفني والفكري الذي يمزج بين الأصالة والحداثة، وبين الذاتي والإنساني.
يمثّل هذا العمل وثيقة شعرية شاملة، يختزل فيها الشاعر تجاربه الحياتية، تأمّلاته الفلسفية، وأبعاده الروحية. ويتميّز النص بتوظيف بحر”الرجز التام”، وهو اختيار يحمل دلالات رمزية، حيث يجمع بين القوة الإيقاعية والمرونة التعبيرية، ما يُتيح للشاعر التحليق بحرية في عوالم فنية متعددة.
تميّزت الألفية بثرائها الفني؛ حيث قدّمت رؤية متفرّدة للقصيدة من خلال التزامها بالتسلسل الأبجدي، ممّا أضفى على العمل بُعدًا تنظيميًا محكمًا. هذا إلى جانب الاستخدام المكثّف للرمزية والاستعارات التي أثرت النص، ومنحت القارئ مساحةً للتأويل والتفاعل مع النصوص على مستويات متعددة)).
&الشّاعر والأديب العراقي علي الطائي قرأ
قصيدة “هاتي عودي” فوجدها ” تنتمي إلى عالم الشعر الذي يمزج بين الحنين العميق والوجد الإنساني المتدفق. ولوحة فنية يتقاطع فيها الوطن بالوجدان،، والألم بالأمل. تأخذنا أبيات القس إيليا إلى فضاء شعري مشحون بالعاطفة والصور البلاغية الرائعة، حيث يصبح العود رمزًا مزدوجًا للذكريات القديمة والبعث الجديد.
تزخر القصيدة بصور بلاغية مدهشة تحمل في طياتها عواطف متعددة. يقول الشاعر:”يا أحلى ما في أزمنتي / في بحرِكِ أُطلقُ أشرعتي”
تظهر براعة الشاعر في خلق توازن بين الألم والأمل من خلال ثنائية متكررة في القصيدة. فبينما يقول:”كفاني نزفًا لأصوغَ جراحاتي عزفًا”
قصيدة “هاتي عودي” هي عمل فني راقٍ يحمل في طياته أبعادًا نفسية وإنسانية عميقة. من خلال رمزية العود وابنته، يعبر الشاعر عن صراع داخلي بين الحنين والألم، لكنه ينتهي بانتصار الأمل والحب. بأسلوبه العذب وصوره الشعرية الآسرة، ينجح القس إيليا في خلق نص يعانق القارئ ويأخذه في رحلة وجدانية فريدة تجمع بين الشجن والجمال.
الكاتب والشاعر العراقي علي محمد العبيدي قرأ قصيدة ( أحلم بي ) وقال
تميز الشاعر إيليا بقدرته على الإبداع الفكري بأسلوب تعبيري هادئ ، بالإضافة إلى تمتعه بملكة فكرية ساعدته على إبداع هذا النص المتميز ..
إنها قصيدة رائعة حملت في طياتها صورًا خيالية بديعة ،الأساليب البلاغية والاستعارات كانت حاضرة وبعمق في القصيدة ، الترابط الموضوعي وتسلسل الأفكار أعطى النص إيقاعات جميلة تساعد على التفاعل معه بصورة إيجابية وتسهل على المتلقي فهم مقاصده ” “
والاستعارة المكنية ، أعطت النص رونقًا يستقبله المتلقي بدهشة ، ورسالته وصلت سلسة وبأسلوب شاعر متمكن يريد أن تكون فلسفته الفكرية مقنعة في المواقف الصعبة التي لا خيار فيها سوى المواجهة والثبات في سبيل الحق
” وامتطي متن بروقي لا يخيب خطوها :
وتقول الأديبة فاطمة هفداهي إن شعر القس جوزيف إيليا يقوم على ثلاث ركائز أساسية متداخلة:
أولًا: البعد الإنساني، حيث تتصدر ثيمات الحب، الفقد، القلق، والبحث عن المعنى.
ثانيًا: البعد الجمالي اللغوي، الذي يعتمد على الإيحاء، والهدوء الإيقاعي، والرمزية المتدرجة بدل الزخرفة المباشرة.
ثالثًا: البعد الوجودي/الروحي، حيث تتحول المحبة والجمال إلى شكل من أشكال المقاومة ضد الخراب والغياب.
في ضوء ذلك، يمكن النظر إلى تجربته بوصفها شعرية تأملية حزنها هادئ، لا يعلن الانكسار بشكل فجّ، بل يعيد تشكيله داخل بنية لغوية تميل إلى التخفف والصفاء. إنها كتابة تقف عند تخوم الإنسان والروح، دون أن تدّعي امتلاك الحقيقة، بل تكتفي بفتحها على احتمالات متعددة.
وبذلك، يمكن اعتبار تجربة جوزيف إيليا واحدة من التجارب التي تعيد تعريف العلاقة بين الشعر والإيمان، ليس بوصفها علاقة صراع، بل بوصفها علاقة تداخل وتكامل، حيث يصبح الشعر امتدادًا للسؤال الوجودي، لا بديلاً عنه ولا تفسيرًا نهائيًا له.
تحية لكل القراءات التي تناولت ادب القس والشاعر بالتحليل والتمحيص لاستخراج الجمال الروحي الذي يصب في قالب الانسانية المبنية على التسامح والإخوة والمحبة .
“* سعدالله بركات – كاتب وناقد سوري أمريكي





