
،، عن نصّ سعد الله بركات ،،وهوت سروة الدار ،، *بقلم عزة مبارك
الخاطرة وجدانية عكست مشاعر عميقة من الحنين والارتباط،
*بقلم عزيزة المبارك
&& بدأ الكاتب الصحفي سعدالله بركات نصه بمقدمة حزينة، ترمز للفقد برحيل “،،سروة،، الدار”، والسروة شجرة معمرة ترمز للأصالة والثبات، ما أوحى لرحيل عزيز فإذا هي ،،أمّه ،، من دون وداع. تحدث الكاتب عن دمشق على اعتبارها ليست مجرد مدينة، وعبر عن خوفه أن يكون هذا الوداع نهائياً، ويوضح أن علاقته بالشام ليست علاقة مكان فحسب، بل علاقة عاطفية “يسكنها في شغاف القلب”، أعماقه، وبين الجفون و يعدها علاقة نشأة، فهي المدينة التي احتضنته طفلاً وشاباً، وفيها عمل في مؤسساتها الإعلامية.
الكاتب اعتبر دمشق بوابة العالم، التي فتحت له آفاق الحياة والصداقات والنجاحات رغم كل التحديات.
ركز على معالمها ” جبل قاسيون، بردى)، كرموز للهوية والجمال. وصف”قاسيون”، بالمرأة التي تعانق الشمس، في إشارة إلى شموخه وجمال الإطلالة منه.
ذكر الربوة وبردى “هنا سكن بجوار الجبل مستنشقاً نسيم الربوة”، وعذوبة نهر بردى. وهي تفاصيل تبرز الارتباط الحسي بالمكان على مدار أكثر من ثلاثين عاماً.
يتساءل حول كيفية وداعها وهي التي حملت تفاصيل حياته؛ حيث التقى بشريكة حياته، وبنى عائلته، وجمع ذكريات العمل والحياة، هو لا يودع مجرد مكان، بل يودع “عمره”، بكل ما فيه.
يشرح النص رحلة الاغتراب المبكر، ويستحضر النص، مفارقة زمنية؛ الكاتب غادر قريته صغيراً نحو ” حمص فدمشق”، للعلم والعمل ولم يرتو من طفولته بعد. و بعد التقاعد وجد نفسه مع قدر الترحال المستمر.
وصف الكاتب بركات “الأمل”، بأنه كان الترياق و العلاج الذي ساعده على تحمل أوجاع الغربة ومرارتها.
هذا الأمل تجسد في لحظة العودة ولقاء الأهل، وصيحات وقبلات الوالدة التي حولت الحلم إلى حقيقة ملموسة بعد أن كان يخشى تلاشيه.
يصور بعدها الكاتب مشهدًا مؤثراً لوداع “أم سعد الله”، لحظة الفراق “خلسة”، ربما لتجنب ألم المواجهة المباشرة حيث يضفى الدمع والغصات على الموقف، مع الإشارة أن السفر سيكون طويلاً ، أو نحو أفق مجهول.
النص عبق بالدلالات الرمزية واللغوية: سروة الدار، رمزية إلى رحيل شخصية رصينة ،، الوالدة ،، ركن أساسي من أركان البيت، السرو شجر يمتاز بالشموخ والخضرة الدائمة وسقوطه “بلا وداع”، يوحي بالصدمة والفقد المفاجئ.
دمشق”الشام”، ليست هنا مجرد مدينة فقط ” بل أن حاضنة، رمز للاحتواء، العلم، الصداقة، وهي “شغاف القلب”. التي تمنح الهوية والمعنى للحياة.
“انسنة المكان”، أضفى صفات بشرية على دمشق وقاسيون فالشام، “تحتضن”، وقاسيون يعانق الشمس، مما جعل العلاقة مع المكان علاقة حب وتفاعل، إنساني، وليست مجرد إقامة جغرافية.
اعتمد التضاد الجمالي، وأبرز الجمال من خلال ثنائيات الحياة “نجاحات مقابل عرقلة وخيبات، مما أعطى النص واقعية وعمقاً شعورياً.
استحضر الكاتب سعدالله الحواس في النص “البصر ، تكحّلت عيناي و الشّم تنشّقت نسيمات، في تناغم حسي وجداني مما خلق تجربة جمالية مكتملة جعلت القارئ يتخيّل عطر المناظر.
استخدم النصّ العواطف الصادقة بلغة انسيابية، مع التكثيف الشعوري، استطاع ان يلخص مسيرة كاملة وربطها جغرافياً بمكان ما.
عكس النص التجربة المريرة بين الاغتراب والحنين، “دمشق”، ليست مجرّد مدينة بل رمز هوية ووجود بنظر الكاتب.
رمز للبراءة وجذوره بالقرية التي نشأ فيها، ومدى ارتباطه بأرضها، والدفع المبكر، نحو المدينة، رمز اغتراب قسري.
تجلت مشاعر الغربة، التي ترمز إلى الضياع والوجع النفسي. والعتمة التي ترمز إلى اليأس والظروف القاسية التي مر بها الكاتب في رحلة اغتراب.
“لثم التراب”، رمزية الكاتب بالانتماء للأرض وهو يجد قمة لها، وهو بمثابة الملاذ ونهاية الشتات.
رمز الكاتب للروابط الأسرية والعاطفة التي لا تتفصم “نشيج الاخوة وصيحات الوالدة.
نلاحظ في النص جدلية الفرح الحزين ، مت من خلال الغصة والدمع في رمز الصراع الداخلي.
،،الأمّ،، السروة،، رمز الصمود التجدد والبركة، بقاؤهما في الدار بعد رحيل الأم يشير إلى أن أثرها لا يزال لكن “صامت وحزين”.
العريشة ترمز إلى الظلّ، الاحتواء واللمة العائلية التي افتقدها الكاتب برحيل الأم، وتشتت الأبناء.
المصطبة رمز بها للحضن الاجتماعي والأمومة التي كانت الأم تستقبل فيه زوارها، وانهيار السروة مع أول عاصفة، يرمز إلى تصدع ركائز العائلة وفقدان الأمان برحيل الأم التي هي بمثابة العمود الفقري للمنزل.
رمز للوحشة والوحدة “خلو الدار”، حيث تحول المكان من وطن صغير دافئ إلى مجرد جدران خيالية.
ذكر الزمن وفصول السنة “الخريف”، رمز به إلى النهاية والذبول، و”آذار، وحزيران، الربيع وبداية الصيف أوقات تعكس التناقض بين تجدد الطبيعة وبين مرارة الفراق.
نلاحظ أيضاً رمزية التشتت والابتعاد عن الجذور ودلالات روحانية والتسليم بالقضاء والقدر.الغصات وحرقة القلب، كلها رموز حسية للألم النفسي العميق.
النص عبق بالمشاعر الوجدانية قدمها الشاعر من خلال إيقاع وجداني عالي، وكان مرثية للمكان والزمان، مزج فيه الكاتب بين الحزن والفقد والامتنان،
الكاتب وصف الغربة، الصبر على الفقد بمشاعر مؤثرة وتعابير لامست وجداني، واختار المعاني والصور الجمالية والفنية بكل براعة. نجح في اختيار كل مفرداته بكل فنية عالية. كل الألق والنجاح الدائم.
* ناقدة سورية
وهاكم نص الخاطرة
،، حين هوت سروة الدار .. ،،*بقلم سعدالله بركات
.. كنت أخشى أن يكون الوداع الأخير ، ، لا أعني به وداع دمشق فقط ، فالشام أحتضنها على شغاف القلب وبين الجفون ، كما احتضنتني فتى فدرجت في مرابعها على دروب العلم في جامعتها ، والعمل في مدارسها وإعلامها ، بل وفتحت أمامي رحاب العالم والحياة والصداقات كما النجاحات على ما تخللها من عرقلة وخيبات .
وأما قاسيونها فقد تكحلت عيناي بمرآه حين يعانق الشمس صباح مساء ،مذ جاورته عملا ثمّ سكنا ، فتنشقت نسيمات الربوة وعذوبة بردى ، على مدى نحو ثلاثة عقود ونيف ، والأمل بالمزيد المزيد .
كيف لي أن أودع دمشق ، دون أمل ، وقد التقيت فيها شريكة عمر، وفيها أسسنا بيتا وعائلة واكتنزت تجربة حياة وعمل ، فما بالك بمرابع الطفولة ؟ بقرية دفعتني مبكرا إلى المدينة والعمل ، فلا انا ارتويت يافعا ، ولا حين حان التقاعد وراحت تحتضن من جديد جيلنا الذي باعدته مسالك الحياة ، والأمل مايزال أيضا هوالعزاء وإن في ثراها.
الأمل لم يخذلنا ،وحمدا لّله ، كان الترياق الذي ساندنا ونحن نتقلّب في مواجع الغربة ، والنور الذي أضاء عتمة لياليها ، وبدّد مرارة أيامها ، لاسيّما حينما تحقق ولثمت التراب ليبلّله دمعي ونشيج إخوة وأقارب ، على وقع صيحات الوالدة : حيّك ، حيّك ، وأمّا قبلاتها فأيقنتني أنّ الحلم بات حقيقة بعدما كاد أن يتلاشى ، فحين ودعت أم سعدالله خلسة ، كلانا غالب الدمع بغصات ، لم تكن تدري ان سفرنا سيطول..وندخل في أفق المأمول .
لقد صمدت أم سعدالله بعقودها العشرة مع ماواجهته من محن ،و مابين وداعها ذات أربعاء حزيراني وآخر ، أربعة أعوام ملأى بغصات روح وحرقة قلب ، لكنّ الأخير أكثر وجعا وأشدّ حسرة ، لقد تفرق أبناء وأحفاد ، رياح العمر تعصف مسرعة بأيام خريفه ، لم يمهلنا القدر شهورا أخرى ، فذات عصر من مطالع آذار ، وما أن ودّعت مصطبتها ، حتى أسلمت الأمانة لباريها ،…وخلت الدار إلا من عريشة وزيتونة وسروة خمسينية ، افتقدت من يصابحها فهوت بعد أيام مع أول عاصفة وها مصطبة أمي تخلو من زوّارها ، فبين حين وآخر توجعنا في غربتنا أخبار الرحيل من حارتنا …ولكنّ أمي بلا وداعنا رحلت.




