عريشة أمي * سعدالله بركات

Share

عريشة أمي …

 

تعلق أمي بدولابها ، لم يغنها عن هوايات وومارسات منزلية -حياتية أخرى ، فكان لأمي دجاجاتها وعنزتها ، وتنورها ، كما تذكرها عريشتها .لم يكن ثمة في دارنا ولا أزقة حارتنا العتيقة من مجال لزراعة نبتة ، ولا أذكر لمحت أصيص ورد ،والناس يعتمدون على الزراعة لكن في حقولهم وإن بعيدة ، ما أن سكنّا في دارنا الجديدة، حتى استثمرت أمي حفرة عميقة أمام الغرف نتجت عن استخدام التراب بجبل طين البناء ، وأوصتنا بزراعة عريشة تولت سقايتها ممّا كانت وكنّا نجلبه من بئر دار أبي نبيل ، لكن بعدما تكون أدت واجبها اليومي المعتاد مع دولابها ورفيقها الأثير ،كانت ،وصيتها مجدية فالتربة الهشة في ردم الحفرة ساعدت كثيرا على تسرسب ماء المطر وفضلات مانستخدمه من الماء ، كما سهلت تمدّد جذور العريشة ، فصارت وارفة وتدلت منها عناقيد عنب ،،الزيني ،، الأبيض الشهيّ ، طالما أفرحتنا وأمّي ، إلى أن قيّض الله للبلدة مصدر ماء ونفّذ مشروع جرّها ١٨ كم من حسياء ، فاعتبرت الحنفية للزرع ، أولا وثانيا ، فنوعت مزروعاتها من الخضراوات الصيّفية ، كانت تهتم بورق الملفوف فصارت أكلتي الشهية ، حين لاتتوفر تسارع فتشتريها ، ثمّ نوّعت في الأشجار ، خاصة بعدما سوّرت الدار ، زيتونة هنا ,اخرى هناك ، فسخ من تينة كرم عبود وطلاوة لاتنسى جنوبا ، ورمّانة شمالا ، سنة تزرع من حلو الرمّان وسنة من ،، اللفّاني ،، حامض – حلو ، كما من العنب الذي اعادها لصنع الزبيب ، فعريشة أمّي صارت عرائش من غير نوع ، فعطيت ظلالها ساحة الدار ، مثلما زيّنتها الثمار ، وكيف أنسى أنّها حرصت على فسخ من عريشة كرم العين ذي الحبّة الصغيرة والعناقيد الكثيفة زرعته في زاوية شمالية تفسح لها التمدّد بافتخار ، قبل أن تؤمّن لكل عريشة سريرا حديديّا تمدمد غصونها عليه مرتاحة علية ليل نهار ، وكيف أنسى فرحتها حين تلألأت لسنوات ثمار شجرتي كرز شهيّ تبرّع لي بهما صديقي أحمد من سرغايا ، بعدما هجرت أمي دولابها على مضض ، راحت تنشغل بحديقتها ، ولا تني تطلب مشورة من قريب او عابر طريق او مساعدة في توصيل نبريج ماء ، وهي تصابحها وتماسيها ، متمتعة بها مناظر و ثمارها ، وكنت أتولى مسؤولية بخ الشجر والثمر وقاية ومعالجة كما قطف الزيتون في إجازات خاصة .

وربما بوسوسة من دولابها الذي غاب عن العين ، وراح يفرد ظلّه وجرس الذكريات ، وسعّت أمي طموحها فأصرت على الاشتراك بعداد ماء آخر شرقا وبنا ء خزان كمصدر ثان حفزني وهي على غرس أشجار …تذوقناها من درّاق وسفرجل ومن عنب وتينة هدية من صديقة زوجتي، ماتزال تفرد أجنحتها متجاوزة السور داعية كلّ مشته أن يتذوٌق شاكرا ومشكورا، وها نحن في غربتنا نتشهّاها ، حين قيض الله لنا فسحة زيارة لم نمكث في دمشق طويلا، لاوقت… فإلى “صدد ” …تلفحك بغبار البادية فتزداد اطمئنانا ، لمّا لثمت العتبة لوحت لي عريشة الدار ذاوية ، تحشرج الحلق بغصة وأنا أتهجّى

” عريشة الدار لاتبكي .

فالبكا مرّ الحنين ،

ليت غيابنا أيام ….

ولكن شهورا وسنين .. “.

عريشة أمّي وبحرصها تعددّت ،وآنستها شجيرات عديدة ومازالت تينتها وبعض عرائش وزيتون ، تلقي تحايا الصباح والمساء على المارة لعلّهم يذكونها بالخير ولعلّ من تولاها عناية يتقن ما وجب ورجوته ، وإن بترحّم مأمول .

* كاتب سوري أمريكي – من رواية دولاب أمّي